تفاحة مخملباف وعوالم أُخر

تفاحة مخملباف وعوالم أُخر

محمود عواد

من الجلي للمختصين أنَّ السينما الإيرانية أفادت أيما فـــائدة من التجارب الإيطالية الواقعية ونظرياتها ، وظهر هذا التأثر في أفلام المؤسّسين الأوائل أمثال إبراهيم كلستان ، وبقـــرة داريوش ميهرجويي ، وكيارستمي في أُولى تجاربه، ولا سيما في فيلم (المصوّر) ،

وصولًا إلى مستعمرة الجذام لفرخزاد الــذي لا يخلو من اندفاق شعري، هذه الأفلام جميــعاً هي من شرعــــــت باب التجريب لــــسينما تقوم على الواقعـــــية السحرية ،وتُعـــنى بالانغماس في الفكــرة الرئيسة للفيلم ،مـع مراعاة تنوع المشارب الفـكرية والأُسلوبية لكـــل مخرج ، و تجيء تجـربة سميرة مخمـــلباف على رأس قائمة المُحــدثين الجدد في صناعة الفــــــيلم الإيراني، إذ استطاعت وبزمن لافت مـــــن تأكيد حضـــورها بين أسماء وازنة في مهرجانات عالمية نالت فيها العــديد من الجوائز الهـــــــــــامة ، وعلى الرغم من تأثــــيرات مخمــلـباف الأب وتعــــاونهما في كتابة سيناريوهات، إلا أنَّ تجربتها تشير إلى أنَّنا أمام مُحتَرفٌ فيلمي مستــــــغرقٌ في الخصوصــــية والفرادة ، وهـــــذا متأتٍ من تمجيدها الحسّ الشعري في اصطياد العابر والجزئي من حــــيوات الفرد ، والعمل على جعله كليةً راهنة ، إذ تنطــلق من جـــــــــزئية الثيمي إلى المعالج الإخراجي ، منســــجـمةً بذلك ونظريات سينما الموجة الإيرانية الجديدة ، القائلة بالتـــــركيز على الفكرة ،و السماح للتـــداعي البصري بالتدفـق بانسيابية عالية ،ما يمنح المخـرج حرية التنقل البصري داخل الفكرة الواحدة، و يستلزم هذا توافر مخيال مُحفَّز بصــــورية الواقع التـــــــخييلي الذي يستطيع عِبره الفنان أن يلمس سحرية المعيش بالتوهج الفني ، ما يؤدي أحــــــيانًا إلى اجتراح سوريالية حَدثية وليست مشهدية ، أي الاعتماد على الحادثة في تحفـيز المخيال ، وهذه سوريالية ذاتية ،فيما المشهدية منها ، فيبرز فيها الرهان المرجعي ، ما يُورط الفــنان في نــظريات الأسلاف الغابرة ، وهنا يُصاب المعمل الحاسي بأعطال ، نستخلص من هذا أنَّ مخملباف مأخــوذة بشحذ فكرة الواقع بالمخيال الذاتي ، فالاحتماء بالــــــــــسبورات المتنقلة من رصاص الحرب ، وتراصــــــــــفها مع بعـضها بهــــــــيأة طيور منكمشـــــــة على صغارها هــــو تكوين سوريالي منبثق من التخييل الـذاتي للحادثة ،الفيلم الذي جسّد أحدى شخصياته المخرج بهمن قبادي ، ويروي قصة معلمين جوالين ،يقررون الذهاب بسبورات محمولة على الظهـــــور إلى قرى جبال متاخمة للشمال العراقي ، رغبة منهم في تعليم الصغار هناك ، ما يمكّــــــنهم من البقاء عــلى قيد الحياة ، لكنهم يُستقبلون بأقسى مما يعانون ،فيجــــد أحد المعــلمين نفسه بين مهاجــرين أكراد يرومون دخول الأراضي العراقية تحــت نيران الدولتين ،وقــــد ناقش الفــيلم موضوعة الاضطهاد الهوياتي ، إنّ انهماك المخرجة في ملاحقــة الحوادث المموّهة ،أضفى على مخيالها الفيلـمي سمات التفــرد في ملامســتها غياب الإنساني في تلاشي المصائر ، أي إنها تتبنى المأزق الفردي لتلــــمس بوساطتـــه الانهيار القيمي للمجتمع ، ومثال ذلك فيلم (حصان) ، ففيـــــــه عَبرت من الحادثة إلى الحكاية ، أي من الفــــردي إلى الاجتماعي ، ذلك لأنَّ انحسار الحادثة في شخص ما ، يخلع عنـها الطابع الحـكائي ، ولا تتزيا الحادثة بالحكاية ما لم تُروَ إلى آخرٍ يُسهم في فك شيفراتها في الإصغاء والقول ، مترصــــدةً ذلك من خلال حملها لكاميرا ذاتية في عرضها للســـؤال المأزق ، فما معنى أن يصبح طفلٌ حصاناً لابن غني ، يحمــله على ظهره يوماً كاملاً ، ليــــس لشـيء سوى أنه ابن لأســـرة متعففة ، فيما جاءت المعالجة الإخراجية موازية إن لم أقل قد فاقت الثيمة الحكائية للفيلم ،من حيث سرعة الكاميرا المتـــوافقة وسرعة الحدث ، والملاحظ أنّها أرادت أن تضع فاصلة بين فيلم وآخر، ومع حفظ رائحة السرّية المتغلغلة في مشغلها السينمائي ،لا تنبّه إلا لسينما سيميرة مخملباف فحسب ، وتأكدت هذه الرائحة في رائعـتها ( التفاحات ) الفـيلم الذي رسّخ من حضــــورها في العالم الفيلمي، ثمة أمر لابد من التنبّه إليه يكمن في لغزية اللعب على التفاحة بوصفها ثيمةً في مناقشـة قضية أُسرة إيرانية تعاني من الانسـحاق المعيشي ، إنَّ مشهد التشبث بتفاحة مدلاة من الأعلى بتخابث لعـبي بين يدي الطفلتين ،هو تلميحٌ بورطة وجـودية داخلية ، وقد برعت المخرجة أيما براعة في اقتناص العفوي في حياة الطفلتين .  

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top