كلاكيت: رواية الساعات بين الأدب والسينما

علاء المفرجي 2021/10/13 11:17:18 م

كلاكيت: رواية الساعات بين الأدب والسينما

 علاء المفرجي

اعتمد فيلم الساعات على رواية للكاتب الأميركي مايكل كننجهام حملت العنوان نفسه، وهي الرواية التي ظفرت بجائزتين أدبيتين مرموقتين هما البوليتز، وفوكنز.. يختار كننجهام الحدث الاهم في رواية (السيدة دالاوي) التي يعدها نقاد ومؤرخو الادب الانكليزي البوابة الرئيسية للدخول الى عالم وولف الروائي، والعمل الذي يشير الى اكتمال ادوات هذه الأديبة.

في فيلم «الساعات»، نحن أمام فيلم سيرة مختلف في بنائه وحتى في رسم شخصياته.. والاختلاف هنا يكمن في كون السمة الغالبة على افلام السيرة، هي تقليدية بناء الأحداث، والتطور الطبيعي للشخصية، والمؤثرات التي تسهم في استثنائيتها وبالتالي خلودها، وربما كان هذا احد اهم الاسباب في نجاح هذا النوع من الأفلام وحيازتها على نسبة عالية من المقبولية لدى الجمهور.

لكننا في فيلم «الساعات» أمام أسلوب غير مطروق، وغير تقليدي في تناول الشخصية، والشخصية هنا هي الأديبة الإنكليزية فيرجينيا وولف، التي تعد احد اهم واشهر الشخصيات الادبية في بريطانيا في الربع الاول من القرن العشرين، ومن اهم المجددين في الأدب الإنكليزي، وتعود لها الريادة مع هنري جيمس، وجيمس جويس في ابتداع تيار الوعي في الرواية الإنكليزية والعالمية. تمتاز أعمالها بفخامة اللغة وشاعريتها.. وقد انتهت حياتها بالانتحار، بعد معاناة واضطرابات نفسية.

الفيلم لم يتقصّ إذن السيرة الشخصية لهذه الأديبة بالشكل التقليدي من نشأتها الأولى انتهاءً بالحدث المأساوي الذي انهى حياتها عام 1941.

يختار كننجهام رواية (السيدة دالاوي)، وبالتحديد شخصيتها الرئيسية (كلاريسا دالاوي)، للولوج الى شخصية وولف الإشكالية بما تعانيه من اضطراب نفسي، ثم لينسج احداث روايته المتطابقة مع أحداث فيلم المخرج (ستيفن دالدري) بإضافة أحداث من نسيج خياله.. ليضع القارئ عند دواخل النفس البشرية، تبدو متماثلة في مراحل زمنية مختلفة ابتداء من زمن فرجينيا وولف في الربع الاول من القرن المنصرم، وانتهاءً بتسعينيات القرن نفسه مع احدى الشغوفات بأعمالها الروائية والتي تحمل الاسم الأول لبطلة رواية وولف كلاريسا، مرورا بشخصية ثالثة وزمنها منتصف القرن وهي تقرأ الرواية..

ثلاث نساء وثلاث مراحل تاريخية متباعدة نسبيا وأحداث لرواية كتبت بداية القرن.. هو موضوع رواية كننجهام التي سيؤفلمها ستيفن دالدري بالاعتماد على سيناريو ديفيد هير، وهو يضع قارئ الراوية ثم مشاهد الفيلم فيما بعد عند موضوع متشابك تتقاطع فيه المصائر وتختلط فيه الاحداث.. الا ان ما يتجلى عنها اسئلة الوجود المحتدمة، ولامعنى الحياة، وايضا حيرة الإنسان ازاء عالم لم يختره.

الرواية كما الفيلم بمثل هذا التشابك في العلاقات ورسم المصائر، والاهم الانتقالات المباغتة بين مراحل زمنية مختلفة ذهابا وايابا، انما تحاكي طريقة وولف في بناء اعمالها الروائية وبالتحديد رواية (السيدة دالاوي)، واسلوبها في وصف حياة بطلة الرواية كلاريسا دالواي زوجة البرلماني في زمن انتهاء الحرب الكونية الاولى في لحظة إشرافها على إعداد وجبة عشاء فخمة.. ثم ترحل بنا في الساعات التي تقضيها مع افكار لوصف لندن قبل اكثر من مئة عام، وتعرّفنا على اسلوب حياة الطبقة الأرستقراطية.. ثم ترحل بنا ذهاباً الى المستقبل.. وهكذا في انتقالات زمنية تتجلى منها نظرة فلسفية للحياة والإنسان.. وبالطريقة نفسها تلجأ الرواية ثم الفيلم في التعامل مع الزمن ولكن من خلال ثلاث نساء.

احداث الفيلم تدور في يوم واحد، فرجينيا وولف عام 1923 لحظة كتابة روايتها الأهم (السيدة دالاوي)، ولورا ربة بيت (جوليان مور) تقرا الرواية عام 1952، ثم صحفية هي كلاريسا (ميريل ستريب) عام 1998.

يوم واحد في ثلاثة عصور مختلفة وثلاث نساء ، وساعات.. « من هدايا الحياة الصغيرة لنا تلك الساعة التي تحتشد فيها حياتنا، تقول كلاريسا ، فيما يستهل كننجهام روايته بما تقوله وولف:» ليس عندي وقت لتوصيف غاياتي. عليّ قول الكثير عن (الساعات) واكتشافي؛ كيف احفر كهوفا بديعة خلف شخصياتي؛ أظن ان هذا يمنحها ما أريد؛ الإنسانية والضحك والعمق. فكرتي عن هذه الكهوف تتواصل، ثم يهلّ كل منها الى نور النهار باللحظة الحاضرة».

الساعات هنا هي ما تحتشد فيه تفاصيل عن العزلة واللاجدوى ، وايضا عن الملل وإيجاد معنى للحياة... سلسلة طويلة تمتد على مدى قرن من الزمن، من الخيابات والرغبات المكبوتة والسعي لان تكون الحياة ذا قيمة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top