امريكا والصين والسلام العالمي اليوم

آراء وأفكار 2021/10/13 11:22:54 م

امريكا والصين والسلام العالمي اليوم

 ماجد الياسري

نصت وثيقة الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأميركي، التي اعلنتها ادارة بايدن في 3 اذار 2021، على ضرورة ان ترسم الولايات المتحدة مستقبل النظام العالمي الجديد وان لا تتردد في استخدام القوة عند الحاجة للدفاع عن مصالحها الحيوية.

و ركز التقرير على التهديدات الصينية للامن الوطني الامريكي و عزوها الى محاولات الحزب الشيوعي الصيني لمد نفوذه عالميا و بلورة مناخ دولي لصالحه و احداث شروخا بين واشنطن و حلفائها لكسر حواجز الاتفاقات التجارية الدولية لتعزيز نمو اقتصادها المتعاظم منذ الازمة النقدية العالمية في ٢٠٠٨ مستفيدة من الوفرة المالية غير المسبوقة التي تملكها الشركات الصينية و ايضا سعيها الى التغلغل الاقليمي في المحيط الهادي و الهندي . ومن اهداف الصين ايضا التوسع في تحديث قاعدتها التكنولوجية خاصة في مهارات الاتمتة و الذكاء الاصطناعي و علوم الروبوتات و اقامة اكبر بنك للجينات البشرية في العالم .ولكن مقابل ذلك تواجه الصين تحديات امنية في هونج كونج و تايوان و مشاكل حدودية مع الهند واليابان بينما تعمل في الوقت نفسه على تعزيز علاقتها مع روسيا و السير قدما لتنفيذ مشروع طريق الحرير لاستكمال هيمنتها الاقتصادية و السياسية و العسكرية على بلدان الجنوب و القيام بخطوات من اجل التحول الى المنافس العالمي الاكبر في مجالات القدرات النووية و الفضاء حيث تسعى الى اقامة محطة فضاء خلال ثلاثة اعوام و مركز ابحاث روبوتي على القمر و ايضا تطوير قدراتها الرقمية في الفضاء. السبراني. كما و تنظر الادارة الامريكية ايضا و بقلق الى الاستثمارات الصينية الضخمة في اسراييل في قطاعات التكنولوجيا الرقمية المتطورة .

ويرى المراقبين ان هذه هي موشرات لتحول هام في توازن القوى الدولي وهو احد اهم دوافع قرار الرئيس بايدن الدراماتيكي و المثير للجدل الى مغادرة افغانستان و الذي اعاد للاذهان الانسحاب الامريكي من سايغون في ١٩٧٥ و اعادة تموضع التواجد العسكري الامريكي في الشرق الاوسط و اتخاذ خطوات سياسية لحلحلة الاوضاع في ليبيا و سوريا و اليمن و دعم التطور النوعي في مسيرة التطبيع العربية الاسرائيلية و الذي ينذر باعطاء اسرائيل دورا اقليميا جديدا تتضح ابعادة بعد و يتزامن مع تصعيد الضغط السياسي و الاقتصادي و الدبلوماسي و الاعلامي على ايران لوقف برنامجها النووي و الحد من تمددها في العراق و سوريا و غزة و لبنان و اليمن فهي كما يبدو اصبحت محور الشر الاقليمي الحالي .

و قد لوحظ ايضا سعي ادارة بايدن الادارة الامريكية لايجاد مسارات متنوعة لتصعيد الخلافات و التوتر مع الصين.و يعتقد عدد من المحلليلين ان هدفها هو خلق شكل جديد من اجواء حرب باردة مع الصين و روسيا بما ينسجم مع خصوصيات القرن الحادي و العشرين لحرف الانتباه عن فشلها في افغانستان و العراق و ايضا لتبرير الانفاق العسكري العالي و التحالفات الجديدة ومنها الاتفاقية الأمنية الجديدة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.

ومازال من الصعب التكهن بابعاد و مدايات هذا الصراع خاصة وان الصين التي انتهجت سياسة اقتصادية مزدوجة طابع راسمالي يعتمد الاقتصاد الحر وفي نفس الوقت دورا لتدخل الدولة في بعض المفاصل الاقتصادية و بقيادة الحزب الشيوعي الصيني حققت تفوقا اقتصاديا و نموا متصاعدا امتد الى مجالات كانت تعتبرها الدول الراسمالية المتطوره و لعقود حكرا عليها و استثمرت مئات المليارات لشراء شركات و استثمارات في العالم و بالتحديد الشركات الضخمة في اوروبا و التي انخفضت اسهمها بشكل حاد بعد الجائحة الى حد ان احد المستثمرين الكبار لويد ويبر في قطاع الخدمات و الترفيه طالب الحكومة البريطانية بالتدخل لان قطاع المسرح الغنائي الذي يدر ارباحا تقدر بالبلايين من الدولارات سنويا مهدد بان يكون مملوكا كليا للصين

كما و نجحت في استقطاب ١٣٨ بلدا للمشاركة في مشروع طريق الحرير الذي يربط الصين بافريقيا وا وربا بريا و بحريا و التي يعتقد انها واحدة من اهم الاعتراضات الامريكية ضد الاتفاقات الصينية مع بعض الدول العربية ومنها العراق . وركزت الصين ايضا على الاستثمارات لتطوير و ادارة المواني في بلدان عدة ويقدر عددها ب ٩٥ ميناء ٢٢منها في اوروبا و ٢٠ في الشرق الأوسط و التي يخشى انها ذات هدف استراتيجي امني اكثر منها مالي و تشكل تهديد للمصالح الامريكية

و للتصدي لهذا العملاق الصيني نوعت امريكا إجراءاتها و الياتها تحت ذريعة حماية الامن القومي ولكن الهدف الحقيقي هو السعي لاستمرار القرن الامريكي الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز القطب الاوحد و الذي يتاكل تدريجيا الان بفعل الضغوط السياسية و الاقتصادية و المالية الداخلية والخارجية خاصة وان كعب اخيل امريكا هي الازمة المالية لاقتصادها و الدولار الذي يفتقد الى الغطاء مقابل الاحتياطي المالي الصيني الذي لم يشهده العالم سابقا بينما يضع توازن الرعب العالمي النووي و الحراري خطوطا حمراء من احتمالات حرب عالمية شاملة يخسر فيها العالم و يهدد مجمل البشرية بالفناء

و من الاجراءات التي اتخذتها ادارتي ترامب وبايدن ضد الصين هو فرض عقوبات تجارية ضدها و غلق القنصليات المتبادل و استعراض للقوة عبر ارسال حاملات للطائرات تمخر البحار الاسيوية . ومن المعروف ان شكاوى الادارة الامريكية المعلنة ليست جديدة و تتلخص بمعاملة الصين لتايوان و حقوق الاقلية المسلمة الاويغور و الخلاف حول بعض الجزر و الحدود المائية في البحر الجنوبي الصيني و قمع المتظاهرين في هونج كونج و اتهامات اخرى بخرق الاتفاقات التجارية و حقوق الملكية في مجالات التكنولوجيا الرقمية و الحذر من استخدام تكنولوجيا الاتصالات للجيل الخامس الذي تقوده هيوي.

ولكن في ذات الوقت تواجه الصين ايضا تحديات كبيرة كجزء من الاشكالية البنيوية للاقتصاد الراسمالي المعولم حيث تصاعد القلق في اسواق المال العالمية من احتمال افلاس شركة ايفرجراند وهي من اكبر الشركات الصينية في العقارات الذي قد يودي الى انهيارات في الاسواق المالية العالمية كما حدث في امريكا عام ٢٠٠٨ عندما افلست شركة ليمان بروذرز و التحدي الثاني هو الصراع داخل الحكومة الصينية حول بين من يريد فك ارتباط الصين بالولايات المتحدة الأمريكية و اخرين ترتبط مصالحهم بالتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية و الذي يجد صدى لدى الصناعيين في امريكا واوربا لاستفادتها من الصناعات الصينية التي تتميز برخص الايدي العاملة و ووفرة المواد الاولية و عدم و جود اجراءات متشددة لحماية البيئة و متطلبات الصحة و السلامة للعاملين فمثلا معظم الصناعات الالكترونية للشركات الامريكية العملاقة و في مقدمتها ابل تصنع في الصين او في جنوب شرقي اسيا الى الدرجة التي تطورت في الصين مهارات في التقنيات و الصناعات الرقمية

فمثلا احتكرت شركتان صينيتان كبيرتين براءات اختراع تقنيات مهمة لتطوير صناعات الجيل الخامس للاتصالات. اما التحدي الثالث و المهم جدا هو النقص الحاد في الفحم والكهرباء و مصادر الطاقة في الصين.

ولكن لايكتمل التحليل بدون اعتبار لدور العامل الشعبي الضاغط داخل امريكا نتيجة القلق و الاستياء من استمرار الحروب الامريكية طوال العشرين سنة الماضية و خاصةاحتلال العراق الذي يعتبر ثاني اكبر نكسة عسكرية لها بعد فيتنام .مما شكل عائقا مجتمعيا امام استمرار الانفاق على برامج التسليح العسكرية العملاقة و الذي له اهمية اقتصادية لتنشيط دورة الاقتصاد الامريكي و التي تقدر بحدود ٧٠٠ مليار دولار سنويا وسياسيا ايضا كي تواصل الادارة الامريكبة الاستمرار في الهيمنة على المشهد العالمي ومن هنا جاءت كما يعتقد البعض بضرورة وجود عدو جديد عالمي على غرار الاتحاد السوفيتي السابق يبرر المزيد من الانفاق على الصناعات العسكرية و التي هي بحدود ٧٠٠ مليار دولار سنويا و تكاليف مئات من القواعد العسكرية في مختلف انحاء العالم و التي اكثر ربحية من الصناعات المدنية السلمية.

عامل ضاغط ايضا هو وجود بعض قطاعات الاقتصاد و الصناعيين في امريكا التي تنظر الى الصين كشريك اقتصادي فالعالم بعد الجائحة يتطلب اكبر قدر من التعاون العالمي و العمل المشترك لايجاد حلول فعالة لما يواجه البشرية من تحديات لم تتضح ابعادها الطويلة الامد و التي قدد تهدد بقائها و انقراضها بعيدا عن مناخ الحرب الباردة و سباق التسلح النووي و التقليدي و المغامرات العسكرية التي كلفت الاقتصاد الامريكي تريليونات الدولارات ، الا انهم لايشكلون ثقلا في القرار السياسي و الاقتصادي الامريكي حيث مايزال الاقتصاد الصناعي العسكري الحجم الاكبر تاثيرا سياسيا وان الارباح الطائلة لاتاتي من فرص السلام بل من خوض الحروب و النزاعات

مما يثير قلق القاعدة الانتخابية الريفية في امريكا لان الصين تشتري الفائض الامريكي من المنتجات الزراعية وايضا في دعم الصين لقطاع التربية و التعليم الجامعي في امريكا نتيجة تواجد الالاف من الطلبة الصينين و هو دعم مالي لايمكن تعويضة لاقتصاديات التعليم العالي الامريكي و الذين بدونه ستغلق اعداد كبيرة من الجامعات الامريكية التي تعتمد على اجورهم الدراسية لضمان توازن ميزانيتها المالية

. و من العوامل الاخرى المهمة ايضا تزايد نضالات البشر و خاصة الشباب و النساء. المجتمعية في العالم من اجل قضايا تهم البشرية مثل التغير المناخي و درء خطر الحروب و التدخل في شؤون الشعوب و ايضا فشل الاطروحة الليبرالية الجديدة من ان الازدهار الاقتصادي سيجلب المزيد من الاستقرار و الديمقراطية على الطراز الغربي

بسبب هذه العوامل يرى بعض المحلليلين صعوبة التنبوء بالشكل الذي ستتخذه الحرب الباردة الجديدة لان العالم يمر بتغيرات جذرية في سياق تشكل نظام عالمي جديد بينما تحاول ادارة بايدن رسم سياقاتها و واولوياتها وملامح مذهب بايدن في السياسة الخارجية و تفعيل القدرات العسكرية و شكل التحالفات الدولية والاقليمية مثل الناتو لمواجهة التحديات مابعد افغانستان.

و وصل الصراع الامريكي الصيني الى الموقف من الجائحة ففي ٢٥ اب ٢٠٢١ استضافت إدارة العلاقات الخارجية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني مؤتمرا عن ملف تتبع فيروس كورونا المستجد عبر منصة الاتصال المرئي بمشاركة ممثلين لأحزاب ومنظمات عربية ، من بينها العراق كرد على التصريحات الغربية عن تسرب الفيروس من مختبر ووهان ومساعيها الرامية لتسييس هذه القضية و للتلاعب بالرأي العام وتشويه الحقائق عبر تسريب معلومات استخباراتية مفبركة بينما تتجاهل استنتاج تقرير البحث المشترك بين الصين ومنظمة الصحة العالمية.

وقد امتد هذا الجدل حول الصراع الامريكي الصيني الى الاوساط الاكاديمية ايضا ، فمثلا كتب ستيف جان مقالا في مجلة القضايا الدولية التي يصدرها جاتم هاوس في لندن مقالا يتناول مقاربة فخ توكيديدس Thucydides (٤٦٠ق م - ٣٩٥ ق م) وكان مؤرخا يونانيا ومؤلف تاريخ الحرب البلوبنزية التي دارت في القرن الخامس قبل الميلاد بين اسبرطة و اثينا و يرى العلاقات بين الأمم مبنية على القوة وليس الحق و خلاصة رايه ان بزوغ قوة جديدة يبث الخوف في قلب القوة القديمة و يجعل من الحرب حتمية بسبب تنامي قوة اثينا والخوف الذي سببه في اسبرطة والتي تم تحديثا بنظرية عرفت باسم ،، انتقال القوة،، التي ترى ان مخاطر الحروب تزيد عندما تصل قدرات قوة ناشئة الى مستوى او اعلى من قوة مهيمنة وسبب ذلك هو تحول في موازين القوة و تقليص الفجوة بينهما ولكنها مع ذلك مازالت مجرد مفهوم نظري وبحاجة الى مزيد من البحث.

ولكن هذه الاجواء الدولية المشحونة تعيد بنا الى مرحلة مابعد الانتصار التاريخي على الفاشية في الحرب العالمية الثانية و مذهب ترومان الذي كان يعتمد على تشديد العداء للاتحاد السوفيتي و محاصرته و تصعيد الانفاق العسكري و التدخل المباشر ضد الانظمة و الحركات الديمقراطية و تصنيع اسلحة الدمار الشامل التي استخدمت ضد اليابان مع مساعي لعرقلة اية محاولات لنزع السلاح .والذي ادى الى ردود فعل عالمية و توقيع اكثر من نصف مليار شخص على نداء استوكهولم الذي يطالب بحضر اسلحة الرعب و الابادة الجماعية في ١٩٥٠ وكان اول الموقعين جوليو كوري و اصبح مناضلا ضد نشر السلاح النووي واول ريس لمجلس السلم العالمي . ولكن ومنذ تسعينات القرن الماضي و بعد انهيار النظام الاشتراكي القائم الباردة تراجعت نشاطاته و انحسر دوره وعلى الرغم من محاولة مراجعة برامجه و هيكليته في مؤتمرات اثينا و كاراكاس (٢٠٠٨) و نقل مركزه الى اثينا الا انها لم ترتقي الى المستوى المطلوب و بقى الطابع السياسي الغالب عليها مقارنة بحركات مجتمعية جديدة نشطة ظهرت منها مثلا الدفاع عن البيئة التي انخرط فيها الملايين و خاصة من الشباب و استخدام منصات التواصل الاجتماعي لاغراض التوعية و التحشيد و التنظيم.

ان تعمق ازمة الخلاف الامريكي الصيني و تصعيد حمى التسلح خاصة اسلحة الدمار الشامل و نقله الى الفضاء و مواصلة التدخلات العسكرية تهيء ارضية موضوعية لانطلاقة نوعية جديدة لحركة نشطة للدفاع عن السلم العالمي ودرء مخاطر حرب نووية شاملة تدمر الارض و انقراض البشرية

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top