بيدرو ألمودوفار يتحدث عن فيلمه القصير  الصوت البشري : أعددتُ مسرحية كوكتو دون أن أجعل المرأة خاضعة

بيدرو ألمودوفار يتحدث عن فيلمه القصير الصوت البشري : أعددتُ مسرحية كوكتو دون أن أجعل المرأة خاضعة

ترجمة: نجاح الجبيلي

- 1 -

يعمل فيلم بيدرو ألمودوفار الجديد، وهو فيلم قصير يسمى "الصوت البشري"، كصندوق مجوهرات لكامل مسيرته السينمائية: حزمة واحدة صغيرة ومذهلة تضم جميع ثيماته وشخصياته وموتيفاته المرئية المحبوبة. تكثـر الإشارات إلى أعماله السابقة:

تؤدي تيلدا سوينتون دور امرأة مرفوضة تقتحم شقتها في زي أحمر وتضع رأسها تحت الدش بعد أن ابتلعت الكثير من الحبوب، في تكريم رهيب لبطلة ألمودوفار "بيبا ماركوس" (كارمن ماورا) في فيلم "نساء على حافة الانهيار العصبي" عام 1988. توجد على طاولة القهوة الخاصة به نسخة من مجموعة القصص القصيرة للوسيا برلين "دليل تنظيف النساء"، والتي كانت ألمودوفار في طور إعدادها للسينما منذ بضع سنوات.

كما ترتكن حقيبة سفر قديمة محشورة بجانب الباب بشكل ينذر بالسوء، تماماً مثل تلك التي ابتليت بها بيبا ذات مرة. والفيلم الجديد هو أيضاً ثالث أفلام ألمودوفار- بعد "قانون الرغبة"-1987 و"نساء على الحافة"- الذي يشير إلى أو يستلهم مسرحية جان كوكتو نفسها، والتي تسمى أيضاً "الصوت البشري"، والتي ترتكز على امرأة تتوسل وتتصرف بهدوء بشكل متقلب على الهاتف مع الرجل الذي تركها فجأة.

لكن "الصوت البشري"، وهو أول فيلم قصير باللغة الإنجليزية للمخرج، يقف منفردًا أيضاً كعمل يجسد الألم المودوفاري الصرف، والعبث، والحيلة الشديدة، والعاطفة الخالصة. سوينتون هي في أقصى حالاتها الذاتية باعتبارها بطلة الرواية غير المسماة، وهي امرأة محتقرة ليست على وشك الانهيار العصبي فحسب، بل هي داخله مباشرة. تتجول حول منزلها المذهل الذي يعود إلى منتصف القرن في "بلانثياغا" و "درايز فان نوتن" (بما في ذلك، في وقت من الأوقات، زوجاً رائعاً من السراويل الفضية اللامعة)، وتكذب على زوجها السابق غير المرئي حول الذهاب إلى المسرح مع الأصدقاء بينما هي تأخذ فأس لتمزيق ملابسه. على الرغم من أن معاناتها الوجودية تؤخذ على محمل الجد، إلا أن ألمودوفار وسوينتون يؤديان الأمر برمته بروح الدعابة والأسلوب الأنثوي، وهما يغمزان للجمهور؛ في وقت من الأوقات، أشارت شخصية سوينتون، وهي أيضاً ممثلة، إلى جاذبيتها ومواضبتها: "النساء في سنّي عدن إلى الموضة مرة أخرى. على ما يبدو، يحب الناس شحوبي، ومزيج الكآبة والحزن." في وقت مبكر جداً من الفيلم، يجري الكشف عن شقتها شبه المثالية على أنها منظومة مقامة على منصة صوتية فارغة ومظلمة، والتي في النهاية تحرقها أخيراً كلياً في عمل انتقامي وتطهيري مهيب.

كان ألمودوفار وسوينتون يخططان لتصوير الفيلم القصير قبل بدء الإغلاق العام الماضي. بدلاً من ذلك، انتظرا حتى يوليو-تموز، حين أصبحت الأمور أكثر أماناً، لتصوير كل شيء على مدار عدة أيام في مدريد. قبل أسابيع قليلة من الظهور الأول لفيلم "الصوت البشري"، قابلت ألمودوفار، المتألق في سترة مطبوعة هندسية لم تكن لتبدو في غير محلها في الفيلم. تحدثنا عن الحسرة و اليأس وعن تيلدا، والتصوير أثناء انتشار الوباء "كوفيد"، وحرية صنع فيلم قصير.

*مرحبا! تعجبني سترتك.

-اوه شكرا لك. إنها من أزياء برادا. ميوتشيا كريم جداً معي.

*اين أجدك؟ في البيت؟

-نعم نعم. أنا في المنزل، في نفس المكان الذي كتبتُ فيه آخر ثمانية أفلام حققتها.

*ماذا عن هذا الفضاء الذي كان مصدر إلهامك؟

إنهُ الأكثر راحة. أجلسُ على الطاولة بالقرب من النافذ ، نافذة رائعة لها إطار يشبه [شاشة فيلم]. انا اسباني و معتاد على الشمس. أحتاجُ إلى ضوء طبيعي. هنا دائماً أفضل مكان لاستقبال ضوء النهار. سيكون من الأفضل أن يكون مصدر إلهام لك، لكن الباقي هو أن تكتب كل يوم. كل يوم. بالطبع، في البداية، أكتبُ المسودة الأولى، ولكن بمجرد أن يكون لديّ المسودة الأولى للأفلام ، فهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها إعادة الكتابة - إعداد كل شيء مع الممثلين، وكل ذلك. الكتابة هي إعادة كتابة، على الأقل في حالتي.

*من الجيد معرفة ذلك ككاتب. أحببتُ فيلم "الصوت البشري". متى بدأتَ التفكير في القيام بهذا الإعداد للمسرحية؟

-في الثمانينيات، أشرتُ إلى جان كوكتو في فيلم "قانون الرغبة"، وبعد ذلك ، في فيلم "نساء على حافة الانهيار العصبي". كانت نيتي الأولى أن أقوم بتعديل مسرحية "الصوت البشري". امرأة مهجورة، مهتاجة، يائسة، مع أمتعة حبيبها،و تنتظر مكالمته. هكذا بدأتُ. لكنني كنتُ بحاجة إلى كتابة ساعة أخرى، لأن المسرحية قصيرة جداً، لذلك بدأتُ اللعب بالشخصية قبل يومين من حدوث المكالمة الهاتفية. لقد أصبح الأمر مختلفاً تماماً، "امرأة على حافة الانهيار العصبي". لقد أصبحت كوميديا مضحكة، وفي النهاية، لم تأتها حتى مكالمة هاتفية. الشيء الوحيد الذي بقي هو الأمتعة التي تمتلكها كارمن مورا، المليئة بالذكريات. كانت مسرحية كوكتو دائماً حاضرة جداً في ذهني، وفي السنوات الثلاث الماضية، حاولت إجراء إعداد قريب للمسرحية. اكتشفت أنني أردت أن أجعلها شيئاً أكثر حداثة، لأنه من المستحيل على النساء في الوقت الحالي التماهي مع فكرة المرأة الخاضعة، شخصية خاضعة لشريكها. هذه هي النقطة التي جعلتها أكثر حداثة: ليست امرأة تعتمد على زوجها، ولكن لديها نوع من الاستقلال الأخلاقي. لقد كان تعديلاً حرّاً جداً للنسخة الأصلية، واحتفظتُ به في جهاز الكمبيوتر الخاص بي، وكان هذا هو مفتاح الفيلم القصير.

*متى قررتَ تأطيرها بالطريقة التي فعلت بها، كاشفاً أن شقتها هي منظومة مباشرة؟

-كنتُ أرغب دائماً في إظهار ما كان وراء المنظومة - لا أظهر الميكانيكا وراء المسرح أو المنظومة بقدر ما أظهر المادة، والمادة المصنوع منها كلها: الألواح، والهياكل. كانت الفكرة الأولى التي خطرت لي، والتي أعتقد أنها دفعتني حقاً لأعداد هذا النص الأصلي إلى السينما ، هي إظهار هذه المرأة. إنها هناك، إنها بمفردها، في منزلها، وهو واقعي ذو منظر طبيعي، لكن الفكرة كانت تدور حول خروج هذه المرأة إلى شرفتها، و هي تنتظر. لقد رأيناها بالفعل في وقت سابق: إنها يائسة للغاية، فهي تغير الملابس التي ترتديها طوال الوقت. خرجت إلى تلك الشرفة، وهو أمر فظيع، أليس كذلك؟ ليس هناك كوة. كل ما تستطيع رؤيته هو هذا الجدار القذر على بعد حوالي ثمانية أمتار من نافذتها، وهذه هي الصورة التي كنتُ أراها في رأسي طوال الوقت. بالنسبة لي، هذه هي الصورة الصريحة المطلقة لماهية العزلة. الوحدة التي تعيش فيها هذه المرأة، وعبثية حياتها، والظلام الذي تعيش فيه.

الجزء المسرحي يكمن في مكان التصوير، أي منزلها، لكن في نفس الوقت، كنت أعرض الناس في مكان وجودنا بالفعل: كنا نصنعه على منصة صوتية. إنها تتجول في المسرح وتتحدث ويمكنك أن ترى ذلك. لذلك لم يتحول المسرح كثيراً إلى فيلم، ولكنه مزيج عضوي من الاثنين - المسرح والسينما.

*نحن نتعامل مع شخصية تيلدا لأنها وحدها في شقتها، وببطء تصاب بالهياج، طوال فترة الفيلم القصير. هل كان لديك إحساس في أي مرحلة من صناعة الفيلم بالطريقة التي سيتردد صدى فينا جميعاً الآن، أم أنّ شيئاً تغيّر في عملية الكتابة؟

-حين بدأنا التصوير، كان ذلك في صيف العام الماضي؛ لقد كان وقت الوباء حيث لم يكن هناك شيء يحدث. وبدأنا تصويره كفيلم قصير في منتصف الوباء مباشرة، مع نص كتبته في وقت سابق. لكن بطريقة ما أصبح أكثر قوة بسبب حقيقة أننا انتهينا من تصوير الفيلم أثناء الوباء. كان هذا حقاً معبراً عن الموقف الذي توجد فيه هذه المرأة. إنها سجينة مرتين. لقد تم حبسها مرتين. انها مقيدة ضمن هذه المنظومة، وهو منزلها. وفي الوقت نفسه، جرى حبسنا جميعاً وحبسنا أثناء فترة التصوير. كانت إحدى تلك المصادفات التي تحدث في كثير من الأحيان. أعتقدُ أن الفكرة الأصلية أصبحت أكثر ثراءً بسبب تلك المصادفة.

*أدهشني فيلم "الصوت البشري" حقاً كنوع من التقطير لعملك- مثل نسخة مصغرة تشير إلى كل ما صنعته سابقاً. لقد لاحظتُ الكثير من الأمور كانت تتحدث عن عملك السابق وحتى عملك المستقبلي. أعلم أنك أعدت استخدام بعض الأزياء والأثاث. هناك كتاب لوسيا برلين. حتى أن تيلدا تقول عبارة "قانون الرغبة". تحدث عن تلك المراجع ولماذا فعلت ذلك بهذه الطريقة.

-الفيلم القصير، في هذه الحالة، كان كله يدور حولي. [يضحك] كان هذا أحد أسباب القيام بذلك. شعرتُ، لا أعرف كيف أقول- بأني متقلب؟ معنى كل شيء هو، "أنا أحب هذه اللوحة ، أحب لون هذا الجدار، أحب هذا الأثاث، لذلك أنا أضعه فيه." لم يكن ذلك بلا مبرر، لأنني أردت منذ البداية أن أفعل كل ما أحبه. وشعرتُ بالحرية في القيام بذلك، لأنه فيلم قصير. يمنحك الفيلم القصير مزيداً من الحرية. كان بإمكاني جعله فيلماً طويلاً، لكنني لم أرغب في ذلك. كنتُ أرغب في أن يستمر الفيلم تماماً طالما لائم النص. وأن أضع فيه كل شيء أحبه. الصور على الجدران، تلك اللوحة الكبيرة التي رسمتهاليشي" "أرتميسيا جنتلشي" والتي تهيمن على الغرفة، المرأة العارية. نعم، بعض الأثاث يظهر في أفلام أخرى. بالطبع لم أجرؤ على فعل ذلك في فيلم طويل آخر! لأنني بعد ذلك أخشى أن يقول شخص ما، "لقد استخدمت ذلك في فيلم "زهرة سرّيّ!"

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top