شمران الياسري.. تجربة متفردة

آراء وأفكار 2021/11/24 10:35:11 م

شمران الياسري.. تجربة متفردة

 باقر الكرباسي

يقول الراحل أبو كاطع :(كانت أمي تحسن قراءة القرآن فقط، والغريب أنها كانت تقرأ القرآن جيدا، ولكنها لاتعرف قراءة سطر واحد من كتاب اخر، ولاتعرف خط اسمها، ومع ذلك علمتني قراءة (جزء عم) وحين امتلكت مفاتيح تركيب الحروف علمت نفسي الكتابة)، نعم علم نفسه الكتابة، وقرأ وكتب، وتأثر وأثر...

كان شمران الياسري ظاهرة فريدة أنتجتها التحولات الكبيرة في فترة صباه وشبابه، فاختمرت مع مايملكه من مواهب متعددة ورؤى صافية والتصاق بالأرض وفك لرموز هموم الناس وفهم مسبق للصراعات الاجتماعية والسياسية، فكانت جاذبية النص عنده ورؤاه إجادة في وصف الصراع الطبقي عبر ماكان يحمل من قدرة على استثمار آليات الخيال لديه وفق نسيج لذاكرة ريفية تحمل جل ألوان العذاب والحرمان للمجتمع كله مع نخبة مترفة متعالية تحصد أتعاب الناس كما وصفها الجواهري سنة ١٩٤٤م قائلا :

لكن بي جنفا عن وعي فلسفة

تقضي بأن البرايا صنفت رتبا

وأن من حكمة أن يجتني الرطبا

فرد بجهد الوف تعلك الكربا

أصدر ابو كاطع صحيفة محلية سرية اسمها (صوت الفلاح) مع أربعة فلاحين ومهندس زراعي في مشروع الدجيلة الزراعي، هكذا كانت البداية مع الصحافة وقبل أن ينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي، وفي سنة ١٩٥٨م وبعد ثورة ١٤ تموز عمل في بغداد وكتب في صحف عديدة منها صوت الأحرار والبلاد والحضارة إضافة إلى برنامجه الاذاعي الذائع الصيت، كما أصدر في فترة تخفيه عن السلطة من سنة ١٩٦٣ إلى سنة ١٩٦٨ صحيفتي الحقائق وهي نشرة أسبوعية خاصة لمنظمة الكوت المحلية، وكتب بعد سنة ١٩٦٨ في صحيفتي التاخي وطريق الشعب وكذلك في الفكر الجديد وكان مديرا لتحرير مجلة الثقافة الجديدة، ومن خلال عموده في طريق الشعب كان الناس يعرفون حقيقة الأوضاع في البلاد، يقول عزيز السماوي وهو يصف هذا العمود الأثير :(كان عموده مجسا.. مرهفا.. حلوا شفافا، رغيف خبز ساخن، ثرا بالحكايات والأقاصيص... الحكم والأمثال، الشعر والمفارقات كلها ممزوجة بسخرية حزينة تمس شغاف القلب والعقل معا بتوحد ندر مثيله في عالم الصحافة)، أما برنامجه الاذاعي (احجيها بصراحة يبو كاطع) كان من أشهر أعماله بعد الثورة ويقول عنه السماوي أيضا :(كانت طريقته الالقائية لحكايات القرى والأرياف ساخرة ومريرة، تحمل شيئا كثيرا من الرفض والتحدي مجسدا تلك الحكايات بروح البطولة والتحذير من انحراف المسيرة والدفاع عن الفقراء)، لكن البرنامج توقف واعتقل أبو كاطع سنة ١٩٦٢م أثر توقيعه على نداء السلم في كردستان، وكان الكورد ينتظرون إذاعة البرنامج مثلما ينتظره فلاحو الوسط والجنوب حسب حديث الأستاذ فلك الدين كاكائي وزير الثقافة في كردستان....

انفرد أبو كاطع بفنه الرفيع هذا... وأقصد كتابته للعمود وهو اسلوب مقالي بلغة عامية مفهومة، كان يشخص كثيرا من الحالات السلبية بتناقضاتها وشخوصها وأبطالها، إذ أن كتابته هذه أصبحت سمة مميزة من ميزات أدواته الإبداعية...

خاطب أبو كاطع العقل مستفزا تارة، مهاجما ومستفهما تارة أخرى، كان يكتب باحساس مرهف مثير يأخذ انتباهة القراء إلى ماخالطته عجينة الأرض بروح الصبر وحلم المعوزين ورغبة الاملين في خلق نهضة للمجد يسترد من خلالها أبناء تلك الأرض حقوقهم لينتجوا مجتمعا لاطبقيا يعيشه الناس أمنين، أنتج أبو كاطع شكلا أدبيا وجدانيا ثقافيا منفردا فيه بروح إبداعية يختزل اللحظات المهمة في عمق التاريخ فيصير منها نافرا متمردا ومرتبطا بآن واحد وبقوة بجذوره الريفية وفطرته الإنسانية وتوجهاته الاشتراكية، يقول الروائي الراحل غائب طعمه فرمان عن لغة أبي كاطع في صراحته :(لغة مضمخة بنكهة انسان خبر حكايات العفاريت وأشباحهم وعرف تقلبات الزمان وشقاءاته وأحابيل ذوي المصلحة، انه انسان ثابت في أرضه يعرف كل شبر منها عاليها وسافلها، حلوها ومرها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها).

كان أبو كاطع يكتب مجمل التناقضات الاجتماعية والسياسية بمفردة شعبية سهلة الوصول لمدارك الناس، سبر أغوارهم فكان محركا وموجها وشارحا لهم نفوسهم بحكايات ذات نكهة وفكاهة تستمد نسيجها من موروث شعبي أساطيره وقصصه التي طالما هدهدت لنفوس أتعبها الواقع بكل تناقضاته وصراعاته، يقول الأستاذ الدكتور عبد الإله الصائغ وهو يتحدث عن الراحل شمران الياسري :(حال أولئك الذين حاولوا استنساخ تجربة شمران الياسري يدعو إلى الرثاء حقا، فهذا المبدع الجماهيري وان كان مدرسة يمكنها أن تخرج عشرات المبدعين الملتصقين بالصدق قبل النجومية ولكنه عصي على الاستنساخ، فمن تأدب بأدبه استطاع أن يتكون وأن ينمو ولكن الذي أراد سرقة تجربته صار مدعاة للشفقة قبل السخرية فلم تكن جاذبية النص الروائي عند الياسري بسبب لغتها الشعبية وهمومها الطبقية كما يتهيأ لبعض الدارسين، بل أن الجاذبية عائدة إلى موهبة فسيحة ودربة صبورة لاتعرف الكلل والملل، ورؤية صافية لتحليل الأحداث).

كان أبو كاطع يستعرض بلغة ساخرة شفافة مقالاته التي تدخل وعي المتلقي على مراحله لتتحول إلى مادة ثقافية يتناولها المثقف وغيره، إذ انه جسد من خلال كتاباته الشهيرة شخصية ومعاناة الفلاح العراقي، وكان لهذه الكتابات الأثر البارز في الثقافة العراقية، يقول الكاتب زهير الجزائري عن كتابات الراحل شمران الياسري :(تعبر الحياة المألوفة اليومية عن نفسها بيسر بلا ملحمية ولارمزية ولاأطناب أو تعاطف خارجي وبلغتها اليومية الخاصة المزدحمة بالأمثال والمجازات والكنايات المأخوذة من نفس البيئة).

كان أبو كاطع يثير أسئلة كثيرة قد تبدو للسامع أوالقارئ انها أسئلة سهلة لكن الأسئلة السهلة هي أكبر الأسئلة وأخطرها، الحرية، الوفاء، المناصب، الإيمان، الالتزام، نكران الذات، حق العيش، التمتع بمباهج الحياة، الوجدان، والاستعداد للتضحية.

يقول أحد الكتاب عن كتابات شمران الياسري :(ماشكل الذخيرة الإبداعية للكاتب (ابو كاطع) هو هذا الحس الفولكلوري من الحكاية والشعر الشعبي والغناء وأغاني العمل والتنويم والأعراس والمآتم والأساطير والمفارقات اليومية والهم السياسي).

كان أبو كاطع يعبر عن أفكاره بشخصيات شعبية مرحة تتشكل معانيها أمام ناظر المتلقي ودودة حالمة... انه ذلك الصحافي الذي غادر المألوف ليصنع نمطا اسلوبيا يشيع من خلاله قيمه وأفكاره وقدرته على خلق أسئلة تحاورية يفتح منها آفاقا للحرية والانعتاق كاسرا دوائر الانغلاق السائد آنذاك، وكما كان أبو كاطع صحافيا وروائيا كان إعلاميا ناجحا ينهل من الموروث مايورد في حكايات اذاعية تنتظرها آذان السامعين تسافر في مخيلاتها في أسفار تتشكل في وعي السواد الأعظم خطوطا ورسومات توجه ذواتهم نحو الرفعة وضرورة التمعن فيما يدور ويدار من حولهم.

وأخيرا... ماكان الناس يجدونه في أبي كاطع بعموده صحافيا يقول كلمة حق بشأنهم، بل كانوا يجدونه مكدودا متعبا مثلهم، ابنهم الذي لم يتنكر لهم، لسان حالهم الذي لم يتعلم المحاباة فيما يتعلق الأمر ب (حجاية الصدك)، كان خصومه في السلطة وخارجها يقرأون عموده ليعرفوا مواطن الضعف والخلل في سلطتهم وأشخاصهم، وليجسوا نبض الشارع، ابن المدينة والريف على حد سواء يقرأ هذا العمود، بما فيهم من لا يجيد القراءة والكتابة إذ ينصتون لأحدهم في الدواوين، تماما مثلما كانت حكاياته في الإذاعة، لغة رصينة محكمة البناء، ليست مفتعلة، إضافة إلى بساطتها وسلاستها وبنائها التكنيكي الرصين، رحل أبو كاطع ولم يترك من يتحدث لنا بصراحته المعهودة، ماأحوجنا إلى الصراحة في كل زوايا حياتنا وفي كل شأن من شؤوننا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top