موسيقى الاحد: القلم

موسيقى الاحد: القلم

ثائر صالح

يخترع الانسان الأدوات الموسيقية ويطورها بشكل مستمر، وهذه هي حكمة عروفة من حكم تاريخ الموسيقى الطويل منذ آلاف السنين. فالقيثارة التي نعرفها اليوم مرت بمراحل تطور كثيرة منذ ما يقرب من خمسة آلاف عام وهو عمر القيثارة السومرية حتى اليوم.

واخترع الانسان الأدوات الموسيقية الألكترونية بعد تطور العلوم والتقنية، مثل الأداة المعروفة باسم ترمين (المدى عدد 13 أيلول 2014) والتي تصدر الصوت بتحريك اليد قرب الهوائي (الأريل) في الجهاز. ونعرف عن انتقال العود العربي الى أوروبا عبر الاندلس في العصور الوسطى، حيث تطور إلى عدة أنواع وأصبح الأداة الموسيقية المفضلة لقرون قبل أن ينحسر دورها.

اخترع الموسيقيون والحرفيون بعض الأدوات التي حصلت على شعبية كبيرة لاحقاً وأصبحت من الأدوات الأساسية في الفرق السيمفونية، مثل الكلارينيت التي لم تحصل على الاهتمام الكافي إلا على يد موتسارت. والكلارينيت هي من الأدوات الخشبية الهوائية أحادية القصبة. يعتقد الباحثون إن الاسطة الألماني يوهان كريستوف دنّر من مدينة نورنبرغ هو من صنع أول نماذج الكلارينيت في حدود سنة 1700، بعد تطويره أداة فرنسية الاسم تدعى شالومو كانت معروفة في أوروبا منذ قرون (لربما منذ القرن الثالث عشر) مستعملة في الموسيقى الشعبية بالدرجة الأولى، أصلها من الشرق وانتقلت إلى أوروبا عبر الحملات الصليبية وأصلها يشبه الزرنة وعرفت بعدة أسماء مثل شاوم (إنكلترا). وكانت الأداة تستعمل في الجيوش كجزء من الحرب النفسية (موسيقى المهتر العثمانية على سبيل المثال، وأدواتها الطبول المرعبة والأبواق والزرنة والصنوج). الشالومو هي أداة أحادية القصبة تشبه المزمار المستعمل في القربة، اشتهرت في فرنسا بالدرجة الأولى ولهذا السبب انتشرت الصيغة الفرنسية للاسم (chalumeau) حيث يعود أقدم ذكر لها إلى حوالي سنة 1630، وكانت بعدة أحجام. المثير في الأمر هو اشتقاق كلمة شالومو الفرنسية، إذ يرجعها الباحثون الى كلمة كالاموس اللاتينية التي تعني القصب، وأصل كالاموس هو "القلم"، وقد انتقلت الى اللاتينية عبر الإغريقية القديمة. ونعرف أن الحضارة اليونانية استندت بشكل كبير على ما اقتبسته من علوم ومخترعات ومكتشفات الحضارتين العظيمتين البابلية والمصرية، وتأثرت بشكل كبير بالفينيقيين وأخذت منهم الأبجدية والحروف، شكلاً وصوتاً (ألفا بيتا الخ).

نعود إلى القلم – الشالومو، فقد كتب لهذه الأداة موسيقيون كثر في القرن الثامن عشر، من أهمهم وأشهرهم فيفالدي وتلمان، إلى جانب مؤلفين أقل شهرة اليوم لكن ليسوا أقل أهمية مثل النمساوي يوهان يوزف فوكس والألماني يوهان فريدريش فاش والبوهيمي التشيكي يان ديسماس زلنكا، لكن أهم من كتب لها هو مجايل باخ وهندل الألماني كريستوف غراوبنر (1683 – 1760). اختفت هذه الأداة بعد عقود طويلة من ظهور الكلارينيت كما ذكرت في البداية، خاصة بعد أعمال موتسارت الرائعة التي لا تزال من أجمل ما كتب للكلارينيت. لربما يعود السبب إلى سعة المدى الصوتي للكلارينيت، وتضمنه مدى الشالومو الصوتي بالكامل، ولا يزال هذا المدى يسمى بمدى الشالومو. أعطى كل هذا الأداة الجديدة أفضلية كبيرة، فقد تميزت بتنوع لونها الصوتي وقدرتها التعبيرية الهائلة، لربما كان الكلارينيت الأكثر فاعلية بين كل الأدوات الموسيقية من هذا الجانب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top