الدمار يلاحق الكتب الملعونة

الدمار يلاحق الكتب الملعونة

 ناجح المعموري

يفاجئنا الباحث علي حسين بما هو مثير للدهشة بعنونة كتابه الجديد ، الصادر عن دار اثر . وكتبه الملعونة المحفوظة في ذاكرة التاريخ ،

حتى تحولت الى شواهد على التداول الثقافي والتواصل الممتد طويلاً وعميقاً في التاريخ الانساني . بحيث ساهمت وبوضوح في تغيرات مسار التطور الانساني وظلت شاهدة راسخة على ما تتركه الثقافة في تحولات العلاقة بين الجماعات في البلد الواحد ، او بين الشعوب في بلدان عديدة .

ان المفاجأة المثيرة هي اللعنة التي حازت عليها كثير من الكتب ، التي اشتغل عليها الباحث علي حسين ، وقدم عبرها واكد ايضا على متروكات العقل الانساني من ثقافات قادت الى نشوء كراهية ودمارات وعداوات بين القوميات والديانات ، بالإضافة الى الاعراق ومن المثير للقراءة اضاء الباحث اسماء كتاب عرفهم تاريخ الثقافة والادب ، وكان دورهم خطيراً ، لان مثل هتلر ، مرسيليني ، داروين ، هنري ميلر ، الماركيز دي ساد ، بودلير ... الخ والاسماء كثيرة ، لكنها معاً ذهبت نحو ما محفز للجماعات في قراءة الجديد والتعامل معها بوصفها نتاجاً مغايراً غير مألوف ، كان لها انعكاس واضح على جغرافية واحدة او تعدد جغرافيات ، اي امتداد القارات ومثل هذه الكتب الملعونة المعنية بالجنس / الدين / السياسية / الى ردود أفعال مضادة لما انتجه العقل البشري ومنذ لحظات قديمة ، نشأت لحظة الاختلاف بين العقول الكانتية والكنيسة.

واجهت الكتب الملعونة صعوبات كبرى في النشر مدركة للصعوبات التي تحصل وتقود الكنيسة والرقابة لإعلان الحرب والذهاب نحو القضاء وستواجه مخاطر تضع الدار والكاتب أمام متاعب تفضي لاحقاً الى تعقيدات . ويبرز أمامنا سؤال مهم حول الكتب الملعونة والتي تواجه بعض منها أقسى الخيارات وهو الحرق في الساحات الكبرى وأثار الشاعر بابلونيرودا سؤالاً قوياً : لماذا تحرق الكتب ؟ لذا عرف تاريخ الثقافة في العالم العديد من الكراهيات ضد كتب وظلت محاصرة أو تؤول مصائرها الى مقابر الرماد ، وهذا أخطر ما عرفته الحضارة الانسانية ، لذا تحولت تلك المصائر الى أسئلة، والأمر في غاية الأهمية ، فالأسئلة محركات الفكر .. فلا مجال لوجود تفكير ، بلا دراسة ، هادمة للماضي ، ولا أي تخطيط جاد للمستقبل من دون طرح تساؤلات حول تدمير الكتب لا بوصفها مثيرة للشبهات ، بل هي ذات وظيفة مخطط لها بدقة ضمن صراعات واختلافات بين جماعات ليست دينية فقط . ومثل هذه الصراعات ، تصاعدت عنيفة ضد من كتب وتعرض العديد من العقول الكانتية للمحاكمة ، ولذا عرف التاريخ البشري عديداً من الكوارث والصخب، لأنها في النهاية معبرة عن العنف السائد والحاضر بقسوته المفضية نحو حرب الكتب واشعال الحرائق.

ذكرت الباحثة " ربيكا نوت " : أتلفت الفيضانات التي اجتاحت فلورنسا في العام 1966 قرابة مليوني كتاب ، كان العديد منها مخطوطات نادرة وثمينة وفي العام 1988 التهمت النيران المدمرة زهاء 306 مليون في مكتبة لينيغراد. وعلى الرغم من أن مثل هذه الكوارث تصيبنا بالحزن وتخلف في نفوسنا احساساً بالخسارة ، فإن استجابتنا للدمار الملاحق للكتب من حالة الكوارث الطبيعية ، تختلف عن استجابتنا الطبيعية ــــ دور ثانوي كما الأضرار التي تلحق بالكنوز الثقافية في هذه الحالة لا تثير أسئلة بشأن النسق الأساسي للمجتمع . لكن الحال تختلف اختلافاً كلياً عندما تنهب الكتب ، وتقصف المكتبات وتحرق بطريقة منهجية ، وإذ تكون هنا بصدد هجمة متعمدة ومدروسة ، تستهدف الثقافة الخاصة بجماعة ما .

تولد مثل هذه الأفعال موقفاً واعياً ومدركاً بأن ما حصل من بشاعات هو تدمير هائل للكائنات البشرية ، وضع حدود قاسية أمام تطورات العقول ، وما حصل من خسارات يعني كوارث لأن الضرر إنساني وشامل . وقراءة كتاب الباحث علي حسين " كتب ملعونة " بدقة سيقودنا بمهارته المعروفة ، المتغذية بوفرة المعلومات الى أن اللعنة لا تختلف عن دمارات الحروب . وإبادة الكتب إحدى الجرائم الكبرى في التاريخ الإنساني . وهي تتماثل مع إبادة جماعية للبشر ، أو التدمير الاثني .

لذا بالإمكان الامتداد والتعمق بفحص وقراءة هذه التدميرات الإجرامية وأقول بأنها ــــ الدمارات المتنوعة ـــــ ذات أهداف واضحة الوظيفة ، من أجل مسخ الكائن البشري وإيقاف امكاناته التنويرية ، لأن حرق وتدمير الكتب يتبدى عن ايقاف العقل الانساني عن دوره في التفكير وإثارة الجدل وتكريس الصراع بين ما يريده الانسان " وما يحلم به المجرمون والقتلة حتى تنجح مساعيهم لتحويل الأفراد الى أشباح وعبيد على نحو بشع . مستنزفاً المستودع الفكري والروحي العالمي ومقلصاً الإرث الثقافي للبشر " .

لا تختلف الكتب عن الجماعات البشرية . كلاهما يتعرضان للحصار ويؤخذان معاً في المحارق أو الرمي في الأنهار ومطاردة العقول التي انجزتها والاهتمام بالقوانين الرقابية ومعاقبة من يكتب ويثير الصراع ضد مؤسسات الدولة ، وأكثرها استهدافاً الكنيسة ، والجنس ، والسياسية الملاحقة لمؤسسات الدولة .

عرفت مؤسسات الدولة المخاطر التي تفضي اليها الكتب وما تغرسه في عقل الفرد من وعي ومعارضة ومن هنا تتضح مقولة فولتير " الكتب تشتت الجهل " بمعنى تنظف العقول من الرواسب التي غذتها بها الكنيسة .

سجل الباحث علي حسين رأياً للروائي المعروف ايتالوكالفينو قصة بعنوان " جنرال في مكتبة " يصور فيها دولة ، يعتقد فيها كبار المسؤولين أن الكتب تحتوي على آراء معادية لهيبة الدولة ، وإنها تشيع بين الناس أن المسؤولين الكبار يمكن أن يرتكبون الأخطاء والتسبب في حصول الكوارث فيقررون تشكيل لجنة برئاسة موظف صارم ، شديد التدقيق ، مهمتها فحص الكتب في جميع المكتبات .

عرف تاريخ الفكر أن الفيلسوف اليوناني " بروتاغوراس " المهتم بالفلسفة . كان يعتقد أن الانسان هو مقياس كل شيء . أي أن الخير والشر ، الصح والخطأ ، كلها ـــــ يجب أن تحدد بحسب حاجات الكائن ، تصل لنا كتبه بسبب آرائه الصادمة للمجتمع ، فقد كان رافضاً للديانة التي كانت سائدة آنذاك ، وقال : لا أستطيع أن أعلم أن الآلهة موجودة أو غير موجودة على أي صورة تكون . وذلك بسبب غموض الموضوع وقصر عمر الانسان ، وهو الأمر الذي أدى الى احراق كتبه . وأضاف الأستاذ علي حسين موضحاً شخصية الفيلسوف " بروتاغوراس " الذي اهتم كثيراً بشخصية سقراط المنشغل بالجماعات الموجودة بالشوارع والمطاعم والمقاهي واتخذه انموذجاً في القاء الخطب والحوار مع الجماعات وتمكن من رسم صور عامة عن حياة الفرد والجماعات مع تركيزه على التباين والاختلاف بين الأفراد . وركز مقولته الشهيرة على أن ما يهتم به الانسان هو الحقيقة التي يجب الاعتناء بها والعمل على تجوهراتها ، وجعلها عتبة مركزية مع ضرورة الدفاع عنها . ما يقتنع بها الكائن هو الحقيقة الكبرى له وما لا يقتنع به هو غير مرغوب به ، بمعنى أن العقل هو المعيار الأول والأخير . لكن هذا الموقف لا يعني وجود حقيقة واحدة فقط ، بل مجموعة من الحقائق ومعروف بأن بدايات الفلسفة سجلت موقفاً مركزياً حول الحقيقة لأنها ليست مطلقة ، بل هي نسبية في نظر الكائن المؤمن بها . وكان " بروتاغوراس " يردد دائماً أن الحقيقة نسبية وهي متناثرة في نظر كل من يؤمن بها ، وأن كل انسان يستطيع أن يحصل على قدر منها .

أكد مؤرخو الفلسفة أن " بروتاغوراس " أول من وضع مفهوم " النسبية " وقد اهتم سقراط بأفكار بروتاغوراس فحاول مناقشتها كما دوّن لنا افلاطون وخصوصاً مفهوم بروتاغوراس للنسبية التي حاول تفسيرها بأنها تعني أن " أي شيء أرى حقيقته كما يبدو لي أنا وترى انت حقيقته كما يبدو لك أنت " وهو الامر الذي جلب لسقراط المتاعب مع السلطة حتى قررت التخلص منه واجباره على تناول السم " // ص17 .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top