موسيقى الاحد: إعادة كتابة الموسيقى

موسيقى الاحد: إعادة كتابة الموسيقى

 ثائر صالح

اعتاد الكثير من الموسيقيين إعادة كتابة أعمالهم الموسيقية التي تعجبهم، سواء كانت أعمالهم هم أو أعمال موسيقيين آخرين.

فقد أعاد باخ كتابة الكثير من أعماله مثل الكورالات الدينية التي تتضمنها الكانتاتات ليقدمها على الأورغن، أو استعمل بعض مقطوعات الكانتاتات كان باخ يطلق عليها اسم سنفونيا كحركات لكونشرتو أو سوناتا (والسنفونيا هي قطعة للأدوات لا تعني السيمفونية المعروفة حالياً). وأعاد هندل استعمال الآريات (الأغاني الأوبرالية) الناجحة عدة مرات، ووزعها للهاربسيكورد، وكذلك قام رامو بنفس الشيء.

لكن الشائع هو إعادة توزيع أعمال الموسيقيين الآخرين، مثلا توزيع عمل كتب أصلاً لأدوات المفاتيح الى عمل لفرقة موسيقية، أود هنا التركيز على إعادة كتابة الموسيقي الإنكليزي شارلز آفيسون (1709 - 1770) بعض سوناتات الهاربسيكورد لدومنيكو سكارلاتي (1685 – 1757) وتحويلها إلى كونشرتات غروسّو مذهلة. والكونشرتو غروسّو هو شكل موسيقى خاص من أشكال الكونشرتو لمجموعتين من الأدوات اشتهر على يد الإيطالي أركانجيلو كوريلّي (1653 – 1713) ومن بعده جورج فريدريك هندل. ومن المفيد ذكر توزيع رافيل الأوركسترالي الرائع لعمل موديست موسورسكي للبيانو المعنون "صور في معرض" كمثال بارز على عملية إعادة الكتابة. عند الحديث عن إعادة كتابة الأعمال الموسيقية لابد من التوقف عند بعض الأسماء. فغالبية الموسيقيين قاموا بهذا الشيء في حياتهم، لكن بز بعضهم الآخرين في هذا المجال. أذكر هنا أسمين، الأول المؤلف المجري وعازف البيانو العظيم فرانس ليست، والثاني الأمريكي نمساوي الأصل فريتس كرايسلر (1775 – 1962) عازف الكمان الشهير.

قام ليست بتحويل الكثير من الأعمال المهمة لموسيقيين كبار وغير معروفين على حد سواء إلى البيانو. لكن ما قام به لم يكن مجرد عملية نقل ميكانيكية كما هو متبع في العادة، بل أعاد كتابتها وصياغتها وتقديمها بشكل جديد. أهم ما وزعه للبيانو أعمال باخ وبيتهوفن وبرليوز والكثيرين غيرهم، لكنه خلّد بعمله هذا حتى بعض النبلاء المجريين الهواة. وقد دفعه شغفه هذا إلى تأليف فانتازيا استناداً إلى اوبرا موتسارت دون جوفاني. فالأوبرا نفسها تعد أحد أهم أعمال موتسارت، ولربما من أعمق ما كتبه وأكثره تأثيراً. يحمل عمل ليست للبيانو بصمات فن ليست وثراءه الهارموني وترجمته وفهمه لعمل موتسارت الأصلي، وهو من الأعمال الصعبة، لذلك يندر سماعها اليوم.

أما كرايسلر فقد أتحفنا بتوزيع أعمال مؤلفين تطول قائمة أسمائهم فلا طائل من ذكرها. وكثيراً ما نسى الناس العمل الأصلي ويتذكرون توزيع كرايسلر للكمان والبيانو أو لثلاثي أو نحو ذلك من تشكيلات موسيقى الحجرة. تميز كرايسلر على الموسيقيين الآخرين بميزة، هي كتابته أعمال أصلية بأسلوب الموسيقيين الأخرين، بعبارة أخرى تأليفه موسيقى جديدة باستعمال لغة أي مؤلف آخر. وكان كرايسلر يقدم بعض هذه الأعمال باسم مؤلفين آخرين في حفلاته، وتنطلي الحيلة على المستمعين بسهولة مما يخلق نوعاً من الفيك نيوز التي نعرفها اليوم، إذ تترسخ في أذهان الناس كذبة بيضاء ويحسبونها حقيقة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top