الاستبداد صناعة ديموقراطية

آراء وأفكار 2021/12/04 10:41:51 م

الاستبداد صناعة ديموقراطية

 ياسين طه حافظ

في الممارسة ندرك ان حاجة اخرى لايعبر عنها هي وراء عدم اكتمال القناعات، وراء الانشقاقات، وراء رفض القيادات المتوالية لخصومها او لأجنحة فيها وكذا المتشاركة في السلطة أو النفوذ.

ندرك الحاجة الى نوع من القيادة تختلف عما شهدنا في الثورات الماضية، ومن كوبا الى نيكاراغوا وحتى الى روسيا! ان احداً لا يستطيع المحاججة ولا يستطيع النكران وهو يرى صفحات التاريخ واخلاقه ووقائعه كيف أن هذه ترينا تحول تلك الثورات الى البيروقراطية والتراتبية، وان قيادات متفقة من الصفوف الثانية – كانت تفكر سراً وجهراً بنوع آخر من التنظيمات القيادية وبنوع آخر من القيادة يحفظ المعنى الثوري ولا يعرضه الى مغامرة او الى انحرافٍ كلمة خياني ليست بعيدة دائماً عنه.

نعود الى سؤالنا: كيف نلغي التراتبية من القيادة ونحصل على التوجيه؟ بل كيف يمكن أن نضمن سلامة التوجيه ونبتعد عن فرص اضاعة الجهد أو الانكسار؟ وهل يمكن عملياً اذا نجونا من الفردية المستغلة او المهيمنة، هل يمكن الحصول على تنظيم قيادي قادر على جمع المصالح المختلفة أم نحن عمليا، نستعرض ولاءات صغيرة داخلية وتكون ثمة مبادلات وعود واشارات لفرص تُقَدّم – بمعنى نوع من الفساد الديمقراطي؟ وهل حركات مختلطة المستويات، قلقة كالتنظيمات النسائية، او الكوادر الناشئة، يمكن ان تحتفظ بسلامتها الديمقراطية ولا تجد طريق تقدمها عبر الاسترضاءات الجانبية أو الاقناع بالموالاة او المناصرة- او بالاتفاق الظاهري في الرأي عما يجري ؟

في هذا الجانب من الصعب جداً أن تصمد ديموقراطياً، أن تظل ديمقراطية والمزاج يعمل والفردية الناهضة تعمل والرغبة تعمل في التقرب الى المركز القيادي اوالى الصوت المتنفذ الذي سيجر الى شلليه، ثم الى تشققات او ولاءات ضمنية – وهذه تطفح ساعة احتدام المنافسة على القيادة أو على التقرب للقيادة او تتعرض جميعا للالغاء! اما اذا كانت الدولة في حال تكون فيه مهددة والقيادة عسكرية، فيكاد يكون صعباً الاحتفاظ بالاصوات كما هي وكل شيء سيتكشف وكل يريد ان يحظى بالرضا الواعد. الظروف الحرجة عادة تساعد على ذلك.

تجارب انتخابات القيادات المركزية ومجالس قيادة الثورة والمجالس المركزية للمنظمات، ومثيلاتها تخفي الكثير، يتكشف عنها من العيوب الكثير.

ان قرارات عدة قد تكون اتخذت قبل موعد الاختيار او الانتخاب وأن توافقات " تحتية " تمرر بلا خجل. العملي غير النظري والواقع يفرض سلوكات خارج توقع كل نظري او منهاجية. وهذا سهل اذا لم تتخذ الوقائع، اذا لم تتخذ القرارات صيغ أوامر ملزمة( يستوجبها انتصار أو سلامة الحزب أو المنظمة) في مواجهات حالية او قادمة...

ثمة اساليب وادوات لا تبدو مرئية تستخدم عادة لإعادة العزم او الثقة أو الأحلام الشعبية. وهذه يركن لها بعد الاطاحات او بعد الفشل الذي تمنى به الحركات الثورية- عموماً. فهناك ساحات اهداف او شوارع مثل شارع الرشيد سابقاً للتظاهرات او ساحة النصر للتجمعات ( الزاباتسيون كان يذهبون الى نيو مكسيكو والاوكران للميدان) وهذه اساساً لامتصاص الانكسارات ولصنع حضور " فاعل " جديد نتيجته واضحة، اما مساومة تنتهي بصفقة غير مرئية او بترضية تشبه ترضيات الصبية بـ " مباهج "مظهرية، بان" انتصارات "وهمية" قد حققوها وما يزالون يحققون. يحققون ماذا ؟ هذا السؤال لا يُسأل مباشرة، من خلال التأكيدات على اهمية الحركة " والنتائج "الواضحة" التي تتحقق ولكن من خلال مانشيتات لصحف الدولة والصحف الموالية، ولافتات أقل ما توصف بأنها مضحكة للمتأمل فيها وهكذا غالبا ما تبقى التضحيات بلا نتائج مقنعة.

ما اريد ان أستخلصه، ان حركات من هذا النوع ونشاطات التنظيمات تحقق في اعمال نضالية – نوعاً من نتائج النخبة – وهي دائماً منقوصة ومكسورة في جانب.

نحن لا نتجاهل الأسباب، القوة الغاشمة والأساليب الاستخبارية والعلاقات الدولية. لكننا ايضاً نعرف ذلك ونعمل ، فمفروض ان النتائج مقروءة سلفاً ولا صدمة ولا مفاجأة – الا اذا أقررنا بسوء التفسير للواقع وسوء القراءة.

ولكن ما الذي يبقي حزبا من الاحزاب الدؤوبة المضحية، الشيوعي مثلا، قائماً بعد كل النتائج؟ لابد من أسباب ايجابية فاعلة ومنطقية، أولاً ان الاوضاع المحلية سيئة ويزداد عدم القناعة بها بتقدم الحياة في العالم. ثانياً هو اعتمد عدة شبكات، او تنظيمات فرعية موالية او تابعة، مثل المرأة والشبيبة والطلبة والنقابيين والمثقفين. كما أنه، وهذا مهم، ظل يعمل بالروح الوطني والنضالي وبشعور المسؤولية الوطنية من جانب وشعور الجماهير بالقوة الشعبية ومركزيتها من خلاله، وان عذره – وهو عذر يجد الشعب فيه معقولية، انه واحد ضد عدو معقد وعديد الرؤوس، وأن عدوه واسع جداً ويتصدى للحركة " التقدمية" في العالم. بمعنى ان هذا العدو ضد التفكير بالاشتراكية حلاً وبديلاً لبؤس الشعب. لكن مركزيات الاحزاب ليست كما تبدو للشعب، ثمة عدة وجهات نظر فاعلة – وهذا طبيعي ، ولكنها عناصر مهددة في الوقت نفسه فالمركزية تواجه الكثير من الاسئلة والمشاكل وقدراتها محدودة وليس واحدة التأثير على الجماهير الا ما يتعلق بالآمال المعلنة وبكراهة الأوضاع القائمة.للفردية افكارها او مصالحها تحضر في اشكال شتى. وراء اي مقترح يكمن عنصر محرّض منها ! أيضاً ثمة مشكلات فرعية يغض النظر عنها ربما لسهولة السيطرة عليها وتجاوزها ، ولكن فعلها اكثر مما يبدو. تلكم هي ان الفهم السياسي والعمل الواقعي لفقراء المدن البعيدة، ومساحتهم العددية، تتخذ احياناً اشكالاً هلامية وهذا قد يحضر طرفاً لخيبات قادمة، او انتهاكات تتم" بالتعاون مع قوة الروح الاقطاعي التي ماتزال فاعلة في المناطق البعيدة وانتسابها في المدن لحساب مصالح آنية واغراءات يقابلها ضعف في الصميم العقائدى. وهذا ما تعرفه المناطق البعيدة عن العاصمة ونعرف نحن في المدن مديات حضوره... الاقطاع ما يزال فاعلاً في الروح التقدمي ! الافكار احياناً تتقدم بشوائبها. هذا بالنسبة للتنظيمات الريفية وضواحي المدن ومجمعات الفقراء وما في داخل مراكز المدن. وهذه مناطق استغلال سياسي تشتريها القيادة المتفردة بثمن بخس، فهي محكومة اصلا بروح الاقطاع.

التغذّي، الذي لابد منه، على الثقافة الحديثة والاصدارات الفكرية الجديدة والمراجعات لما تنشره مراكز الثقافة في العالم، كل هذا مؤثر، وبسبب من هذا لايعود الجمود العقائدي و التعنت الفكري مقبولاً. فلا الشعور الوطني يظل كما هو من قبل ولا الافكار تظل بصلابتها. خلخلة في جوانب كثيرة تتضح، فالقرارات غير مقبولة أو غير مقنعة. الاحزاب الوطنية او القومية تعمل اليوم في ظروف صعب القول انها ملائمة. هي ظروف لا طبيعية، بل لم تعد مشجعة. الزمن اختلف عما كان والثقافة اختلفت والفرد ليس هو ذاك الذي بسرعة وحماسة يستجيب والوطن او البلد لم يعد لاهله فحسب، ليتحقق ما يريدون! كما ان المجموعات الفاعلة دائماً ما تختار رأساً موجهاً أو قائداً او رئيساً قد يرتكب اخطاءً او يزوغ، فلا يظل كما شاؤوه. له الآن قوته الخاصة واهميته المألوفة لحماية الثورة وصد اعدائهم. وباختصار، يصير هو الدولة وعلى الحزب الطاعة والتنفيذ. من يستطيع الاعتراض؟ حتى اذا صار "المسعى" للاتحاد بسوريا "لانقاذ المسيرة" في رأي، وخيانة ومؤامرة على الثورة والقائد في رأي، اعدم بسبب ذلك عدد من قادة الحزب.

بالنسبة لنا، نحن البعيدين عن الخضم، هو الخبر المعلن والظن أو سوء الظن. اين الحقيقة؟ لنكن موضوعيين وعلينا بدءاً احترام الجميع. فالقائد او الزعيم او الرئيس في قضية كهذه، قد يكون مؤمناً بما يرى شديد الايمان ويفعل كل صعب لانقاذ الثورة أو المسيرة. والطرف الاخر قد يكونون اضطروا لان يتعاونوا مع جناح آخر من حزبهم "لانقاذ المسيرة" و العودة بها من الحكم الفردي إلى مبادئها الاولى وطبيعتها الثورية. اين رأي القواعد؟ اين حضورهم؟

واحتلال الكويت كان، أول ما سمعناه، "تنفيذا لمبدأ الوحدة" ! ثم كان : "رداً على ايذاء العراق" .. في الحالتين اين الحقيقة أولا، وما هو رأي القواعد أن كانت تعلم أصلاً ؟ ما كان للمبدئيين المثقفين منهم الا الصمت وهم يدركون حقيقة ما يجري وليسوا غُفَّلاً عما سيعقب ذلك وأن كارثة سيتعرض لها حزبهم والبلاد. صمتوا عما كان، ومن بعد ، عما آلت إليه الأمور.

علينا هنا، تقدير محنة المبدئيين المثقفين تقديراً واقعياً انسانياً، سواء أكان في العراق أو في مكان آخر من العالم .

تعرضتُ لجملة أفكار لأحيط بالمُربكات التي تعقب التحولات الى الديمقراطية وفي مراحلها الأولى وزيف أو خداع الديمقراطية من بعد. الافكار عموماً تخلص الى ان الديمقراطية المُتَخيّلة ليست ما كان وليست ما يكون فعلاً. فما كان ليس جديداً. ستالين مثلاً لم يتولَ القيادة الا نتيجة انشغال القواعد بالحفاظ على "الديمقراطية". ولم يصل الى فرض سلطته الا عن طريق "لعبة الاغلبية" هذه .. ولا نستغرب بعد هذا هجوم 1934 ضد كوادر الحزب واعضاء اللجنة المركزية وسكرتيري المناطق والاقاليم وكوادر اللجان الصناعية والزراعية مما ادى الى استئصال الالوف من الاعضاء و "تجنيد" آخرين بدائل عنهم. وكانت الحجة هنا حماية ثورة البلورتاريا مما يهددها، ونحن لا نستطيع التشكيك بهذا، لكن أيضا لم يعترض أحد!

مرة أخرى غاب رأي الجماهير ولا حضور للقواعد واختفت الديمقراطية. وحدث مثل هذا في بلدان عدة وان اختلفت المسافات والاسباب. و اختلف الزعماء او الحاكمون. الديمقراطية في كل حال مَنَحّاة وأنهم يحكمون بأسمها والاغلبيات المصنوعة جاءت بهم وستجيء بآخرين في الدولة أو في منظماتها أو لجانها..

الامور عادة تحدث بسرعة في أثناء المراحل الانتقالية. والديمقراطية في أحوال كهذه، بدلاً من أن تعطينا خيارات عمل، تُلزمنا حمايتُها بسماع الرأي الواحد المسيطر والقاطع والمخيف. لا وجود حقيقياً للديمقراطية . ولا بد من التأكد جيداً ان كان لها معنى!

سادتي ، لا غضب ولا استياء. لنكن موضوعيين ونجيب عن الأسئلة . المراجعات مطلوبة من جميع الاحزاب، كما هي مطلوبة في أية ثقافة. الانحيازات والعواطف جعلت منا عشائر بائسة في العصر. لنحترم رموزنا وجوهر قضايانا. لكن فرط التقديس يوقفنا في اماكننا فلا تقدم!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top