المؤتمر ١١ للحزب الشيوعي العراقي نعم، هناك صراع أجيال!

آراء وأفكار 2021/12/26 11:08:45 م

المؤتمر ١١ للحزب الشيوعي العراقي نعم، هناك صراع أجيال!

 زهير الجزائري

ثلاثة أيام في سرداب بلا نوافذ، قضيتها كمراقب في المؤتمر ١١ للحزب الشيوعي العراقي. ٣١٩ مندوبا انتُخبوا في مؤتمرات محلية و ٥٦ مراقبا اختارتهم اللجنة المركزية حضروا هذا المؤتمر وناقشوا برناج الحزب وتقريره السياسي ونظامه الداخلي.

المؤتمر ياتي في جو من انسداد سياسي في السلطة بعد ثورة تشرين وصعود دور الشباب في أطول اعتصام احتجاجي في تاريخ العراق الحديث، استمر من بداية تشرين/ اكتوبر ٢٠١٩ حتى نهاية آذار /مارس ٢٠٢٠.

صعود دور الشباب ارتبط بصعودهم عددياً حيث تقدر وزارة التخطيط في تقريرها لعام ٢٠٢١ بان الشباب الذين تقل أعمارهم عن ٣٠ عاما يشكلون ٦٨٪ من عدد سكان العراق البالغ ٤٠ مليونا، في حين إن مشاركتهم في صياغة المشهد السياسي قبيل حراك تشرين لا تزيد عن ٢٪ إذا حسبنا أعمار نواب البرلمان والوزراء وقادة الأحزاب الحاكمة. مقابل ذلك يشكل كبار السن (٦٥ فما فوق) غالبية المشهد السياسي بقيادتهم للأحزاب ومواقع الدولة العليا رغم إن نسبتهم من عدد السكان انخفضت الى ٣٪ فقط حسب نفس التقرير.

خوف وخوف!

لم يعش هذا الجيل، وهو طفل، الخوف الذي عاشه آبائهم تحت سلطة صدام حسين. لم يعرفوا الكبت الذي احترفه الآباء، إنما تفتحت مداركهم على خوف آخر، هو انفلات العنف وتوزعه بين المظلومين بعد انهيار الدولة خلال الحرب الأهلية وما صاحبها من عنف فالت صار الكل فيه أعداءٌ للكلّ وصار الشباب بعمرهم، قاتلين أو مقتولين، في طاحونة الموت.

إذا كانت هناك من جهنم على الأرض فهي حياة هذا الجيل الذي عاش بين المفخخة والمفخخة، وعاش الخوف وإخفاء الهوية خلال الحروب الطائفية، وذهبوا الى المدرسة والهلع يرافقهم خوفا من الاختطاف.

بين هذا الجيل وجيل المسؤلين في الدولة والسياسة فجوة من الغربة وعدم الاعتراف حتى حدود الانكار. لا يدرك المسؤلون ولا يريد أن يدركوا حجم الغضب المتراكم فيتعاملون مع احتجاجات الشباب كحالات نابعة من نفاذ صبر او ميل متأصل لعدم الرضا، وفي أسوا الحالات من تحريك قوى مشبوهة في الداخل أو الخارج.

الاحتجاج هوية

الاحتجاج شكل هوية جديدة للمشاركين فيه. كل الهويات الأخرى، قومية كانت أو طائفية، تضعهم في مواجهة الآخر المختلف. رسم (آصف بيات) هذا التناغم بين الفرديات والمجموع بشكل ثلاثة صفوف من دوائر تدور حول نفسها، ولكن بتناغم مع ذات فردية أخرى بجانبها، وهكذا تتوحد الفرديات في ذات جماعية كبيرة تضفي شرعية على الاحتجاج في مقابل شرعية السلطة التي اكتسبت شرعيتها من خلال انتخابات مطعون بشرعيتها. المظلومية، حقيقية أو متخيلة، لم تكن الدافع الوحيد للمشاركة في الاحتجاج. المظلومية، حقيقية كانت أو متخيلة، لم تكن السبب الوحيد للاحتجاج. هناك مظلومون لم يشاركوا، ومنهم من وقفوا في الجانب المضاد وراء متاريس السلطة وأطلقوا النار على شركائهم في الفقر. المناقشات حول السياسة داخل شبكات التواصل الاجتماعي تزيد من الفعالية وتحول المظالم الفردية إلى مظالم مشتركة وغضب جماعي، والذي يترجم إلى مشاركة في الاحتجاج.

الهوية المشتركة

هذه المشاركة تخلق لدى المحتجين هوية جديدة.٩٤٪ من المتظاهرين الذين استطلعتهم مؤسسة الرواق قالوا بأنَّ التظاهرات جعلتهم يشعرون بأنَّهم أشخاصٌ مهمّون. وجودهم في الساحة، هذا الوجود الذي يجمع كثرة العدد وإجماع الإرادات، هو الذي يرعب السلطة التي أرادت أن تسلبهم الحق والإرادة... كثرة اجتماعات الحكومة والبرلمان، الاستعجال في تمرير قرارات كانت نائمة على الرفوف، كثرة الانشقاقات داخل الكتل الحاكمة، الارتباك بين الوعود وإمكانية التحقق، المزايدات وتملق بعض المتظاهرين... كل ذلك ناتج عرضي للأزمة التي خلقها وجودهم العنيد في الساحة ولذلك أشعرتهم المشاركة بأنهم مساهمون في صناعة تاريخهم وتاريخ البلد. ٩٧% منهم حسب الاستطلاع يرون أن مشاركتهم جعلتهم أكثر افتخاراً بأنهم عراقيون.

لكن وسائل الاتصال الحديثة لا تفعل فعلها دون وجود ما سماه آصف بيات ب( تهديد مشترك). وقد تنامى هذا التهديد المشترك بسرعة خلال السنة والنصف من الاعتصام في ساحة مشتركة وفي الاشهر التي تلته وتعمد بوجود أكثر من ٦٠٠ شهيد وكثر من ٢٥ ألف جريح و عشرات المخطوفين.

في المؤتمر الـ ١١ للحزب الشيوعي عرّف المرشحون من هذا الجيل انفسهم بكونهم من جيل تشرين. طرحوها كصيغة جديدة تقابل الخبرة التنظيمية التي يعتمدها جيل الكبار للبقاء.

تغيير المشهد السياسي

رغم كراهيتهم الغريزية لكلمة (سياسة)، لكن الاحتجاج رفع وزن الشباب في تشكيل سياسة البلد. فرغم المقاطعة الواسعة لانتخابات ٢٠٢١، صوت مليوني ناخب من مواليد ٢٠٠١ وخلقوا تغييراً بنسبة ٧٠٪ داخل البرلمان. التغير أدخل ١٠٠ برلماني جديد اكثر من نصفهم مستقل ومن التشرينيين والباقي ضمن التحالفات القديمة.

في فترة المخاض العسير بين الاحتجاج وبين الانتخابات المبكرة التي فرضها الاحتجاج حدث تحول في وعي شباب الاحتجاج، من الطهرانية الرافضة للسياسة والتحزب باتجاه التنظيم والعمل السياسي، حيث انبثق ١٥ تنظيم سياسي من صلب تشرين او من حواشيه. في صراعهم مع التيار السياسي الحاكم يوشك شباب الاحتجاج على تشكيل تكتل من ٢٨ نائبا، ائتلاف مقلق للطبقة الحاكمة. لن يشارك هذا التكتل في تشكيلة الحكومة القادمة كما أعلنوا، بل كتلة معارضة ستنصب جهودها على توفير فرص العمل، القضاء على الفساد المالي والإداري، وتحسين البنية التحتية، ومحاسبة قتلة المتظاهرين وكشف مصير المغيبين، ومنع تدخلات دول الجوار.

الشباب والحزب

انعكس صعود الشباب على بنية حزب قديم هو الشيوعي العراقي. ففي أجواء الاحتجاج وبعده دخلت الحزب أو عادت إليه حزمة من الشباب يقدرهم أحد قادة الحزب “حتى لا ابالغ عشرات، في بغداد الفرات الأوسط والجنوب” ويعزوا ذلك لمشاركة الحزب في الاحتجاجات. بعضهم من عوائل شيوعية، وبعضهم تحملوا مسؤليات حزبية.

في نهاية المؤتمر ١١ الذي عقد في الفترة من ٢٤-٢٧ من نوفمبر الماضي صعد عدد من المندوبين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٤-٣٥ عاما، صعدوا من خلال عملهم التنظيمي و بمشاركتهم النشيطة في احتجاجات تشرين و غيروا في قوام اللجنة المركزية بنسبة ٤٢٪ بحيث صار متوسط أعمارها ٤٨ عاما بعد أن كانت ٥٣ عاما بعد المؤتمر العاشر. ووصلت نسبة التغيير في قوام المكتب السياسي ٥٦٪ وانخفض متوسط أعماره من ٦٦ إلى ٥٢ عاما.

هناك اختلافات بنيوية بين جيل قيادة الحزب وبين جيل الحراك الذي صعدت منه القيادات الجديدة:

ولد الجيل الجديد في دولة الحزب الواحد التي ربطت المجتمع قسرياً بالسلطة عبر الحزب، وعاش صباه شبابه في فترة هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على ريع الدولة. الطوائف التي صوت آبائهم في بداية التغيير تسيّست ثم تعسّكرت وصارت تنهب أموال الدولة. لذلك كره الجيل الجديد الحزبية بالمجمل.

هناك جيل أصغر عمراً شارك في الانتخابات الأخيرة هو جيل الألفية الثالثة يشكل ٤٠-٤٥٪ من سكان البلاد وغالبية القوى العاملة فيها. البطالة هي أحد الهواجس الكبيرة التي تعتمل في صدورهم. وليس بغريب أنَّ شرارةَ الانتفاضة بدأت من الخريجين. لم يقرأ ابناء هذا الجيل الماركسية لتشكيل وعيهم الطبقي، بل تشكل وعيهم بالحيف من خلال المقارنات مع أولاد المسؤولين وقد حصلوا على الزمالات والمناصب. مقابل ذلك وصل عدد العاطلين بين صفوف المتخرّجين إلى (١٥١٨٠٢) للعام الدراسي ٢٠١٧ – ٢٠١٨. والأرقام بالتزايد بمعدل تقريبي ٥% سنوياً.

لم يعرف هذا الجيل العمل السري وكبت الافكار والانتماءات ووفرت له وسائل لتواصل الاجتماعي مجالاً واسعاً للتعبير عن أفكاره ونشرها بحرية. الاتصالات الأفقية بالآخرين أعطته إحساساً باهمية الذات في مواجهة الهرمية الحزبية.

لم يعرف هذا الجيل دولة مقدسة مثل الاتحاد السوفياتي طبقت الاشتراكية. حيث انتهت الكيانات الكبيرةً المتماسكة على المستوى المادي كدول أو على المستوى المعنوي كآيديولوجيات. لذلك اتجهت مُثُلُهُ نحو دولة إنصاف اجتماعي هي أقرب اليوتوبيا منها للواقع.

مخاوف متبادلة

هناك في الحزب مخاوف متبادلة بين جيل القيادات القديمة و الجيل الجديد:

-يرى القدماء أن نَفَس الشباب قصير لا يحتمل الحياة الحزبية، أميل لليبرالية منهم إلى الانضباط الحزبي “لا يتقيدون بقرارات الحزب وينشرون اختلافاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي”. لذلك يدخلون الحزب و يغادرونه حالما تصطدم آرائهم الشخصية بالرأي الجماعي للحزب».

لم يقرأوا الكتب ولم يستوعبوا النظرية الماركسية، وانصبت كل قراءاتهم على المقاطع والافكار المختصرة التي تنشر في وسائل التواصل.

بالمقابل يرى الجيل الجديد أن لدى الجيل القديم مخاوف تاريخية من صعود الشباب، وأحيانا “يتصورون أن الحزب ملكهم وما نحن الشباب إلا مستأجرون”. وهم متمسكون بقوالب جامدة يريدون فرضها على الحاضر، ويرون أن التزمت والخوف يشكل عائقًا أمام التجديد.

يعتقد الجيل الشاب أن مشكلة الحزب التاريخية “هي عدم قدرته على التقاط اللحظة السياسية”. هذه اللحظة التي لا تقبل التقديم او التأجيل والتي وصفها لينين البارحة ستكون سابقة لأوانها وغدا سيكون الوقت قد فات. ويستشهدون بانتفاضة عام ٢٠١٥. حين ابلغ شاب جنوبي الحزب بأن انتفاضة شاملة قادمة واقترح عدم مشاركة الحزب في انتخابات ٢٠١٨. لكن وجهة نظره قوبلت بالإهمال لأن الحزب كان ما يزال يعوّل على الإصلاح وليس التغيير من خلال العملية السياسية ذاتها.

شاب آخر يرى العكس “في البداية ضقت ضرعاً بنزعة التحفظ الملازمة للجيل السابق. لمرات فكرت بمغادرة الحزب حين كانت آرائي و مقترحاتي تصطدم بجدار التأني والمحاذير.لاحقاً أدركت أهمية المحاذير عند هذا الجيل الذي عاش الكثير من النكسات. أدركت لاحقاً حقيقة المخاطر التي نكون قد واجهناها لوكنا دخلنا هذه المغامرة. أدركت أهمية تقليب الفكرة بالنسبة لحزب يضم أجيالا متفاوتة. أن لا تندفع وراء فكرة واحدة إنما تقلب الاحتمالات مثلهم».

الصراع اتضح خلال التصويت، حين أسقط في الموتمر اقتراح يوصي بمعاملة سكرتيري المحليات معاملة سكرتير الحزب ( لا يحق له الترشيح لأكثر من دورتين). مقابل ذلك صوت المؤتمر على ابتكار ( العضوية المؤازرة) لاستيعاب الجيل الجديد في مكان وسطي بين الالتزامات التي تفرضها العضوية الكاملة والتأييد من خارج أطر الحزب.

تواصل وليس انقطاع

سكرتير الحزب رائد فهمي يرى أن الانفتاح على الجيل الجديد قائم منذ فترة وليس وليد المؤتمر ١١، هو استمرار وليس مفاجاة . التجديد في عمل الحزب،رغم الصعوبات، لا يعني كسر القديم وتغيير هوية الحزب كممثل للطبقة العاملة. يحتاج عملنا القادم إلى مزيد من التجديد، لكن هناك ثوابت يجب مراعاتها، الثوابت والتماسك عناصر قوة للحزب”. يبدد رائد فهمي المخاوف أو لا يعتبرها حتمية بقوله :الشباب لا يشكلون كتلة متجانسة فبينهم اختلافات في أساليب العمل لا تختلف عن اختلافات الكبار. الاختلافات اجتماعية فقتلة الشباب المحتجين من ابناء جيلهم أيضاً. وفي داخل الحزب لا يشكلون كتلة فكرية إنما اجتماعية. نحتاج إلي تحويل العلاقة بين الجيلين الى علاقة تواصل وليس انقطاع.

تعليقات الزوار

  • قيس الزبيدي

    تحليل سياسي من الدرجة الأولى

  • عادل علي

    هل يعتقد استاذ زهير ان مقاله جاء بجديد؟ المسألة ليس في فهم الواقع وانما في تغيير هذا الواقع ولو قليل نحو الافضل، وآلا سنبقى ندور في مدار واحد.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top