باليت المدى: صانع السعادة

ستار كاووش 2022/01/02 11:21:57 م

باليت المدى: صانع السعادة

 ستار كاووش

في كل لقاء لي مع صديقي زيدان تحدث أشياء غريبة وتفاصيل غير متوقعة تشبه الخيال. لذا أنتظرُ لقاءهُ دائماً، لنمضي معاً في دروب الحياة والمفارقات الجميلة التي لا تنتهي. تعرفتُ على زيدان بالمصادفة قبلَ أكثر من عشرين سنة، حين جاء من جمهورية التشيك لزيارة أحد مهرجانات مدينة لاهاي، لنقضي بضعة أيام نتنقلُ بين لاهاي ورتردام.

وقبل أن يغادر عائداً الى مدينته، إلتفتَ نحوي بأُلفة، قائلاً (شكلك مميز، هل سألك الهولنديون أن تقدم إعلانات أو شيء ما يستثمرون فيه وجهك؟) ومازلتُ أتذكر ملامحه وهو يطلق هذه الكلمات، قبلَ أن نضحك كثيراً وأنا أودعه. لتتجدد لقاءاتنا المتباعدة هنا هناك وسط مفارقات لا تريد أن تنتهي. فمرة ألقاه مصادفة في الطائرة وهو يجلس على بعد بضعة كراسي مني، ونظل نتبادل الأشارات من بعيد وسط ضحك المسافرين، وأخرى يخطف امامي كالبرق في هذا المهرجان أو ذاك، واخرى نلتقي ونكتشف بأننا قد قصصنا شعرنا الطويل معاً وجعلناه قصيراً دون إتفاق مسبق. هكذا هو زيدان محسن، صانع الأصدقاء وجالب المتع وساحر اللحظة، هذا الشيوعي الذي بإمكانه تبديد الملل وهو يجوب ممالك أصدقاءه، تاركاً خلفه مسرات وحكايات وفصول من المحبة.

في المرة الأخيرة التي إلتقيتُ فيها بزيدان، حدثت مفارقات، كان من المُتَوَقَّع لها أن تحدث كالعادة. فبعد إن حملتُ حقيبتي وركبت القطار الذاهب الى مهرجان الرافدين في برلين للمشاركة بحفل توقيع الكتاب الذي ضَمَّ لوحاتي (ستار كاووش وعالمه السحري)، كنتُ في أول يوم لي هناك منشغلاً بالحديث مع بعض الأصدقاء، وفجأة إنبثق زيدان أمامي على طريقة زوربا. وقبل أن أستوعب المفاجئة، سحبني من ذراعي بحركة أفهمها جيداً، لأمضي معه حتى صرنا بمحاذاة سيارة كانت بالجوار، ليقترب زيدان من السيارة محاولاً فتح بابها الخلفي، وحين لاحظ دهشتي وإعتراضي قال لي (لا تخف، إنها سيارتي) وبعد أن رفعَ الباب الخلفي الى أعلى، مدَّ يده وأخرجَ قنينة نبيذ قائلاً ( كان لديَّ شعور بأنك ستكون في هذا المهرجان، لهذا ركبت سيارتي وعبرتُ الحدود لنلتقي. فلنحتفي ياصديقي بلقائنا العجيب الذي يتكرر دون موعد) ثم اردفَ بعد أن نجحَ في فتح القنينة وسط الشارع (وهذه ستكون مظلتنا)مشيراً الى الباب الخلفي المرفوع الى أعلى.

كان الفندق الذي نسكنه مع باقي المشاركين في المهرجان يقع وسط برلين، وفي اليوم التالي، إتفقنا على الذهاب الى فعالية ثقافية تبعد عن الفندق عشرين دقيقة. وقتها أشار زيدان لسيارته فإمتلأت سريعاً بمجموعة من الأصدقاء المشاركين والقادمين من بلدان مختلفة. فإنطلقَ زيدان بالسيارة التي جاء بها من التشيك، ونحن عيوننا شاخصة بحثاً عن العنوان الصحيح. كان الجهاز الذي يحدد الأماكن داخل السيارة يتحدث التشيكية، ونحن نتحدث العربية وأسم الشارع الذي نبحث عنه مكتوب بالألماني والمكان الذي نريد الذهاب اليه يقدم عرضاً مسرحياً لسنا متأكدين من لغته!! وكي يكتمل المشهد كانت الحقيبة الخلفية لسيارة زيدان مليئة بقناني النبيذ الفرنسي. وهكذا تحولت سيارة زيدان الى عالم مصغر جمع كل جهات العالم تقريباً. وبعد حضور العرض، حملتنا السيارة العجيبة في وقت متأخر من الليل نحو الفندق.

في اليوم التالي، كنت اتهيأ لتقديم محاضرتي وتوقيع كتابي، ولم يتبق على بدء ذلك سوى ساعة واحدة تقريباً، وقد إنشغل الفنان منصور البكري بتهيئة أوراقه التي سيقدمني من خلالها للجمهور، بينما جلس قربي الفنان جبر علوان الذي سيتحدث أيضاً عن تجربته الفنية. وفجأة إقترب زيدان مني قائلاً (هل ستوقع كتابك بدون تعميد؟) فأجبته متعجباً (ماذا تقصد بالتعميد؟) فإبتسمَ وأطلق كلمتين فقط (النبيذ يا صديقي). ليشيرَ اليَّ بوجهه ويده كالعادة ونخرج بعدها بحثاً عن مكان لبيع النبيذ، وهو يردد ضاحكاً (الحمولة التي جلبتها معي من التشيك نَفِدَتْ البارحة أثناء العرض المسرحي). قطعنا بعض الشوارع القريبة، حتى بانَ أمامنا متجر كبير، فدلفنا للداخل وإخترنا قنينتين من نوع ميرلو، ثم سأَلْنا أحد الباعة عن حاجتنا لشراء كأسين، فأعربَ عن أسفه لعدم وجودها في المتجر. سحبنا خطانا قبل بداية الأمسية بدقائق، ونحن نفكر بحل مشكلة الأقداح، وهنا لم يتردد زيدان بالدخول لأحد المحلات، حتى دون أن يعرف نوع المحل، لتستقبله إمرأة برلينية جميلة وتعرض مساعدتها، فإقترب منها بإناقته المعروفة، قائلاً بصوت منخفض، (سيدتي، أعرفُ إنَّ طلبي سيكون غريباً، لكن صديقي الفنان سيوقع كتابه بعد قليل في البناية المجاورة لكم، وقد أحضرت له النبيذ لنحتفل، لكن ليس لدينا اقداح للشرب، فهل يمكنني إستعارة قدحين منك، ثم أعيدهما لك مع الشكر، بعد انتهاء الأمسية؟)، ولم أفهم وقتها، من أين أخرجت المرأة كأسين رائعين، أخذهما وهو يرمقها شاكراً بطرف عينه.

في الأمسية، تحدثتُ عن أعمالي ثم بدأت بتوقيع الكتاب، وأمام الحاضرين إقترب زيدان مني وطلب أن أوقع له على نسخته من الكتاب، أمسكتُ القلم وأوشكتُ على الكتابة لصديقي، فإذا به يُظهر القنينة التي كان يخفيها خلف ظهره، ويرش قطرات من النبيذ على الصفحة الأولى للكتاب، قائلاً (هل عرفتَ الآن معنى التعميد؟) ليملأ القدحين وسط استغراب وضحك وتصفيق بعض الأصدقاء ونرفع نخب الصداقة. أُفَكِّرُ دائماً بصديقي زيدان، مُحِبَ الحياة وعاشق السعادة، وأشتاق لمفارقاته الجمالية، وأنا متأكد من لقاء قادم سيجمعنا في مدينة لم تخطر على بال أحد.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top