سرديات اغتيال الكتب

سرديات اغتيال الكتب

ناجح المعموري

ان اللغة هي الآلية المركزية للسمو بالنشاط البشري بما يتجاوز آنية الخبرة الحيوانية ، إذ تشبه اللغة المطواعة آلة الزمن ، وتنشر تأثيرات عبر أرجاء العالم .

عرفت بلدان العالم وجود جماعات خاصة بكراهية الكتب وتشجيع العدوان عليها ونشوء أفكار ضد الكتب والعقل الانساني مع حضور وسيادة أنظمة سياسية معروفة في القرن العشرين .

وأشار الأستاذ علي حسين في كتابه "كتب ملعونة" الى عدد منها ، ولعل ابرزها الفاشية وموسيليني ، هتلر الذي تعامل مع الكتاب وسيلة تدمير وتخريب للحياة ، لذا أثارت «بيكانوث« في كتابها المهم إبادة الكتب : تقويض مكتبة نوع من الاجلال الخبيث لسلطان المكتبات «قول جميل للغاية لأن الباحثة منحت المكتبة إرادة سلطانية وقوة حضور جبارة عرفتها الشعوب لحظة نمو المجتمعات وتشابك العلاقات ، وتزايد اعتمادها على نظم المعرفة التي تربط بين أنواع مختلفة من السلوك ، وتطبق الدروس المستفادة من الماضي على مشاريعها المستقبلية ، وتنظم الأنشطة التي لا غنى عنها في الحياة المعاصرة واللغة المكتوبة تحتضن الذاكرة وتتيح استرجاع محتواها في هيكل من الادبيات التي تمكن قيمتها ، في جزء منها ، في الميزة التي تمنحها الذاكرة المدونة للاطلاع وتُنشر فإنها لا تتيح للناس معرفة الأساليب التقليدية للحياة التي وصلت اليهم عن طريق عائلاتهم وقبائلهم فقط ، كما فعلت الشعوب الاولى ، بل تمكنهم أيضاً من معرفة تقاليد وإرث ثقافات وعصور أخرى عديدة ... وأكدت « ربيكانوث « على أن معرفتنا بالنصوص المبكرة التي وصلت الينا من على جدران الكهوف وعلى شكل شذرات تاريخية ، رسومات غريبة على المقابر والقصور ، وقطع من ألواح طينية ومسلات وأحجار متنوعة . هذه هي العتبة البدئية المبكرة ، الكاشفة عن رموز ، وصور ، وعلامات ايقونولوجية هي أومأت للعقل الأول أن يتعامل معها بوصفها صور رمزية ، أسست تدريجياً بدئية التواصل الأول ، والتبادل الثقافي ، والاستعانة الأولى عبر وسائط تركها السلف الأول مدونة لمعلوماته الأولى ومعرفة بالمعلومات المعبرة عن الحياة الأولى ومفردات التفاهم التي تحولت الى وسيلة استعان بها الانسان ووظفها للتفاهم مع غيره من الأفراد والجماعات . وهنا تكشف التوصلات التي عرفها الكائن الى أن الرمزيات هي دلالات للتعبير بين الأفراد واقترحت لحظة تأسيس المعلومات وتدوينها والتفاهم بها وعبرها والوصول الى بث المعلومات بالصور والرموز أولاً ، ثم على نحو متزايد بنقوش مجردة تمثل حروفاً وكلمات ، ونقوش تعبر عن افكار ومفاهيم وفي النهاية بالحروف الهجائية ، وبحلول الوقت الذي ظهرت فيه الهجائية صار خزين المدونات تقليداً راسخاً .

هذه المقدمة المؤسسة للحظة تكون اللغة ، تعني لنا الجدل والصراع بين الأفراد والجماعات التي اختارت وسائلها للتعبير عن الحياة والموجودات وكيف تطورت وتحولت الكتابات الى مدونات حازت صفة كتاب استغرق حضوره مئات ، لا بل ، آلاف السنوات وبشكل قصدي تنشأ كراهية من رجل يمتلك عقلاً مختلاً فيذهب الى التدمير ويشعل الحرائق بالكتب .

يكتب البرتو مانغويل في كتابه “ تاريخ القراءة “ أن ملاحقة الكتب لن تنتهي أبداً . وأن السلطة المطلقة ترى “ أن كلام الحاكم يكفي “ ولهذا تتحول الرقابة الى ملازمة ترافق السلطة دائمة . واضاف علي حسين أن كتاب “ كتب ملعونة “ محاولة جديدة لقراءة عدد من الكتب التي ساهمت في تغيير مجرى الأحداث في العالم سواء في مجال السياسة والاقتصاد والدين والفكر العلمي منذ المعركة التي خاضها سقراط حول الحرية والعدل الى آلاف الكتب التي أحرقت في الساحات ومنعت من التداول على مر العصور / علي حسين / كتب ملعونة / ص9 .

محاكم خاصة للكتب . ذكر علي حسين أن المحكمة التي سيق اليها سقراط عبارة عن مبنى ضخم فيه محامي الدفاع . وحضر للمحكمة 500 مواطن شكلوا هيئة محلفين ، بدأ فيها الادعاء بإثارة قضية ، أن هذا الذي يدعي الفلسفة والماثل أمام المحكمة رجل ، شرير ، يشكك في الأشياء التي تحت الأرض وفي السماء عدا كونه مارس تأثيراً فاسداً على الشباب “ كانت هيئة المحلفين قد جاءت محملة بآراء ضد سقراط ، كانوا قد تأثروا بما يقال من أن هذا الرجل رث الثياب قد لعب دوراً في الكوارث التي حلت بالمدينة ، وهنا أدرك سقراط منذ البداية عدم وجود فرصة للنجاة أمامه ، ورغم أنه كان يمكنه التراجع عن أفكاره وإعلان التوبة وانقاذ حياته ، لكنه رفض مثل هذه الفرصة “ أشك انكم ستستيقظون من سباتكم في وقت قريب وستلجؤون بفعل انزعاجكم الى نصيحة ميليتوس لتنهوا حياتكم بضربة واحدة ....وعندما طلب القاضي حكماً نهائياً صوت 360عضواً من المحلفين لصالح اعدام الفيلسوف / ص17//

ازهار الشر اهم تجربة شعرية ضج بها القرن التاسع عشر واستمر بودلير مهموماً ومنشغلاً بكتابتها مدة خمسة عشر عاماً . وحاز بودلير شهرة واسعة جداً مع متاعب وملاحقة المحاكم استنكره العديد من النقاد والسياسيين الذين رأوه “ قذارة “ بينما قال عنه فلوبير “ ان الديوان كتب “ للذين يدركون جيداً معنى الحياة يرسل نسخة بخط يده من الديوان والدته مع رسالة يخبرها فيها ان : الكتاب الذي بين يديك والمعنون بازهار الشر انجزته بجنون وصبر ، وقد توخيت بداية الامر عدم الكشف عنه ، لكن عندما فكرت في الامر ملياً ، بدا لي بما انك سمعت احاديث عن هذه المجموعة ، على الاقل من خلال المخصصات التي سأرسلها ، فان خجلي سيكون اكثر حمقاً من احتشامك المتطرف لقد ابقيت لنفسي ست عشرة نسخة مكتوبة على ورق عادي ، ثم اربع اخرى دونت على ورق رفيع ، احتفظت لك بواحدة منها واذا لم تصلك بعد ، فلاني ارتأيت ارسالها في شكل مجلد تعلمني بأني لم اعتبر قط الادب والفنون لمطاردين لغاية غريبة عن المزاج وتكفيني جمالية المفهوم والاسلوب . غير ان هذا الكتاب المضمون بأزهار الشر الذي يقول كل شيء ، اكتسبته مثلما تلاحظين جمالية كئيبة وباردة ، وقد انجزته بجنون وصبر . /ص24//

هذا الديوان ما زال شاغلاً لتجربة الشعر الحديث ولكنه استقطب تيار الكراهية لانه دعا الى الرذيلة واتهمته المحكمة بالذنب واصدرت قراراً بتغريمه 300 فرنك . ومن احدى رسائله الى فلوبير : وبدأت بكتابة ازهار الشر الجديدة ، فالمحكمة لا تطلب الا استبدال بعض القصائد ، ربما سأضع عشرين . ظل بودلير قوياً وجريئاً وشجاعاً وقال في اخر رسالة لامه : من المستحيل ان اكون مثلما يريدني زوجك ، وبالتالي فانا سأسرقه ان بقيت عنده فترة اطول واخيراً ، فلا اجد من اللائق ان يعاملني كما يريد ، لاشك اني سأضطر الى ان اعيش حياة قاسية ، لكني سأكون افضل حالاً / ص3//

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top