رسالتي الى عبد الرحمن

رسالتي الى عبد الرحمن

صديقي الغالي عبد الرحمن... أشدّ على يدك بشوق

"إننا مصنوعون من نفس النسيج،
الذي تُصنع منه الأحلام،
وحياتنا الضئيلة مكتنفة بحلم"
شكسبير

بصدد ملحمتك الشعرية، التي تعدّدت احداثياتها التعبيرية ومصادرها المعرفية، كان عسيراً عليّ تحديد اتجاهات وخرائط عمل كما يُفترض بمن يدخل اول مرة قارات لم تكتشف من قبل، وكي لا يتشتت ذهني بحثا عن طرق وطرائق، اعفيت نفسي من بوصلة الخبرة التي لا نفع منها في حلم حاضر مباغت لا ينتهي وتركت البياض يرسم، وابحرت يحدوني رنين خفي، مرة اسمعه في رأسي ومرة في القصيدة، ومرات في اضلاع القلم... والحال أني ركبت السفينة هرباً من البحر، كما نصحتنا.
في الرسم تصبح محاولات تفكيك الواقع شكلية، تحصيل حاصل، مادام الرسم يسعى للوصول إلى علّة الأشياء، فما أن تدركها تحيلك إلى علّة أخرى، وهكذا عبر لا متناهية العلل تصبح انت العلّة والمعلول... فكما نطوّع المادة فالمادة تطوّعنا بالقدر ذاته في أغلب الأحيان، والأمر مرتهن بوضوح الرؤيا.
لم يكن لدي تصور أو فكرة عما ستكون عليه الرسومات، فالقصيدة كانت تتجدد كلما تكررت قراءتها، وتقدمت طلائع الخطوط بحذر بصفوف ترتجف؛ خط يغري آخر ويبرره، ثم تسللت الكائنات واحدة أثر أخرى، تختبر حضورها، مثلما تبدأ قصيدة الشاعر بكلمة ثم تزهر وتزدهر في غابة الشعر وينبت حولها ما ينبت... انفردت كل مفردة في مكانها معتدّة بذاتها، صريحة في بياض وجودها وأصبحت علّة لوجود غيرها، قطب مغناطيس تتراكم حوله برادة الحديد بشكل بلوري منتظم... من غير قصد ترتب الأشياء حالها بتكافل شديد العدالة، وتعلمنا أيضا كيف نرتب احوالنا، وترجح لنا المشي على الأرض شاقوليا، والموت افقياً... أما الحلم فهو صنيعنا بلا قريع.
كل شيء ينشأ من علّة لابد أن ينتهي بعلّة، والاشياء تتغيّر وتتبادل الأزمنة والامكنة وتتناوب في صيرورتها (كل شيء يصير إلى الأبد لكنه لن يكون أبداَ) هكذا رأى الإغريقي هيراقليطس، الذي يحضر بقوة كلما تحدثنا عن حاضر لا ينفيه ماضي ولا يبطله مستقبل.
تبدّى المكان في الرسوم بمثابة مقترح يضمن شرط تحققه واستثنائه... كل صورة مكتملة تحمل في صلبها استثناء وجودها تبدو ناقصة، حتى لو بلغت ذروة تحققها القصوى، وكل شيء لابد أن ينطوي على هذا الاستثناء الجوهري... الحقيقة واحدة لكنها ذات ظاهرات لا حصر لها، حسية ومجردة، نتمثلها ونسمع زنينها الزمني في المكان بما لا يحصى من الأشكال. لم تكن الورقة حاملا فحسب، إنما محمولاً أيضاً، ولم تكن مُحَدِداً ولا مُحَدَداً ، بل كلاهما بصيغة تراوحت بين الإفصاح والكتمان.
طيلة أيام التمرين على اليقين، كنت أُلاحق الايقاع الشعري في القصيدة، فيما كان قلمي ينقش على وتيرته. أغلب الأحيان كنت أغمض عينيّ وانا انقش كي لا يفوتني لحن من ألحانه، ولم أسأل نفسي عن مقاماته وتقاسيمه، وماهي الآلات التي كانت تعزف، لكني كنت اصعد سلمه إلى الذروة، وانزل منه الى القرار، وكثيراً ما توقفت، وانا ألهث، أجرُ انفاسي، لكن الرسم لا يكف عن مراودة البياض وليس من خاتمة للإغواء، إنما فرصة متأخرة عن زمانها، نعتقدها خاتمة.
نحن لا نرسم الأشياء فقط، هي ترسمنا أيضاً.
اسقطتُ من ذهني كل ميل للترميز، بل سعيت ضده، فهو ينتهك الحقائق، ويقصر من طاقتها على التمثل، بل يحيلها إلى ايقونات سرعان ما تفقد صلتها بالحياة، وجعلت من الاحلال علّة لوجود الأشياء، فالغيوم التي حطت رحالها فوق أوراق الصبّار وتمثلت أشكالها، حق لها أن تُنبت اشواكاً في مسعى الاحلال ووحدة الوجود. الفن إحلال بطبيعة تمثلاتنا الحسية والحدسية للموضوعات، غير هذا فالتصورات مهما بلغ وضوحها لا يمكنها تحقيق رسماً يسعى لكشف الوحدة الوجودية من غير الاحلال. الرسم احلال صرف.
التدوير والتدوير، ثم التدوير؛ هكذا استهلت الرسوم ظهورها على منوال قصيدتك المدوّرة وسرى الرنين في جسد البياض، وانتظمت جحافل الخطوط يسند أحدها الآخر ويقيّم مساره. الخطوط النحاسية كانت اشد صرامة في الاعراب عن ذاتها غير معنية بما تصنعه من اشكال، وكانت متماسكة ومتمسكة بتلاحم في صيرورة الموضوعات، التي كثيراً ما غيّرت صيغتها واختلطت مع غيرها واضاعت ملامحها بتكافل لا تواضع فيه، ولم يعد للتضاد والانسجام واوزان الرسم فعل يذكر، وفَرِحتُ لنسياني الدروس الأولى للرسم.
فيما كنتُ انتظر طيوراً تطير على ظُهرانها، بدت الغيوم بحيرات مقلوبة على قاعها، كذلك بانت البيوت والأشجار والأسماك: (أليس المقلوب صحيحاً)!كما ظهر الانسان إلى جانبها منسجما متآلفا مع وجودها، بقدر انسجامها ووجوده المباغت الى جانبها، نسيجه من نسيجها وقد حضر بمثابة ذات فاهمة تنطوي على احتمالات وجودها بلا نقصان ولا بهتان، وليس تاريخاً، حضر بهيبة كائن يصيرُ وليس نموذجاً صار، وما كان منه إلا تقاسم الحال الراهن: مقلوباً، حالماً، مغمض العينين، مطأطأ الرأس، يائساً، "مبرطماً"، انيقاً، مهملاً، او محتدماً بقوة...
اتمنى أن تتصفح مخطوطتك وأنت بأحسن حال اتمناه لك وتعتبرني إلى جانبك مخلصاً.
يحيى الشيخ
(تروندهايم، النرويج في تشرين ثاني 2021)

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top