جواد سليم وهاشم البغدادي يصممان ترويسة جريدة

جواد سليم وهاشم البغدادي يصممان ترويسة جريدة

جمال العتّابي

تحرص الصحف والمجلات والمطبوعات الدورية على ثبات ترويستها، أو ما يعرف ب(اللوغو)، ونعني به الإسم والشعار الذي يميز المطبوع عن غيره، بوصفه المدخل الأول للتعريف بالمطبوع،

وتأكيد هويته كأحد عناصر نجاحه وإستقراره، فضلاً عن كونه قضية جمالية وفنية، ومتعة بصرية إعتادها القارئ، لا يجوز إنتهاكها والعبث بمكوناتها.

جريدة الأهرام المصرية بعد أكثر من قرن على صدورها ماتزال ترويستها هي نفسها التي صدرت فيها منذ عددها الأَول، وكذلك جريدة الأخبار، وغيرها من الجرائد والمجلات المصرية، ومثلها تجارب عالمية صحفية راسخة في إحترام التقاليد المهنية في الشكل، وإستقرار الترويسة.

غير ان هذه القضية للأسف الشديد، تقف منها الصحافة في العراق، وكأن الجرائد والمجلات كيانات بلا تاريخ، كيانات خاضعة لمزاج ورغبات إدارات التحرير، في ظل عدم وضوح الرؤية، وغياب التخصص لدى تلك الإدارات، فضلاً عن الإرتباك الاداري والفني السائد في المؤسسات الاعلامية. ودون العودة لتجارب صحفية عراقية رائدة، بقصدٍ، أو بدونه، وأغلب الظن لجهل في تاريخ الصحافة.

ان جريدة يومية واحدة صدرت قبل أكثر من سبعين عاماً، مثل (الأهالي) لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجادرجي، إستجابت إدارتها لمتطلبات عصر تحولات سريعة يقتضي وضع تصميم جديد لترويستها، يوم ذاك لم تتعرف الصحافة على الاخراج الفني، ولم تدخل بعد التقنيات الحديثة في الطباعة، لكن الجريدة تمتلك عقلاً متنوراً يسعى لصنع تاريخ وهوية عراقية (للأهالي)، فكلفت أنذاك الفنان جواد سليم لتصميم شعار الجريدة، بالإشتراك مع عبقري الخط العربي هاشم محمد البغدادي، الذي مشق الإسم بالخط الديواني، وطرحت الجريدة الشعار الجريدة، للمناقشة، وبيان رأي القراء، وإستلمت هيأة التحرير مئات الرسائل مع وضد التصميم، البعض إعتبر الشعار قريباً من الشعار (السوفيتي) المنجل والمطرقة، إلا ان كامل الجادرجي زعيم الحزب لم يأخذ بتلك الإعتراضات وإعتمد التصميم، وكان هذا حدثاً مهماً في دعم الفن الحديث، وتبني أفكاره الجديدة، وظهرت الترويسة لأول مرّة في 17آب 1952، وكتبت الجريدة مقالة بهذه المناسبة جاء فيها: منذ مدة والنية متجهة نحو إجراء تغيير جوهري في شكل وعنوان الجريدة، وكان الهدف الأساس هو ان تكون الشعلة، وهي الرمز التقليدي للأهالي جزءاً من العنوان، كما كان الحال في الشعلة القديمة التي كانت تبدو كأنها لصيقة أو طارئة على العنوان، وتحقيقاً لهذه الفكرة، تركنا للفنان الحرية في إخراج الشكل الجديد الذي يحقق به أكبر تعبير ممكن في هذا السبيل، وقد تعهد بهذه المهمة الفنان الكبير الأستاذ جواد سليم، وبعد ان رسم سليم الشعلة حدّد على وجه التقريب وضعها بالنسبة للخط، تاركاً للخطاط حرية إختيار نوع الخط والنقاط الفنية.

وإختار جواد سليم النموذج الجديد الذي قدّمه هاشم البغدادي، وذكر ان أسباب ترجيحه الخط الديواني، هو نجاح الخطاط في الطريقة التي إختارها عند مزج الخط بالشعلة بحيث جاء الأثنان منسجمين بعضهما مع بعض، بالحركة أكثر من بقية النماذج الأخرى.

وفي حوار مع الفنان جواد سليم سأله الصحفي عباس الصراف : هل ان الشعار بعيد عن السياسة؟ فأجاب جواد : نعم إنه أمل الإنسان، فالحمامة رمز السلام، والمطرقة رمز الصناعة والتقدم، والمدية رمز الزراعة، والشعلة رمز النور والحضارة.

ان محاولة تكثيف مثل هذه الحياة الثرية العريضة بكلمات قصيرة، لا تغني عن الحقيقة شيئاً، ولكننا لا نملك إلا أن نردد ان الآتي من عقود تلك السنين هم اساتذتنا ومعلمونا، وهم صورة الإنسان العراقي في تحولاته الوجدانية والفكرية عبر سنوات الكشف والتحدي، والقدرة على النمو والإزدهار، إذ شهدت تلك الأعوام تمدد وتجدد حركة الأدب والفن، نحو تأصيل التحولات المهمة فيها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top