رداً على رد ضياء نافع..تواضع قليلاً يا عزيزي , فصرخة “ وجدتها “ لا تجعل منك أرخميدس !

رداً على رد ضياء نافع..تواضع قليلاً يا عزيزي , فصرخة “ وجدتها “ لا تجعل منك أرخميدس !

عملا بحق الرد ننشر المقال الذي ارسله الشاعر اللبناني شوقي بزيع للرد على مقال الدكتور ضياء نافع المنشور في المدى يوم 2022/01/10 بعنوان " بوشكين وزوجته والقيصر و بزيع "

شوقي بزيع

ليس من عادتي أن أرد على من يتناولون نصاً لي , شعراً كان أم نثراً , بالنقد والتحليل والتأويل , وبصرف النظر عما اذا كانت وجهة التناول واقعة في خانة السلب أو الايجاب, الانسجام مع النص أو التبرم به. فالحقيقة الفنية, كما نعلم جميعاً,هي حقيقة نسبية وحمالة أوجه, وبعيدة كل البعد عن الأحكام اليقينية والمطلقة. وإذا كان قد تأخر هذا الرد قليلاً عن موعده المفترض , فلأنني لم أكن بصدده في الأصل , لو لم أجد في مقالة الكاتب ضياء نافع ما يستدعي توضيح بعض النقاط الاشكالية التي ينبغي توضيحها , كي لا يلتبس الأمر على القارئ , ويتراءى له أن ما كتبه نافع هو الحقيقة بعينها.

لا بد من الاشارة أولاً الى أن حق الكاتب في نقض سرديتي الخاصة باغتيال بوشكين , لا يجيز له التعاطي مع ما كتبته بهذا القدر من النبرة التهكمية , التي تخفي وراءها قدراً غير قليل من الصلف الاستعلائي , والاستخفاف بالآخر. وإذا كان السيد نافع مضطلعاً بالأدب والثقافة الروسيين , وهو مترجم معروف , فلماذا عليه أن يستعين ,على طريقة جورج قرداحي , بصديق روسي مجهول الهوية , للفوز بجائزة الردح والتسفيه العدائيين ضد كاتب هذه السطور , وبأي ثمن كان. والأدهى من ذلك أن استعانة السيد نافع بصديقه ذاك , لم تقتصر على النص الشعري المنسوب الى بوشكين , والذي سأوضحه لاحقاً , بل تلطى وراءه ليدحض المزاعم المتصلة بعلاقة الجمال بالموت , وباستهجان دور القيصر في التآمر على شاعر روسيا الأكبر.

إنه لأمر باعث على الاستغراب أن “ يستغرب “ الكاتب ضياء نافع العلاقة الوثيقة القائمة بين الجمال , وبخاصة في شقه غير الممتلك , وبين الموت. وهو أمرتؤكده وقائع التاريخ وأحداثه الدموية , وبينها تسبب الفاتنة هيلين بحرب طروادة , من جهة , وتؤكده اللغة نفسها من جهة أخرى. فالنعوت التي تُلحقها المعاجم العربية بالجمال , تشترك جميعها في ربطه بالعنف وتصدع النفس , فهو الجمال “ الفاتن “ , المتسبب بالفتنة , و”الخلاب “, الذي يخلب العقول , والطاغي الذي يستبد بالمصائر , و” الصاعق “ الذي يصعق الروح , الى آخر هذه السلسلة المتوائمة من المرادفات. وفي “ مصارع العشاق “ لأحمد بن الحسين السراج , لا يكاد الجمال الأنثوي المعشوق يطل من عليائه, حتى يخر العاشق ميتاً , أو مغشياً عليه. كما أن فرادة “ أزهار الشر” لبودلير , تتمثل في تقصي الوشائج العميقة بين الجمال والموت. وهو ما يضعه سيغموند فرويد في إطار الصراع بين إيروس وثانتوس , أو بين غريزتي الحياة والموت.

على أن الجانب الأكثر مدعاة للدهشة من الموضوع , هو تشكيك نافع الواضح بضلوع القيصر نقولا الأول في تدبير الفخ الملائم للتخلص من الشاعر المتمرد على نظام الاستبداد القيصري , متناسياً أن الكثير من الأمم لجأت , في الحقب الأكثر ظلامية من تاريخها , الى التخلص من أيقوناتها الابداعية , كنوع من التدمير الرمزي للذات الجمعية. وهو المصير نفسه الذي واجهه المتنبي العربي قبل ألف عام , وواجهه غارسيا لوركا قبل ثمانية عقود ونيف , فضلاً عن الذين دفعهم العسف السلطوي والاجتماعي الى الانتحار , الشبيه بنوع مقنع من الاغتيال. ومع أن سعي نقولا الأول لقتل بوشكين , من خلال الضابط الفرنسي العامل في الحرس الأمبراطوري دانتس , هو موضع إجماع المؤرخين , فقد ارتأيت أن أضع العنوان الرئيسي للمقالة في صيغة التساؤل , دفعاً لأي إجابة قاطعة بخصوص مبدأ الزواج نفسه. وإذا كنت أتفهم موقف “ الصديق الروسي “ المهتم على ما يبدو بتبرئة القيصرمن دم بوشكين , ضمن توجه روسي أوسع لتلميع صورة الحقبة القيصرية , فإن موقف الناقد نافع في هذا الخصوص عصي على الفهم , ومدعاة للاستعانة بالكثير من علامات السؤال والتعجب , إن لم أقل الاستنكار والاستهجان .

أما النقطة الثالثة والأخيرة , والتي اعتقد نافع بانتشاء يفوق الوصف , أنها الطلقة التي أصابت مقتلاً من شاعر آخر , أكثر تواضعاً بالقطع من بوشكين , فهي تتعلق بالمقطع الشعري القصير الذي يصف القيصر بالقاتل الكريه , والذي ذكرت في مقالتي أنه جزء من قصيدة “ النبي “ لبوشكين. وإذا كانت هذه النقطة هي الجزء الوحيد المقنع من رد نافع , لأن قصيدة بوشكين الشهيرة لا تتضمن بالفعل هذا المقطع , فإن الالتباس الحاصل ليس متولداً عن رغبة مقصودة لدي في تضليل القارئ , أو بأن أنسب الى الشاعر ما ليس له , وأنا بغنىً عن الوقوع في مثل هذا المطب غير المحمود. ولكن علي أن أقر بأن المقطع الشعري موضع اللبس , لم يأت من فراغ , بل أورده الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر في كتابه “ بوشكين \ قصائد مختارة “, بوصفه الجزء الأصلي الأخير من قصيدة “ النبي “ , والذي اضطر صاحب كتاب “ الغجر “ الى حذفه خوفاً من عسف القيصر وبطشه , دون أن يفضي ذلك الاستدراك إلا الى تمديد حياة الشاعر لسنوات قليلة إضافية. ويمكن للقارئ أن يتثبت من المقطع المذكور في الصفحة 31 من كتاب الشيخ جعفر, الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1981.

وربما كان يمكن لرد نافع الرد التهويلي , أخيراً , أن يكتسب دلالة أكثر أهمية لو كانت مقالتي المنشورة في “ الشرق الأوسط “ تتمحور حول تجربة بوشكين الشعرية , أو حول قصيدة “ النبي “ بالذات. أما والمقالة المذكورة تعرض , من بين سلسلة من المقالات المشابهة , لإشكالية مختلفة تمام الاختلاف تتعلق بزواج المبدعين , وما يستتبعه ذلك بالنسبة لهم من تداعيات باهظة الثمن ,على الصعد الحياتية والفنية والانسانية , فإن صرخة “ وجدتها “ التي أطلقها الكاتب ضياء نافع في هذه المناسبة , ليست في محلها أبداً, وهي لا تجعل منه المعادل النقدي لأرخميدس , بأي حال من الأحوال.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top