السينما العراقية خلال 2021.. دخول خجول  للدولة في دعم انتاج الافلام

السينما العراقية خلال 2021.. دخول خجول للدولة في دعم انتاج الافلام

المحرر

السينما العراقية، عام 2021، تُنبئ بمسيرة ناجحة، قياساً إلى الأعوام الماضية. الدليل على ذلك؟ وفرة الأفلام الروائية الطويلة المُنتجة فيه، التي أكّدت حضورها المتميّز في ذائقة المتلقي، وفي المهرجانات السينمائية، إضافةً إلى عددٍ كبير من الأفلام القصيرة، التي أنتجها سينمائيّو الداخل خاصّة، وأغلبهم شبابٌ.

هذا العدد يُشكّل إنجازاً سينمائياً جيّداً نسبياً، مقارنة مع العقود الـ3 الأخيرة من تاريخ هذه السينما. لكنّ مشاكل السينما العراقية باقية، بل تزداد مع ازدياد شغف الشباب بالسينما، والذين يُعبّرون عن حبّهم لها، بمحاولاتهم المستمرّة، التي تصل أحياناً إلى المهرجانات السينمائية.

التمويل والإنتاج لا يزالان المشكلة الأهم في السينما العراقية. السينمائيون العراقيون، خصوصاً أولئك المُقيمين في العراق، يبدو الأمر بالنسبة إليهم صعباً، وأحياناً مستحيلاً، عكس أقرانهم خارج العراق، فهؤلاء وجدوا الأرض مُمهّدة أحياناً من الجهات المعنية للتمويل والمساهمة في الإنتاج. المخرج ملاك عبد علي، المُقيم في العراق، وأحد الذين يعانون بشدّة أمر الإنتاج والتمويل، يقول: «الإنتاج السينمائي في العراق كارثيّ، بسبب عدم دراية الدولة بأهمية السينما. أغلب الأفلام قصيرة ومستقلّة ومتواضعة الميزانيات، رغم نجاحها. يجب أنْ يكون هناك دورٌ للدولة في صناعة السينما. أقصد بذلك عدم تمويل الأفلام بمبالغ ضخمة. كلّ أفلام الشباب أُنتِجت إما بشكلٍ شخصيّ، وإما بمساعدة شركات إنتاج قدّمت معدّات ومواقع».

تتّخذ المشكلة شكلاً آخر بالنسبة إلى المُقيمين خارج العراق. حيدر رشيد، المُقيم في إيطاليا، يقول: «في البدء، أردتُ صنع فيلم بمالٍ قليل. هكذا، بكلّ بساطة: عملٌ يُنجَز بالتعاون مع أصدقاء. لاحقاً، انتبهتُ إلى أنّ المنطق يفرض عليّ محاولة جعله أكثر تنظيماً. «لجنة توسكاني للأفلام» أول من اقتنع بالمشروع (أوروبا)، فمنحتني جزءاً من الميزانية. تمكّنني من صوغ مشروع إنتاجي، يضمّ إيطاليا والعراق والكويت». بسهولة، يُمكن تبيان الفرق بين هموم مخرجي الداخل ومخرجي الخارج، بخصوص التمويل.

منذ عام 2013، قدّمت وزارة الثقافة العراقية منحاً إلى مخرجين عراقيين، أثارت جدلاً واسعاً في الوسط السينمائي، بسبب شبهة فساد فيها. منذ ذلك الحين، تُقدّم الوزارة منحاً لأفلامٍ تختارها لجنة متخصصين، بواقع 4 أفلام روائية، و6 أفلام قصيرة. المبالغ متواضعة، لا ترتقي إلى حجم إنتاج الأفلام؛ ومع هذا، كانت استجابة لمطالب سينمائيين كثيرين في الأعوام الماضية.

مشاكل أخرى تعانيها السينما العراقية، أبرزها قصور المؤسّسات التعليمية الفنية، التي تساهم أساساً في تثبيط همّة المتعلّمين، بسبب نقص الأجهزة والكوادر الفنية. رغم هذا، شهد عام 2021 إنتاج أفلامٍ روائية طويلة، منها أفلامٌ حصلت على منحٍ (مذكورة سابقاً) من وزارة الثقافة. منها «أوروبا» لحيدر رشيد، الذي اختير لتمثيل العراق في التصفيات الأولى لجائزة «أوسكار» أفضل فيلم دولي، في النسخة الـ94 (27 مارس/آذار 2021)، والذي يتناول قضية هجرة الشباب العراقيين، من خلال قصة كمال، الذي عزم على الرحيل من العراق إلى أوروبا، في رحلةٍ طويلة محفوفة بمصاعب ومخاطر، يقوم بها سيراً على قدميه، لعبور الحدود بين تركيا وبلغاريا، حيث يقوم مرتزقة بمطاردة المهاجرين، فيتوغّل كمال في غابة لا نهاية لها، تُشكّل عالماً خارجاً عن القانون.

كذلك «رجل الخشب» لقتيبة الجنابي، الجزء الأخير من ثلاثية تضمّ «الرحيل من بغداد» و»قصص العابرين». تدور أحداثه حول دمية خشبية، بالحجم الطبيعي للإنسان، لكنّها لا تتحدّث ولا تتحرّك. طريقة التصوير والفعل الدرامي للمونتاج يعكسان ما يرنو إليه رجل الخشب هذا، كما يعكسان أحاسيسه وعواطفه ومحنته. حكاية خيالية، ترمز إلى الغرباء واللاجئين، الذين يمثّلهم رجل الخشب. حكاية مختلفة عن التصوّر المعتاد لأفلام الهجرة، فرجل الخشب يودّ العودة إلى المكان الأول (الوطن). إنّه يمثّل أمنية لاجئين كثيرين.

هناك أيضاً «الامتحان» لشوكت أمين كوركي، إضافةً إلى أفلامٍ روائية لم تكن مشمولة بمنح وزارة الثقافة: «كلشي ماكو» لميسون الباجه جي، الذي استغرق العمل فيه نحو 10 أعوام، منذ الكتابة حتّى المشاركة في أول مهرجان سينمائي، «مهرجان ساراييفو السينمائي»، بداية أغسطس/آب الماضي، والذي شاركت الباجه جي في كتابته مع الأديبة العراقية إرادة الجبوري: تجري أحداثه في منطقة مختلطة في بغداد، شتاء 2006، يكافح سكّانها للحفاظ على أمل هشّ وحسّ مجتمعي، في زمن العنف الطائفي الشديد. تتقاطع قصصهم، بينما يحاولون حماية أحبّائهم، واتّخاذ قرار الرحيل أو البقاء، ومعالجة الضرر الداخلي والخارجي بالموسيقى والفكاهة.

كذلك، «فيلم كال وكيمبرج»، للعراقي المقيم في بريطانيا جعفر عبد الحميد، الذي تدور أحداثه وسط الجالية العربية في لندن. يتناول صعوبة تأقلم أبناء وبنات مهاجرين عرب، مع توقّعات وآمال الآباء والأمهات لهم على صعيد الدراسة والمهن المفضّلة، وطبعاً الزواج. حاول عبد الحميد، عبره، ولوج تلك المنطقة الحميمية، التي تخلق ضغطاً على البريطاني المولود من أبوين مهاجرين من العالم العربي.

من الأفلام الروائية المهمة عام 2021، «جنائن معلّقة» لأحمد ياسين، الفائز بجائزة لجنة تحكيم ورشة «فاينال كات»، في الدورة الـ78 (1 ـ 11 سبتمبر/أيلول 2021) لـ»مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي»، كأفضل فيلم في مرحلة ما بعد الإنتاج، إضافةً إلى 4 جوائز أخرى. يروي الفيلم قصة المُراهق أسعد (12 عاماً)، الذي يعثر على دمية جنسية أميركية في مكبٍّ للنفايات في بغداد. بينما يعبر منطقة محرّمة، يجد نفسه وسط معركةٍ بين مُدافعين عن حقوق الإنسان، وقوى استغلالية للتسليع الرأسمالي، وقوى أصولية دينية، في حيّ فقير يقطنه في المدينة نفسها.

كما أنجز ملاك عبد علي «آخر حلم»: قصة حبّ بين شابة ورجل كبير في السنّ، تشكيلي يرسم ـ بطريقة الفنان العراقي المعروف محمد مسير ـ نساء يركبن درّاجات هوائية، ويطرن في السماء؛ وعدي مانع صوّر «وراء الباب» في تركيا. وهناك «هاملت البغدادي» لطه الهاشمي.

يُذكر أنّ العراق شهد، عام 2021، عرضاً جماهيرياً لأول فيلم تحريك طويل، أنجزه أنس الموسوي بعنوان «كلكامش العظيم». الموسوي مخرج له أفلام عدّة، شاركت في مهرجانات سينمائية عراقية وغير عراقية، وفاز بجوائز مختلفة. كما له 11 مشروعاً، منها «قصة حياة» و»آريس» و»عيون» و»الروليت الروسية» و»ماذا أنا»، و5 أفلام: «الفراشات تموت محلّقة» و»رقصة الثلج» وIAD و»حُرّ» و»هناك أجمل».

إضافةً إلى هذا كلّه، أُنتِجَ عددٌ من الأفلام القصيرة لمحمد غضبان ولؤي فاضل ويحيى العلاّق ومحمد عبد المنعم، وغيرهم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top