سيركو.. قصة شركة جاثمة على صدر العراق منذ 10 سنوات

سيركو.. قصة شركة جاثمة على صدر العراق منذ 10 سنوات

 كيف تضغط سيركو على الدولة العراقية؟

 بغداد/ المدى

الجزء الثاني

استعرضت (المدى) في الجزء الأول من قصة شركة سيركو البريطانية التي مازالت منذ اكثر من 10 أعوام تستحوذ على جزء كبير من إيرادات شركة الملاحة الجوية على شكل عقود يتم تجديدها سنويا بحجة «تدريب مراقبين جويين» وإدارة الملاحة الجوية، بالرغم من التأكيدات المستمرة من قبل جميع الجهات المعنية على عدم فائدة الشركة وعدم تقديمها أية خدمة وليست هناك حاجة لخدماتها، وأن العراقيين من موظفي شركة الملاحة الجوية هم من يقومون بجميع الأعمال المتعلقة بمهام الملاحة الجوية.

عقد قصير الأمد يحضّر للكارثة

حين انتهى عقد الشركة الأخير في 31 كانون الأول 2020، أصرت الوحدات التابعة لشركة الملاحة الجوية وموظفوها على عدم الحاجة لتجديد التعاقد مع الشركة وتكليف الدولة أموالا طائلة بلا أية خدمة تذكر، استمرت المشاكل القانونية وتهديدات شركة سيركو حتى صوت مجلس الوزراء في 16 آب 2021 على تجديد العقد مع سيركو، وتم بالفعل وفي 14 تشرين الاول (اكتوبر) 2021، توقيع العقد من قبل مدير شركة الملاحة الجوية مؤيد حسن ياسين مع شركة سيركو وذلك بعد تغيير 5 مدراء عامين لشركة الملاحة الجوية لغرض انجاز العقد مع سيركو، حيث يشغل مؤيد حسن منصب مدير عام دائرة العقود والتراخيص في وزارة النقل وتم تكليفه بإدارة شركة الملاحة الجوية، وهو الأمر الذي تفسره مصادر بأن تكليفه جاء لهدف واحد هو لإتمام صفقة توقيع العقد مع سيركو.

ويقضي العقد بدفع 15.6 مليون دولار لشركة سيركو لمدة عام كامل وبأثر رجعي لعام 2021، ويتم التباحث خلال 3 اشهر مع الشركة لـ»تنظيم اطار العمل مع شركة سيركو بما يحفظ المال العام وتسيير حركة الملاحة الجوية»، حسبما تظهر وثيقة صادرة من مجلس الوزراء، والتي تظهر أيضا التباحث مع سيركو خلال هذه الأشهر الثلاثة على اتفاقية اطارية لمدة 15 عاما، الأمر الذي أثار حفيظة موظفي شركة الملاحة الجوية، حتى أدت إلى إقالة أحد المراقبين الجويين خلال العام 2021 بسبب رفضه وحديثه المستمر الرافض لهذا الاتفاق.

يقول المراقب الجوي الذي تحدث لـ(المدى)، إن الـ15.6 مليون دولار التي تم اعطاؤها الى شركة سيركو، تكفي لتعيين 200 مراقب جوي عراقي بمعدل راتب مليون دينار شهريا لكل مراقب، وتغطي رواتبهم لـ10 أعوام.

وبالعودة للاتفاقية الإطارية، ستقضي هذه الاتفاقية بأخذ سيركو 15.6 مليون دولار سنويا، فضلا عن 70% من إيرادات شركة الملاحة الجوية ولمدة 15 عاما، بل قد تصل إلى 100%، حيث أن شركة “سيركو” اذا ما تسنمت مهام إدارة الملاحة الجوية في العراق بالكامل فأنها ستفرض أموالا على الطائرات العراقية التابعة للخطوط الجوية فضلا عن طائرات الناقل الوطني شركة فلاي بغداد وغيرها، حالها كحال طائرات الدول الأخرى، في الوقت الذي لا تأخذ شركة الملاحة الجوية العراقية هذه الأموال من الطائرات العراقية وتقدم لها الخدمات مجانا، ما يعني أنها من المحتمل ستأخذ جميع الايرادات المتحققة لشركة الملاحة الجوية.

وعلى هذا الأساس، فأن شركة سيركو ستأخذ قرابة 50 مليون دولار سنويا، او نحو 740 مليون دولار خلال السنوات الـ15 القادمة في حال مر التعاقد على اتفاقية الشراكة الإطارية لمدة 15 عاما، بل قد تتضاعف هذه الأموال إلى ضعفين وسط توقعات بأن يزداد عدد الطائرات المارة في الأجواء العراقية من 300 طائرة إلى اكثر من ألف طائرة يوميا خلال السنوات القادمة مع تزايد نشاط الحركة التجارية العالمية، حيث أن هذه الألف طائرة فيما اذا بقي سعر مرور الطائرة 450 دولارا للطائرة الواحدة، هذا يعني أن العراق سيدخل له يوميا 450 ألف دولار او نحو 165 مليون دولار سنويا، جميعها ستذهب لشركة “سيركو” ولن يتحصل العراق سوى على “فتات”.

يقول المراقب الجوي الذي تحدث لـ(المدى)، إن أصدق وصف يتطابق مع ملف سيركو هو “الاستعمار” وليس الاستثمار”، استعمار عبر اتفاقيات طويلة الأمد، وهذا ما يتم العمل عليه حاليا وبسرعة، عبر تنظيم الاتفاقية الاطارية لمدة 15 عاما، وهناك استعجال في القضية قبل أن يتم تشكيل مجلس النواب الجديد وقدوم حكومة جديدة قد تمنع الاتفاقية الاطارية مع سيركو.

كيف تضغط سيركو على الحكومة؟

مع المخالفات القانونية والفنية التي تعترف بها الجهات الرسمية، والوقائع التي تثبت عدم الحاجة لشركة «سيركو» والأموال الاستنزافية التي تذهب وستذهب لها دون مقابل، يطرح تساؤل عن سبب استمرار التعاقد مع هذه الشركة، وما هو سر قوتها وفرض نفسها على العراق، وهل أن الموضوع يندرج ضمن تخادم بين الشركة وجهات سياسية نافذة تفرض على الحكومات التعاقد مع سيركو مقابل اموال ورشى تستحصلها من الشركة، أم أن القرار سياسي على مستوى الحكومة البريطانية بالكامل؟.

يجيب المراقب الجوي الذي تحدث لـ(المدى) بأنه وجميع زملائه لا يعلمون سر قوة «سيركو»، وبينما استبعد ان يكون القرار على مستوى الحكومة البريطانية وفرضها هذه الشركة على العراق، يؤكد أن المسألة تتعلق بفساد جهات سياسية عراقية، لا تنسق مع شركة سيركو فقط، بل هناك الكثير من الشركات العاملة في مجالات مختلفة بقطاع الطيران العراقي، مقربة من ذات الجهات.

إلا أن وزير النقل الحالي ناصر الشبلي وفي تصريحات متلفزة على قناة عراق 24 وتابعتها (المدى)، والذي أكد «عدم قانونية تواجد سيركو»، أشار إلى ان الحكومة «اضطرت» على تجديد التعاقد مع الشركة خلال طرح المشكلة في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 16 آب الماضي حيث اقترح رئيس مجلس الوزراء الذهاب إلى تجديد العقد لعام واحد ومن ثم انهاء العلاقات بالكامل مع «سيركو»، لأنها (شركة سيركو) هددت باللجوء للتحكيم الدولي، وفرض شرط جزائي على العراق بمئات الملايين من الدولارات، بسبب عقد سابق في 2018، وأن العراق غالبا ما يخسر التحكيم الدولي ولا نريد الذهاب إلى المحاكم الدولية بهذه القضية.

إلا أن الشبلي يؤكد أن هذا العقد ومايحتويه كشرط جزائي “غير موجود أو مذكور” في الاتفاقية الاطارية، بل هو مبلغ وضعوه ضمن تقديراتهم لمايقولوه انهم أنفقوه في العراق، ومع ذلك فأن شركة سيركو رفضت تجديد العقد لمرة واحدة، فذهب قرار مجلس الوزراء لتجديد العقد سنة واحدة والتفاوض خلال 3 أشهر لحسم شكل التعاقد، الذي ترفضه شركة الملاحة الجوية العراقية، ومازالت المسألة لم تحسم.

المراقب الجوي الذي تحدث لـ(المدى)، قال إن هذه الاتفاقية التي تهدد سيركو بها العراق، عبارة عن 6 أوراق موقعة بين “سيركو” وبين المدير العام لشركة الملاحة الجوية ومعاونه، ولمدة 15 عاما، وتم اعدادها في 2018 ولم تخرج الى العلن حتى عام 2020، إلا أنها غير معترف بها، لأنها تمت بسرية ولم تدخل صادر أو وارد ولا تعرف بها شركة الملاحة الجوية كمؤسسة على الاطلاق، وهذا العقد “غير القانوني” يبتزون به العراق، في حال عدم تجديد العقد فأنه سيتم مقاضاة العراق في المحاكم الدولية.

ويبين أن هذه الاوراق عرضناها على مستشارين قانونيين، وقالوا انها غير مجزية ولايترتب على العراق شيء ولن نخسر 250 مليون دولار التي تطالب بها سيركو كشرط جزائي، في حال ذهبنا الى التحكيم الدولي، معتبرا أن “ماتدعيه شركة سيركو بأنها انفقته في العراق لايرتقي إلى ماحصلت عليه طوال السنوات الماضية من مبالغ تصل إلى 250 مليون دولار، والتي أنفقها العراق لصالح الشركة، بل أن العراق أعطى أرضا مجانية للشركة استفادت منها بضمها إلى فندق البرهان داخل المطار”.

ويمثل الشرط الجزائي الذي تطالب به سيركو في حال تم فسخ العقد معها، والبالغ 250 مليون دولار، مايعادل ما حصلت عليه من العراق طوال السنوات العشر الماضية، أو ايرادات 5 سنوات قادمة التي قد تحصل عليها في حال تم التعاقد معها عقد شراكة طويل الأمد.

ويستذكر المراقب الجوي الذي تحدث لـ(المدى) حادثة تعزز الأدلة على أن بقاء سيركو يتجاوز فكرة التخوف من التحكيم الدولي والشرط الجزائي، بل هو ضغط من جهات سياسية، حيث يسرد أنه “في يوم من الايام قدم إلى موظفي شركة الملاحة العراقية نائب في البرلمان العراقي يحمل الجنسية البريطانية، وقام بتهديدنا بشكل صريح قائلًا: “لاتوجد دولة عراقية أو قانون، لذلك خافوا على ارواحكم واطفالكم وافقوا على توقيع العقد مع سيركو”.

ومازالت كوادر شركة الملاحة الجوية العراقية تتأمل أن يطّلع الرأي العام على القضية التي انحصرت بين احتمالين الأول ادعاء الحكومة العراقية بأنها “تخشى من الشرط الجزائي لذلك هي مضطرة لتوقيع العقد مع سيركو”، والذي من المحتمل ان يمر لفرض عقد إطاري لمدة 15 عاما كما استطاعت سيركو فرض العقود السابقة على الحكومات المتعاقبة، أما الاحتمال الاخر والذي تؤكده كوادر الملاحة العراقية بأن “العقد الذي تهدد سيركو به الحكومة غير مجزٍ ولايمكنها فعل شيء في المحاكم الدولية على أساسه، وإنما القضية تتعلق بجهات سياسية متنفذة تفرض على الدولة العراقية بالكامل توقيع العقد مع هذه الشركة”، ومازالت الأنفاس محبوسة وتأمل أن لايمضي انتصار شركة “سيركو” وحصولها على العقد طويل الأمد لمدة 15 عاما، لتحل المصيبة الاستنزافية لأموال العراق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top