الفكرة العامة ووحدة الشعوب..

آراء وأفكار 2022/04/18 11:53:59 م

الفكرة العامة ووحدة الشعوب..

 سلام حربه

لقد سعى الانبياء والفلاسفة والمفكرون الى التبشير بالافكار العامة التي يجب أن يعتنقها البشر والتي تعمل على توحيد افكارهم وتنسيق خطاهم وتُمسك اليد باليد من اجل بناء المجتمع واقامة افضل العلاقات بين افراده وتنظّم العلاقات المتكافئة مع الاقوام الاخرى وبلدان الجوار بما يحفظ كرامتهم وسيادتهم جميعا.

الدين أول فكرة عامة تبناها البشر وتوحدت على أساسه الكثير من المجتمعات وعمل على تجميع الأقوام والقبائل المتفرقة وجعل منها كيانا واحدا تحول فيما بعد الى ما تسمى اليوم دولة، كما حصل مع الديانة اليهودية، حيث عملت عبادة الاله الواحد، الاله يهوا، من قبل مجاميع بشرية، غير متجانسة، منتشرة هنا وهناك على انشاء ( بني اسرائيل ) التي اصبحت في الزمن الحديث الدولة اليهودية وهي تحمل الصفتين القومية والدينية.

وكذا الحال بالنسبة للديانة المسيحية التي اصبحت ومنذ اكثر من الفي عام هوية للبلدان الاوربية، الشرقية والغربية، وهي غالبا ما توصف بأوربا المسيحية وحتى الاتحاد الاوربي الذي تشكل في القرن العشرين فان ما شكله هي الديانة المسيحية والقوميات العرقية التي أوجدوا لها رابطا تاريخيا وجغرافيا فيما بينها والنظام الرأسمالي الذي يمثل البنية الاقتصادية والسياسية لهذه البلدان. لقد حصل تصدع في البلدان الاوربية حين تشظت المسيحية الى كاثوليكية وبروتستانتية وارثدوكسية وغيرها من المذاهب مما تسببت في حصول انقسامات وصراعات وحروب فيما بينها، لكن مع بروز النظام الراسمالي والتطور الصناعي الذي حصل في هذه البلدان، ومنذ قرون، ادى الى انحسار دور الكنيسة وتقلص دور المسيحية في عقل المواطن الغربي لانشغاله بالتطور العلمي والثورة التكنولوجية التي اجتاحت مجتمعات الغرب منذ اكثر من قرن من الزمان، هذا التراجع للديانة المسيحية لا يعني زوالها من حياة المجتمعات والغائها بل بقيت، مع النعرة القومية، هوية فارقة لها ، حتى أن الاتحاد الاوربي لا يقبل الانتماء اليه من البلدان الاخرى إن لم تكن مسيحية وهذا ما حصل مع تركيا التي حاولت منذ قرون ان تنتمي الى الاتحاد الاوربي لكنها فشلت كون هويتها اسلامية. اما مع الاسلام فلا احد ينكر الدور الذي لعبة في توحيد الشعوب والاقوام والقبائل المتناحرة خاصة في العقود الاولى من الدعوة واستطاع أن يبني حضارة اسلامية عظيمة امتدت شرقا وغربا وفي كل ارجاء المعمورة، الا ان ظهور المذاهب الاسلامية، التي لم تأخذ من الاسلام سوى اسمه، تسببت في خراب المجتمعات وقد اصبحت في النهاية اديانا قائمة بذاتها زرعت الكراهية والاحقاد والتكفير والقتل في بلدانها وصدرت ارهابها الى الخارج واندثرت الهوية الوطنية للبلدان واختزلت الى هويات فرعية بائسة كل واحدة منها تعلن انها الممثل الحقيقي للاسلام وتلغي، بالقوة، الهويات الاخرى. لقد كان لتفكك الاتحاد السوفياتي وانشطاره الى مجموعة دول وانهيار بلدان المعسكر الاشتراكي وتراجع الفكر الاشتراكي وانزوائه امام الفكر الرأسمالي تأثيرا كبيرا على الوعي الفكري والمعرفي والثقافي لمئات الملايين من البشر فبعد أن كان هذا الفكر يغذي عقول الناس ويزرع اليقين والطمانينة والسلام والاحلام في عقول الناس ازاحته يد العقل الرأسمالي عن الطريق لينفرد بالعالم ويزرع الفتن والحروب ويشيع الفكر السلفي المتحجر خاصة في بلدان العالم الاسلامي وتسللت الى العقول الاوهام والخرافات التي تتبناها عقائد الاحزاب الدينية، بدعم من المؤسسات السياسية الغربية، مع اشاعة الامية والتعصب القومي وتحريم التعليم ومحاربة الصناعة ومنع تشييد بناها في المجتمع وتخريب القطاع الزراعي، مجتمعات استهلاكية تحارب العلم والمنطق العلمي وقطعت دابر أي تطور أو أي بحث عن حياة حديثة جديدة في هذه المجتمعات مما جعل الكثير من ابنائها قطيعا، بلا عقل، يسهل السيطرة عليه وتوجيهه الجهة او الغرض الذي يُراد له..إن أزمة الانسانية في الوقت الحاضر هي أزمة فكر عام تعاني منه معظم المجتمعات وخاصة بلدان العالم الثالث وحتى في البلدان الاوربية المتحضرة ، فالاديان اثبتت فشلها في مواكبة روح العصر وبقيت تدور في فلك جمودها، بل انها اصبحت حجر عثرة في طريق البلدان التائقة للتمدن والحرية. الفكر الراسمالي فكر مادي لا هم لديه سوى هيمنة سلطة المال ومضاعفة الارباح، فائض القيمة، لكن لا ينكر أن البلدان الرأسمالية متطورة وحضارية وتقدم افضل الخدمات لمواطنيها لكن جوهرها الفلسفي الحقيقي يجعل من المواطن، في النهاية، كيانا مُستهلَكا في ماكنتها الانتاجية العملاقة بروح مستلبَة ويلفه اغتراب دائم نتيجة استنزاف الطاقات الجسدية والفكرية وهيمنة الرأسمال على كل مفاصل الحياة ليصبح كل شيء الانسان العلم المعرفة الثقافة سلع تباع وتشترى، قد يضطر هذا الرأسمال من أجل نموه وتغوله وبنيته الاحتكارية أن يسد الطريق على الاخرين بشركاتهم ومؤسساتهم المنافسة وهذا ما يلمس اليوم من تنافس لا اخلاقي بين البلدان الرأسمالية من اجل استنزاف موارد الشعوب الضعيفة المقهورة كما حصل في العراق وافغانستان والكثير من الدول في القارات كافة وما يحصل من صراع وحرب فيما بينها كما في ازمة اوكرانيا. لقد أُسقط القناع عن وجه الرأسمالية البشع وخوائها الانساني وادعاءاتها الديمقراطية الكاذبة وانحطاط قيمها الزائفة.يقال أن العلم والثورة التكنولوجية كفيلان على تسليح المواطن بالفكر والاخلاق ، لكن من يراقب حركة التاريخ يجد ان العلم وحده غير كاف لبناء المجتمعات ان كان اداة مسخّرة بيد الرأسمال وشركاته الاستعمارية دون أن يكون في خدمة الانسان وسعادته والا ما هذه الغرائزية والبربرية والارهاب والجنوح نحو العنف والجريمة والانتقام والابادة لدى البشر في احداث يأنف منها الانسان البدائي قبل التاريخ. ما تحتاجه المجتمعات فكر انساني قائم على العدالة الاجتماعية ، فكر يدعو الى المساواة بين البشر ويحرم الاستغلال، فكر متطور مع الزمن ، عقيدة للحياة متحركة وليست عقيدة دينية جامدة ، يجيب علميا عن اسئلة الوجود ويبعث الرضا والطمأنينة في النفس ، فكر يجمع انسانية وعدالة الفكر الاشتراكي وقوانينه الجدلية ومنهجه العلمي في نظرته الى الواقع مع الاخذ بنظر الاعتبار المعطيات الباهرة لبعض القوانين والخدمات الاجتماعية في الرأسمالية التي ازدهرت من تطبيقاتها البلدان الغربية الراسمالية ودون اغفال البعض من النصوص الدينية التي تعظم روح الانسانية وترتقي باخلاق الفرد والمجتمعات. إن بقيت البشرية على هذا الحال وكل فرد ( يفكر ) بسذاجة وعلى هواه، كائن بلا عقل، فنتازي تتقاذفه الاهواء والامزجة والغرائز ولا يربطه أي رابط بالاخرين والمجتمع فأقرأ على الدنيا السلام، اليوم سيكون افضل من الغد ولا معنى أو جدوى من حياة تافهة عقيمة..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top