الكتابة بالنار  ينقضُ الواقع: تصويرٌ وثائقيٌّ مُتقن

الكتابة بالنار ينقضُ الواقع: تصويرٌ وثائقيٌّ مُتقن

قيس قاسم

لأوّل مرة في ولاية أُوتَر بُرَديش، شمال الهند، تُصدِر نساء عديدات صحيفة محلية، منذ عام 2012. هذه المعلومة ـ المُحفّزة على الرصد والمتابعة ـ يهتمّ بها سينمائيان هنديان هما رينتو توماس وسوشميت غوش. يتأكّدان أولاً من توفّرها على عناصر فيلمية، يُمكن الاشتغال عليها.

بوجودهما في المكان، يكتشفان كنزاً من العناصر الدرامية والبحثية، تُبرّر الشروع في كتابة نصّ سينمائي وثائقي، يكاد متنه يكون مبحثاً تاريخياً واجتماعياً، يتجاوز التقصّي عن غرابة حالة مهنية إلى مقاربة عالمٍ مليءٍ بالتناقضات والصراعات. كلّما مضيا في رحلتهما مع العاملات في الصحيفة، اكتشفا أنّهما يغوصان في دهاليز مظلمة، وهنّ يردن بعناد إنارتها بضوء كتابة، يشبّهها الوثائقي بـ»الكتابة بالنار».

وجد صانعا «الكتابة بالنار» (2021)، المشتغلان معاً في الوثائقي القصير «ديلي» (2011)، في صحيفة «خابَر لاهاريا» (ترجمة تقريبية: «موجات الأخبار») ما لا يُمكن أن يجداه في أيّ صحيفة أخرى في العالم. نساءٌ فقط يعملن فيها، وانتماؤهن الاجتماعي واحد: الـ»داليت»، فئة منبوذة ومُبعدة من تراتبية نظام الـ»كاست»، المُقَسِّم للطبقات، والمعمول به منذ آلاف السنين. قبل عقد من الزمن، قرر بعضهنّ إصدار صحيفة ترصد وتستقصي الانتهاكات التي تتعرّض لها المجموعة، خاصة نساءها. حين وصل السينمائيان إليها، كانت ميرا ديفي تتوّلى مسؤولية قسم الأخبار. لم يتصوّرا أنّ ملازمتهما الطويلة لها ستوصلهما إلى عالمٍ ينتمي إلى قرون ماضية، يصعب لمن يرى ويُوثّق تفاصيله القبول بعدها بوصف الهند بلداً عصرياً وديمقراطياً. كلّ عناصر تبديد فكرة المُعاصَرة حاضرة، ولا صعوبة في كشفها إلّا الخوف من الاقتراب منها. ذلك ما تتجرّأ عليه صحافيات، تعلّم أكثرهن المهنة وامتهنها بالتجربة.

في التفاصيل المهنية ما يدعو إلى العجب والضحك أحياناً. يزداد جوّ العمل مرحاً، تزامناً مع وصول المخرجين إلى الصحيفة عشية اتخاذ إدارتها قراراً بالعمل بالصورة (فيديو) إلى جانب الكتابة، تجاوباً مع متغيّرات عصر الديجيتال والنشر على صفحات الإنترنت. كاستراحةٍ، وتخلّصاً من أثقال توثيق واقع بائس يسوده الظلم والفساد، يُبقي صانعا «الكتابة بالنار» على لقطات تُشيع غرابة على عمل، يفترض بالمشتغل في حقوله أنْ يمتلك حدّاً أدنى من معارف ومهارات تقنية تسهِّل وظيفته. الحاصل في «موجات الأخبار» غير هذا تماماً. بعضهن لا يعرفن كيفية استخدام الهاتف المحمول، وأُخريات يتعرّفن ـ لأول مرة في حياتهن ـ على هذا الجهاز العجيب.

إحداهن، في مشهد ظريف، تعتذر عن إجراء مقابلة، لأن الكهرباء لا تصل إلى بيتها، وبالتالي لا يُمكنها شحن الهاتف. المرح لا يغيب عن الأجواء التي يعملن فيها، وبه يُبدّدن قساوة ومظالم لا يهملها الوثائقي، الذي يمضي معهنّ، بصبر لافت للانتباه، للكشف عنها، من دون التخلّي عن مستلزمات حرفته السينمائية. تصويره تحديداً (المُصوّر كاران تابليال، ومعه المخرج سوشميت غوش) مُتقن ومُجارٍ ومتناغمٍ مع تنوّع الأمكنة وأزمنة تصويرها، وهنّ (الشخصيات الرئيسية) لا يتنازلن عن مواصلة عملهن، وتعلّم امتلاك أدواته بالخبرة الميدانية، وبرغبة جامحة في كشف واقعٍ مؤذٍ، لا يقبلن بقاءه طويلاً.

للتحقيقات المُصوّرة التي يُجرينها صلة بواقعهن. بها يكشفن فساداً سياسياً مُتجذّراً، وتواطؤاً بين رجال الشرطة وأصحاب المصالح. يفضحن حجم الاغتصاب المُمارَس على النساء الهنديات الفقيرات في القرى البعيدة. يقدّمن صورة حقيقية عن جشع مافيات المناجم، المسكوت عن خرقها قوانين تمنع نصوصها العمل بمواقع تربتها مهدّدة بانهيارات محتملة تُعرّض ـ عند حدوثها ـ العمال فيها لموتٍ أكيد. يفضحن أكاذيب السياسيين، ويُنبّهن على خطر صعود اليمين المتشدّد، المُكرِّس لهيمنة هندوسية، وفوارق مذهبية وعرقية.

كلّ تحقيق يُناقَش ويُحدَّد أسلوب تناوله صحافياً. وكلّ تهديد يصل إليهن يوثّقنه صوتاً وصورة. لمصداقيتها، غدت الصحيفة مع الوقت صوتاً لمن لا صوت له. الناس يثقون بها. يحرص الفيلم على تثبيت التصاعد المضطرد لأرقام المشاهدة والمتابعة على الإنترنت. بها تجاوزت صفتها الضيقة كصحيفة نسوية تُدافع عن الـ»داليت»، إلى صحيفة «فيديو» تُعنى بمشاكل المنطقة، وببعض قضايا النظام الاجتماعي والطبقي في الهند. إحاطتها كمّاً كبيراً من الموضوعات، بإمكانيات شبه معدومة، جعلتها مثالاً يحتذى به في العمل الصحافي المستقلّ، المتخلّص من هيمنة المؤسّسات الإعلامية الهندية الضخمة. المفارقة أنّ العاملات في الصحيفة لا يشعرن بحجم الدور الذي يلعبنه. مُتحصّنات ببساطةٍ وتواضعٍ، يضمنان بقاءهنّ على ما هُنّ عليه. لا غرور ولا بحث عن شهرة. المُلازَمة الطويلة تفضح فرحاً بالقليل من الحرية الشخصية التي حصلن عليها من عملهنّ. يدخل الوثائقي إلى منازل بعضهنّ، ليجد رفضاً ذكورياً فيها، بسبب وجودهنّ خارج المنازل. الزيارات تشي بهيمنة ذكورية، حتّى في الأوساط الهندية المنبوذة. على النقيض، تجد الصَحافية نفسها في العمل، وفي مغامراته ومخاطره تجد معنى أكبر لحياتها البسيطة.

ربما هذا هو المعنى الأكبر الذي يلتقطه الوثائقي، ويخرج به من رحلته معهنّ. إلى جانب حصيلة أخرى غير مرئية، يُحسّ بها المُشاهد وهو يتابع مسار توثيقٍ بارع لتجربة نادرة، يذهب معها كأنّه جزءٌ منها، وقريبٌ من شخوصها، فيندمج معهنّ، ويتمنّى البقاء إلى جوارهنّ، لمعرفة ماذا سيحلّ بهنّ، وبصحيفةٍ كلّ ما يحيط بها يقول إنّ استمرارها مستحيل، بل إنّ صمودها لا يخلو من غرابة، تُشبه غرابة أنْ تكون الهند عصرية وديمقراطية، بكل ما فيها من خلل بنيويّ، يُكرّس هرمية رجعية، وتسلّطاً قهرياً يعاكس سُمعتها بالمطلق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top