الحاكم..من منظور الأمام علي

د.قاسم حسين صالح 2022/04/24 11:39:41 م

الحاكم..من منظور الأمام علي

 .د.قاسم حسين صالح

ما يثير الدهشة ان الامام علي سبق الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع في تحديد مواصفات الحاكم،بل أنني اعتبره هو أول وأفضل من حدد قيم الحاكم وسلامته النفسية والعقلية والجسدية في تاريخ الأسلام. وحكمنا هذا قائم على دراسة تحليلية لنص عهد الامام علي لمالك الاشتر في كتاب نهج البلاغة..كان الهدف منها مقارنة مواصافات الحاكم بين ما تضمنه عهد الخليفة علي الموجه لمالك بن الاشتر النخعي وما هي عليه الان في العراق.

تضمنت هذه الدراسة، التي شاركني في انجازها الراحل الدكتور شوقي بهنام،مبحثين،الأول نظري يستهدف تبيان المفهوم السيكولوجي العلمي للقيم ودورها الرئيس في صناعة الانسان وتحديد سلوكه ونوعية الاهداف التي يسعى الى تحقيقها،وكيف ان اختلاف الناس في تصرفاتهم واخلاقهم يعود الى اختلافهم في القيم التي يحملونها،وتوضيح اهميتها بوصفها نظام متكامل من الاحكام والقواعد الاخلاقية والمعايير يخلقه النظام السياسي والمجتمع في نسق مميز ويعمل على اعطائه اساسا عقليا يستقر في اذهان افراده،ويزودهم بمعنى الحياة والهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء،وعلاقة نوعية القيم التي يحملها الحاكم بحالته النفسية،وما اذا كان حكّام الاسلام السياسي الحالي اشخاصا يتمتعون بالصحة النفسية ام ان بينهم من هو مصاب بالدوغماتية والحول العقلي مثلا..فيما تضمن مبحثها الثاني تحليلا احصائيا علميا لأنواع القيم في (العهد) وضدها النوعي لدى حكّام العراق بعد التغيير، وتنتهي بتبيان دور رجال الدين والقوى المدنية في احياء القيم النبيلة التي جسدها الأمام في ادارة شؤون الناس وحقوق الانسان التي تضمنتها الوثائق المعاصرة للأمم المتحده..وسبقها باكثر من الف سنة.

دلالات العهد

تضمن العهد الذي كتبه الإمام عليّ(ع) لمالك الأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر، مجموعة قيم هدف منها الى تحقيق ما توصل اليه علماء النفس المعاصرون في ثلاث قضايا اساسية:

الأولى:ان يتمثل الحاكم القيم الايجابية في شخصيته بوصفه القدوة التي تتماهى به الرعية وتقلده،

والثانية: توكيده ان القيم هي التي تحدد سلوك الحاكم مع الرعية،وهي التي تحدد موقف الرعية منه،

والثالثة:ان القيم هي الرابط او (الأسمنت) الذي يوحّد افراد المجتمع،وبدونها يتهرأ النسيج الاجتماعي وتشيع الكراهية والعنف والعدوان.

فضلا عن ان الأمام اراد لهذا العهد ان يكون وثيقة تستقى منها المباديء التي ينبغي على الحكّام ان يهتدوا بها في كل زمان ومكان.

تحليل العهد

يعدّ عهد الامام علي لمالك الأشتر واحدا من أهم الخطابات التي يمكن ان تعتمد او تكون نقطة انطلاق لرسم صورة ما تعارف عليه في الحضارة العربية حول مفهوم الحاكم العادل: صفاته (سماته)، خصائصه، قدراته وما الى ذلك من أمور تجعله مؤثرا ويقترب من مفهوم القائد البطل Heroالذي تشيع صورته في كتب اليوتوبيات القديمة او في كتابات علم الاجتماع المعاصر.

والخطاب،درس في القيادة..ولكن ليس بمفهوم القيادة او الزعامة او الرئاسة التي يكثر الكلام عنها في اكثر من مجال من مجالات العلوم الانسانية مثل علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع. وبمعنى ادق،ان الصورة التي رسمها الأمام علي لشخصية و دور القائد تقترب كثيرا من الصورة التي كان يحلم بترجمتها في زمن خلافته لولا الصعوبات والاعاقات المبكرة التي اعترضته وحالت دون تحقيق ما كان يصبو اليه وما تمنى ان يراه على ارض الواقع.

ان اختيار الأمام لمالك بن الاشتر النخعي لأن يكون واليا على مصر هو فشل الوالي السابق قيس بن سعد بن عبادة في ادارته لهذا البلد صاحب التاريخ العريق والحضارة التي ادهشت الدنيا بعجائبها،ومنها يمكن ان نتلمس فطنة الخليفة علي في اختيار ولاته. بمعنى ادق انه يدرك ويهضم القاعدة الذهبية في التصنيف والاختيار..نعني “ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب “. ومن هنا قوله فيه: “ أمّا بعد، فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله،لا ينام أيّام الخوف،ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع،أشدّ على الفجّار من حريق النّار..فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ..فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا،فإنّه لا يقدم ولا يحجم،ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري؛وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم،وشدّة شكيمته على عدوّكم «.

التحليل

من المدهش ان الأمام علي سبق علماء النفس المعاصرين في تحديد مواصفات الصحة النفسية والعقلية بمفهومها الحديث الذي يعني بمصطلحات الطب النفسي بأنها:

(لقدرة على تحمل المسؤولية،اقامة علاقات حميمة مع الناس،التفكير بوضوح وبشكل عقلاني ومنطقي،تقييم النفس بشكل متوازن،ادراك الواقع كما هو،المحافظة على الاستقرار الانفعالي والتوازن الوجداني).

والمدهش أكثر..انه اشترط توافرها ضمنا في شخصية الحاكم،وتلك دعوة كنّا اطلقناها في العام 2004 وموثقة في كتابنا (الشخصية العراقية بين المظهر والجوهر(.

ولقد اشترط الامام توافر الضمير لدى الحاكم.ومع تعدد معاني الضمير الذي يعني الرقيب على افعال الانسان،أو القاضي الذي يحكم بالعدل،أو صوت الله في الانسان،فانه في قيمة الانسان أمام الناس أشبه بفص عقيق في خاتم،اذا اخرجته منه صار لا يساوي شيئا،لأن صاحبه يصبح بلا قيم ولا أخلاق.

وانعدام الضمير على أنواع. ففي نهاية الثمانينيات التقيت فتاة تمارس البغاء،ولا تسيئوا الظن،فاللقاء كان علميا لأول دراسة في العراق حجم عينتها 78 بغيا وقوادة. كانت جميلة جدا،ورشيقة جدا. آلمتني فسألتها معاتبا: لماذا تسلكين هذا الطريق؟ فأجابت محتجة: ولماذا تحاسبوننا؟ انها مهنة حالها حال أي مهنة أخرى!..أي أنها ساوت بين مهنتها ومهنة الطبيب والصحافي وحتى القاضي!.ولما بحثت عن أسباب ذلك وجدت أن هذه الفتاة ولدت في بيت (الناس فيه طابه طالعه).هذا يعني أن الضمير أشبه بالأسنفجه..يمتص السائل الذي توضع فيه..ويعني أن الأسرة هي أول مصادر تشكيل الضمير،لكن نوعية النظام (الحكم) هي الأخطر.

ونوع آخر من انعدام الضمير،أنني التقيت رئيس عصابة في منتصف التسعينيات،ايضا في دراسة علمية..اشتهرت في حينها بسرقة السيارات السوبر وقتل أصحابها. كان شابا صاحب موبليات،يعني أنه لم يكن محتاجاً في زمن الحصار الذي تراجعت فيه مكانة الأستاذ الجامعي من رتبته الرابعة في سلّم المكانة الأقتصادية الى الرابعة والعشرين بعد مصلّح الراديو والتلفزيون!. كان هذا قتل ستة أشخاص وسلب منهم سياراتهم السوبر،فسألته عن شعوره بعد قيامه بعملية قتل،فأجابني ببرودة أعصاب: عادي!. وسألته:لو أنهم ألبسوك البدلة الحمراء وأخذوك الى الاعدام، فعلى ماذا ستندم؟ أجابني: أندم لأنني لم أقتل أكثر!.ولما بحثت عن أسباب ذلك وجدت أنه تربّى في بيت،الأب فيه طاغية..تعامل معه بقسوة وتحقير..فضلا عن أنه (الأب) كان مدمنا على الكحول.

وكنت التقيت في التسعينيات بسجن (أبو غريب) مجموعة من مرتكبي سرقة السيارات،ولمّا سألتهم:ماذا ستعملون لو صدر عفو وأطلق سراحكم؟..فأجاب أربعة منهم:سنسرق أول سيارة نراها في الشارع. وهذا يعني أن الدولة أو الحكومة تكون هي المسؤول الأول في افساد الضمير حين لا توفر مصدر رزق شريف لرعيتها.

ومع بشاعة هذه الأنواع من الضمائر الميتة،فأن أقبحها هو خيانة الأمانة حين تكون هذه الأمانة تخص الناس. فعضو البرلمان مثلا،او المحافظ،أو المدير العام، مؤتمن على أموال الناس ومصالحهم،وينبغي أن يكون ضميره خالصا لمن أئتمنوه. لكنك ترى صحفنا اليومية فيها كاريكاتورات ساخرة بمرارة عن وزير هرب بأموال الناس المساكين بما يعادل ميزانية موريتانيا، وموظف كبير يستحرم أخذ الرشوة في الدائرة لأنه صائم، ويطلب من الراشي ان يأتيه بالدبس الى بيته بعد الافطار!..ورئيس وزراء يعلن ان لديه (ملفات فساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها) ويصمت. ولك في ما تقوله الناس والصحافة عن أمثال هؤلاء ما يجعلك على يقين أن غالبية المسؤولين في حكومات ما بعد 2003 هم أصحاب ضمائر ميتة.

والمؤسف ان المثقفين والصحفيين انشغلوا بالسياسة التي الهتهم عن قضايا اجتماعية واخلاقية خطيرة افدحها ما حصل (للضمير العراقي) في العقود الأربعة الأخيرة.فالدراسات الاجتماعية عبر التاريخ تشير الى ان ألدّ ثلاثة أعداء للضمير هي:الحروب والظلم والكراهية..وثلاثتها تجسدت في العراق بأبعد مدياتها..ووجهت ضربات موجعة الى الضمير الفردي والجمعي ايضا.فمعروف عن ان افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد وتضعف الضمير عند كثيرين وتهرؤه عند آخرين،وتدخله في غيبوبة عند اغلبية مطلقة..فكيف بالعراقيين الذين خبروا حروبا كارثية على مدى اربعين سنة..ويعيشون الآن في دولتين..دولة رسمية ضعيفة،وأخرى عميقة..تخيف وترعب وتخطف وتقتل!.

وما حصل ان العراق الذي شاع فيه الفساد،قدم قانونا اجتماعيا لعلماء النفس والاجتماع السياسي نصوغه بالآتي:

(اذا زاد عدد الافراد الذين يمارسون تصرّفا يعدّ خزيا،

وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه،وعجز الناس عن ايقافه

او وجدوا له تبريرا، تحول الى ظاهرة ولم يعد خزيا كما كان).

والمدهش ثالثة أن عهد الخليفة علي لمالك الأشتر يقدم مآثر في فلسفة الحكم وسيكولوجية الحاكم.ففي قوله (لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم..)،فانه يطرح مقياسا كاملا للعدالة فيه بعد سيكولوجي هو ان يضع الحاكم نفسه موضع المحكوم،فيكره له ما يكرهه لنفسه. والتقط حقيقة سيكولوجية بثلاث مفردات في قوله (اجتنب ماتنكر أمثاله)..اي عدم فعل مالا تحب ان يفعله الآخرون بك،ويذكّر الذين جاءوا الى السلطة من داخل الشعب انهم كانوا قبل ذلك يثيرون النقد ضد سيئات الحاكم السابق،فيدعوهم الى ان لا ينسوا مواقعهم النقدية السابقة فيصغوا الى النقد الآتي من القاعدة الشعبية..وتلك اثمن نصيحة لم يأخذ بها من جاء بهم (الشعب) الى السلطة بعد التغيير.فضلا عن نصيحة اخرى بقوله(ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك)،فيما حكّام اليوم اختاروا من يكون رهن طاعتهم واستبعدوا افضل الكفاءات وانضج الخبرات،وعملوا بالضد من نصيحة أخرى بقوله(وانصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك).ونصيحة اخرى بقوله (الأصغاء للعامة من الناس)فيما المتظاهرون يطالبون بالاصلاح ويصرخون من عشر سنوات وهم عنهم ساهون، ونصيحة اخطر بقوله(اياك والدماء وسفكها بغير حلها) فيما هم سفكوا دماء مئات الشباب وما يزالون يسفكون.

ومن مآثره الخالدة في احترام انسانية الأنسان التي تضمنها العهد وسبق بها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان الدولية قوله:(فالناس صنفان:اما اخ لك في الدين،او نظير لك في الخلق..)..ففي هذه الوصية التي جاءت بتلخيص محكم،جامع،مانع،دليل نظري وسياسي مرشد وملهم لكل حاكم في كل مكان وزمان.مع الانتباه الى ان فكرة (النظير في الخلق) تظاهي فكرة (الأخوة في الدين) ما يعني انها تضع اساسا لديمقراطية العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع وتحدد الاطار الحقيقي لحرية الاعتقاد الديني والمذهبي والفكري لجميع الأفراد،فيما حكام ما بعد التغيير كانوا السبب في تحريض جماهيرهم..فتقاتلوا مع انهم أخوة في الدين!

استنتاج ختامي

ان القيم التي شاعت في عهد حكم احزاب الأسلام السياسي في العراق،هي الضــد النــوعـي للقيم التي تضمنها عهد الأمام علي للأشتر النخعي!.ولا يمكن لهم ان يتخلوا عنها بعد ان تطبعوا عليها وذاقوا طعم الرفاهية وتشبعوا بحب سلطة تحميهم من غضب ملايين افقروهم وأذلوهم.والكارثة ان بين جماهير الشيعة من منحوا وسيمنحوا اصواتهم لحكّام يعرفون لو ان الأمام علي ظهر الآن لزجّهم في السجون.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top