مصير بغداد مرتبط بسياستها المتبعة تجاه الجوار

مصير بغداد مرتبط بسياستها المتبعة تجاه الجوار

في عملية المراجعة الجيوسياسية الجارية حاليا في الشرق الأوسط، يقع العراق وسط دائرة الضوء، فعلى الرغم من بعض مظاهر الاستقرار يبدو العراق مثل مرجل يغلي على نار تؤجج باستمرار ومن الممكن أن ينفجر يوما ما.

التطورات في المنطقة ومصير العراق ترتبط كلها إلى حد كبير بسياسته المتبعة تجاه دول الجوار. يجب ألاّ ننسى ان العدو الحقيقي للعراق يكمن داخل البلد نفسه؛ انه الانشقاق الاثني والديني للمجتمع العراقي. مع استمرار الوضع على حاله فسيبقى العراق ضعيفا يستغله الآخرون. ليست لبغداد فرصة أن تبقى مراقبا محايدا للأحداث أو الانخراط في تعامل مزدوج.

العراق ودول الخليج

التقارب السياسي للعراق مع دول الخليج هو واحد من الأولويات الإستراتيجية لضمان مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ودعم الأمن الإقليمي، حسبما جاء في تقرير لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ، لما يدعوه الكونغرس الأميركي "صرح أمن الخليج: الشراكة مع مجلس التعاون"، والمنشور في حزيران من العام الحالي. ينصح التقرير الولايات المتحدة بإتباع نهج إعادة دمج العراق تدريجيا بالحظيرة العربية من اجل انتشال بغداد من النفوذ الإيراني. دول الخليج تشعر طول الوقت بالقلق من الجارة إيران كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة، ويأملون دعما خارجيا في حالة اندلاع صراع أو حرب معها. بالإضافة إلى ذلك فهناك دائما بعض المسافة بين الطرفين بسبب الخلافات الطائفية.

في ليلة الثاني من آب 1990 عندما احتل العراق الكويت وأعلنها محافظة عراقية، تحولت قطيعة العراق إلى عداء. مرت عشرون عاما وتغير النظام العراقي إلا ان البرودة والترقب مازالا موجودين وكان ذلك واضحا في قمة بغداد التي عقدت في آذار من العام الحالي؛ حيث لم يحضر الكثير من رؤساء دول الخليج بضمنهم ملك السعودية – البلد البارز في مجلس التعاون. كان العذر الرسمي لعدم المشاركة هو الوضع الأمني في العراق برغم أن بغداد اتخذت حينها إجراءات غير مسبوقة. مع ذلك فان الولايات المتحدة تأمل ان تساعد زيارة أمير الكويت الى العراق للمرة الأولى بعد الحرب ومشاركته في القمة، على حل قضايا ترسيم الحدود وتعويضات الحرب والتصرف حيال قضية الكويتيين المفقودين. أي أن ذلك سيخلق فرصة للتقارب العام بين الأطراف والرئاسة العراقية في القمة العربية لأول مرة خلال عشرين عاما بهدف تحويل مسار العراق السياسي من إيران باتجاه دول مجلس التعاون. ان القطيعة هي الكلمة المناسبة لوصف العلاقات بين العراق ودول الخليج العربي.

العراق وإيران

برغم الحرب الدموية الطويلة التي تتذكرها أجيال البلدين ورغم الخلافات الموجودة، فان العلاقات بين البلدين تتطور وتتوثق أكثر مما مع دول الخليج. يقال إن احد الأسباب الرئيسية لذلك هي الهوية الدينية بين شيعة إيران والعراق. العديد من المسائل – التي من المحتمل ان تتحول الى مشاكل بين البلدين – لا يجري تضخيمها بل تتم تسويتها بهدوء بدون أي ضجيج. فرد فعل إيران على قيام العراق بتفتيش طائراتها المتجهة الى سوريا كان اكثر نعومة من رد فعل روسيا على نفس الإجراء من قبل تركيا. فقد أرغم العراق طائرة إيرانية على الهبوط بعد تلقيه تعليمات من حكومة الولايات المتحدة، قال ممثل وزارة الخارجية الإيرانية إن على العراق ان لا يستسلم لمشاعر الدول الغربية المستاءة والمعادية لإيران، ودعا العراق ان يكون حذرا ولا يغير سياسته الخارجية لصالح خطط الغرب. بعض الخبراء يعتقدون ان القيادة العراقية، التي جاءت للسلطة بمساعدة إيران، لا تتملق نفسها خاصة حول صداقتها مع ايران وانها تتمتع بتأييد الجمهورية الإسلامية في تعزيز سلطتها. بغداد الموالية بدورها يجب ان تكون إلى جانب إيران في مواجهتها الحالية مع الغرب. بمعنى آخر، إن البلدين يدعمان بعضهما في هذه المرحلة التاريخية بناء على أسباب عملية صرفة وليس الى عامل الدين الذي ليست له أهمية كبيرة.

هناك الكثير من القضايا بين البلدين مازالت بلا حلول؛ فهناك تعيين حدود المناطق المتنازع عليها ( اتفاقية الجزائر 1975 )، وحقول النفط المتنازع عليها على حدود البلدين ( منطقة الفكة النفطية )، ومطالبات ايران ببناء سدود على انهار تتدفق الى العراق مما يؤدي تدريجيا الى تصحر محافظات العراق الشرقية. كما ان هناك قضية تواجد منظمة مجاهدين خلق الايرانية المعادية في العراق والمتورطة بنشاطات تخريبية ضد الجمهورية الإسلامية. مؤخرا تم اغلاق معسكرهم الرئيسي (معسكر اشرف) ونقلهم الى معسكر ليبرتي في ضواحي بغداد استعدادا لاخراجهم من العراق الى بلد آخر الا ان ايران تصر على اعتقالهم ومحاكمتهم. مع كل ذلك، فالعلاقات الاقتصادية تتطور بين البلدين وتعتبر ايران الشريك التجاري الثاني للعراق بعد تركيا، حيث تقدر قيمة التعاملات التجارية بين البلدين بحوالي 12-15 مليار دولار. يمكن إيجاز العلاقة بين البلدين بأنها "تحالف غير معلن".

العراق وسوريا

يمكن وصف الوضع الحالي في سوريا بأنه مشحون ويشكل تهديدا مستمرا لإدارة بغداد. هذا في المقام الأول هو تأثير المعارضة السورية المؤلفة من السنّة على تغيير التوازن الطائفي للسلطة في العراق واحتمال جمع اكراد سوريا والعراق معا بشكل علني. أي من هذه العناصر يمكن ان يهز موقع الحكومة العراقية الحالية وهذا هو السبب في عدم وجود خيار لبغداد غير دعم نظام الأسد رغم إعلانها رسميا بعدم دعم أي من أطراف الصراع. لذلك، ففي مؤتمر القمة المذكور آنفا رفض العراق مطالب دول الخليج باستقالة الأسد وضرورة تسليح المعارضة السورية. لذا فان العراق يكثف سيطرته على الحدود مع سوريا للحد من تأثير العامل السني الخارجي بما في ذلك سنة العراق الذين هربوا الى سوريا منذ فترة طويلة، بهدف منع نشاطهم داخل العراق. من اجل هذا تقدم الحكومة العراقية الدعم المالي للحكومة السورية.

من الصعب تحديد العلاقة بين البلدين وسط سفك الدماء في سوريا والإعمال الإرهابية في العراق، لكن اليوم ربما يكون الأمر هو الحفاظ على الوضع الراهن.

عن : تريند

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top