موسيقى الاحد: عن  ترجمة  الأعمال الموسيقية

موسيقى الاحد: عن ترجمة الأعمال الموسيقية

ثائر صالح

يكثر الحديث عن دور قائد الفرقة الموسيقية، وهل هناك ضرورة لوقوفه أمامها وهو يحرك يديه أو عصاه؟ فهذا ما يبدو للناظر للوهلة الأولى،

لكن الصورة أعقد بكثير. نبدأ من لحظة الحفل، فهناك حاجة لضبط انسياب العمل والحفاظ على وحدة الفرقة وانسجامها تماماً مثلما يقود القائد العسكري جنوده وفق الخطط المرسومة وحسب الطريقة التي تم بها تدريب الجنود. وهنا يأتي العمل الجبار الذي يتم في الخفاء قبل أمسية الحفل ولا يراه أحد بل يسمعه فحسب.

يدرب كل قائد فرقته وفق ما يفهمه من العمل الموسيقي، وغالباً ما يقوم المايسترو بدراسة العمل الفني وكل ما يرتبط به لأسابيع طويلة وحتى لأشهر، بغية الإلمام بكل تفاصيله بضمنها ظروف تكونه، التعديلات التي أجراها المؤلف وظروف تقديمه وغير ذلك. تتبلور لدى قائد الفرقة فكرة شاملة عن العمل وعن طريقة تقديمه وفق هذا الفهم. ويتأثر ذلك بالحالة الذوقية العامة لتلك المرحلة أيضاً، فهذه تتغير باستمرار وتتطور وليست ساكنة، ولولا ذلك لما ظهرت عندنا مختلف المدارس الفنية.

لنأخذ مثال عمل هندل العظيم اوراتوريو المسيح. قدم العمل للمرة الأول في مثل هذه الأيام من العام 1742 في دبلن، وقدم مراراً منذ ذلك الحين، فهو من أكثر الأعمال شعبية في بريطانيا وأوروبا وكل العالم لاحقا، على الأقل فيما يتعلق بالكورس الشهير هللويا.

قدم سير توماس بيتشام تسجيلاً للعمل سنة 1959 وفق توسيعه من قبل يوجين غوسينس بإضافة توبا و4 هورنات 3 ترومبونات وبيكولو وكونتراباسون وأداتي هارب وصنوج ومثلث مما أعطى العمل طابعاً غريباً غير معتاد، لكنه نتاج لفهم بيتشهام للعمل، وتخيله رغبة هندل في الوصول إلى أشد أنواع التأثير فلجأ إلى ترسانة القرن العشرين، فما أضافه من أدوات هي بعض ما استعمله مالر للوصول إلى هذا التأثير في سيمفونياته. هذه النظرة تنطلق من سيادة أسلوب الرومانتيكية المتأخرة في تقديم كل الأعمال الموسيقية حتى القديمة منها، بتقنية الأوركسترا السيمفونية التي تبلورت في القرنين التاسع عشر والعشرين والكثير منها لم يكن موجوداً في زمن باخ وهندل مثلا، لهذا تبدو اليوم لا تاريخية بالنسبة للمستمع المعاصر.

في مقابل هذه النظرة بدأ قادة الأوركسترا بتشكيل فرق الأداء التاريخي واستعمال أدوات الفترة التي كتبت فيها الأعمال للوصول إلى الصوت الذي يفترضون أنه ما سمعه الجمهور وقت تقديم العمل. وإن توقفنا عند المثال السابق، نذكر إن تسجيل كريستوفر هوغوود 1980 لا يزال بين أفضل التسجيلات. استعمل هوغوود في هذا التسجيل أوركسترا وأدوات عصر الباروك. من أهم الاختلافات في الأدوات هي استعمال أوتار المصارين في الوتريات بدل الأوتار المعدنية براقة الصوت في الكمان المعاصر، واستعمال أقواس منحنية وبمسكة تختلف قليلاً مما يعني أن صوت الوتريات يختلف، كما يندر استعمال تقنية فيبراتو (هز الأصبع على الرقبة عند الضغط على الوتر).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top