النكبة المناخية ؟!

آراء وأفكار 2022/05/15 12:02:26 ص

النكبة المناخية ؟!

 د. إسماعيل نوري الربيعي

يكتب ريتشارد كونيف مقالا بعنوان ( عندما تنهار الحضارة) في موقع مدرسة جامعة ييل لدراسات الغابات و البيئة ، متسائلا حول الجفاف و الضمأ الذي أحاق بمنطقة الخابور لمئات السنين ، قبل وصول القوات الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى. مستشهدا بكتب الرحالة الذين زاروا المنطقة على مدار القرنين الثامن عشر و التاسع عشر.

و الإشارة الواضحة من قبل الرحالة حول فراغ هذه المنطقة من أية أنشطة زراعية. مستجمعا جملة من آراء المتخصصين حول أثر هذا الإهمال لهذه المنطقة و غيرها في انهيار الاقتصاد العثماني، و أثره المريع على مستقبل الإمبراطورية العثمانية التي راحت تعيش أحوال الانكفاء المرير. ريتشارد كونيف يحشد جملة من آراء المتخصصين الذين اتفقت آراؤهم على أن هذا الانهيار و الاختلال، إنما جاء نتيجية للتفريط و التقصير الصادر من قبل المسؤولين العثمايين المحليين في المنطقة ، نتيجة للفساد و الفشل و خرقهم للأنظمة و القوانين ، فكانت النتيجة فقدان الدولة لمركز إنتاج زراعي شديد الأهمية ، و خسارة موارد مالية ضريبية ، مع التشديد الفاضح إلى أنه لا توجد مشكلات مناخية ؟!

بين الأوام و الأوار، و المًحل و اليباس، يعيش عراقيو الراهن أحوال الظمأ و العطش و الغُلّة و اللُهاب. جفاف و مَحل و يباس، جدب و ضمور و قحط. و انحسار مريع للبحيرات و الأنهر و السواقي. كأنها اللعنة التي راحت تحل على هذه البلاد المبتلات بالإهمال و التراخي و التقصير و التهاون، و التقاعس و التكاسل، و التواكل و الفتور، و الاستهتار و الإغفال، و الترك و التوان، و السهو و الفتور، و النسيان و الغفلة. بلاد السواد و الخصب و الخير أضحت اليوم مرتعا للفوضى و الاختلال و الاضطراب و الزعزعة. عواصف التراب وجدت ضالتها في أحوال الهبوط و الهدم، و الهدّ و النزول و السقوط، و الدكّ و الخسف، و التقويض و الانخفاض، و الانحلال و السقوط. حتى راحت تكشر عن تهديدها لأرض الرافدين، او ما تبقى منهما، معلنة عن بداية مشروعها القائم على دفن أرض العراق بقضها و قضيضها، و شعبها و ناسها، و ما تبقى من سواقيها. نعم أيها السادة نحن في صلب اللامعقول. حيث بلدان الجوار التي راحت تمارس أدوارها في الاجتثاث و البتر، و الفصم و القطع و القص و الغلق للروافد و شريان الحياة لهذه البلاد المبتلاة بالنهب و السطو و الفساد. حتى راح التراب يواري ما تبقى من القسمات و الملامح لهذه الأرض . إنه الوأد و المواراة لما تبقى من عراق ينزف. الجميع اليوم بات متطلعا نحو قبر هذا العراق و لحده في كفن من التراب الكئيب و الغمام و العجاج و العواصف، و الغبرة القتام، و الهبوة الهباء. لك الله أيها العراق يامن سُجّيت و غدوت مسرحا للأعاصير و الرياح الصرصر العاتية، و الزوابع و التوابع. عراق، عراقنا ها أنت اليوم مشروع للقبر و الحجب و الطمر و الاخفاء و الحجب و الردم و الرمس.

أيها الغافلون المتغافلون، اليائسون المحبطون، المنشغلون بصراعاتكم و ولاءاتكم و تقمصاتكم الفرعية. أما من عاقل فيكم يستصرخ الضمائر ، و ينادي أصحاب الهمم و المروءات حول هذا الزخم المريع من الهبوط و الهدم و الانهيار و الانحلال. لقد جفت بحيرة ساوة، ألا تعلمون؟ و انحسر نهر ديالى و غدا أمرا من الماضي ، ألا تعرفون؟ و انحسرت الأنهار و الأهوار و البحيرات. و هاجرت العصافير و الطيور، فيما توالت على أمّ رؤوسكم العواصف و الغبار و التراب. و أنتم كما أنتم، منشغلون بكل ما أوتيتم بمصالحكم و قضاياكم و مشاغلكم. إذ لم يزل المنتفعون يجرفون البساتين من أجل بناء المولات و المراكز التجارية. و ما انفك الطامحون يعتدون على الأراضي الزراعية و تحويلها إلى مشاريع عقارية. و من واقع الوهن و الضعف الذي حل بالدولة ، راحت إيران تحول مجاري الأنهار بجرأة غير مسبوقة، و تفنن الجار التركي في قطع شريان الحياة لدجلة و الفرات. في تغوّل و استذئاب مريع.

هل من مبالغة إن تمت الدعوة إلى النفير العام؟! هل من المجدي أن يكون الحديث عن المأزق و الخطر المحدق الذي يحيق بهذه البلاد؟ العراق يُقبر في لحد لا قرار له، و الجميع ينظرون نحوة ببلادة و برود عجيب؟! النكبة المناخية التي يعيشها العراق تستدعي بذل الجهد و الدعم الدولي، و العمل على حشد الخبرات الأممية لمواجهة هذا الخطر الذي راح يحيق بالناس. دعونا نترك المقولات التي لاكها الدهر حول استقلال القرار، و السيادة و الاستقلالية. إذا لم يعد لها جدوى و تأثير و أهمية . الأمر باختصار و وضوح يقوم على تضافر جميع مؤسسات الدولة العراقية، و التوجه نحو التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة، و جميع الهيئات و المنظمات الدولية ، بعيدا عن الرسميات و الخطوات و الاتصالات البروتوكولية الموغلة في البيروقراطية.

عمل يقوم على التواصل المثمر البناء. انطلاقا من الوعي بالإعلان الجاد و الصريح بأن العراق( بلاد منكوبة) و على المجتمع الدولي أن يمارس دوره الصريح و المباشر لمواجهة هذا الخطر، الذي لا يهدد العراق فحسب، بل المجتمع الدولي برمته. دعوة لا تقبل التأجيل و الإرجاء و الإمهال و التأخير و التسويف و المماطلة. اليوم ، بلى أيتها السلطة التشريعية ، نعم أيتها السلطة التنفيذية، أجل يا رئيس جمهورية العراق الموقر . توا في هذه الساعة، علينا أن نتطلع نحو الإعلان الصريح بأن العراق ( بلادا منكوبة مناخيا) . مع أهمية استدعاء فرق الانقاذ من الخبراء الدوليين، لوضع الحلول المباشرة و الناجعة. بعيدا عن المراسم و الاستقبالات و دعوات الطعام. و البيانات الختامية و التوصيات. فرق تأتي إلى العراق ببدلات العمل لمواجهة هذا الخطر نعم الخطر المحدق، لا بالملابس الرسمية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top