عودة الوعي :السعي لدولة قوية بمجتمع سياسي مستقر

آراء وأفكار 2022/05/15 12:04:04 ص

عودة الوعي :السعي لدولة قوية بمجتمع سياسي مستقر

 حيدر نزار السيّد سلمان

مَن يحاول تتبّع ودراسة البُنية التكوينية والهيكلية التنظيمية لِلأحزاب العراقيّة في العهدِ الملكيّ سيجد أنَّ هذه الأحزاب أخذت مِن المجال الوطني حيّزاً لِنشاطها وعضويتها، على الرغم مِن نخبوية بعضها أو ما توصَف بأحزاب الصالونات السياسية مع بروز أحزاب بقواعد شعبية استغرقت بِكلّ الفضاء الوطني وصهرت الانقسامات المجتمعية والانحدارات الفرعية بصيغةٍ سياسية تتعالى على التمايزات الدينية والمذهبية والعرقية.

ويمكن أن نتمثَّل ذلك بأحزابٍ مثل «الوطني الديمقراطي» و»الاستقلال» و»الشيوعي» وغيرها، إذ اندمجت بتركيبتها وكوادرها القيادية والوسطى وعضويتها التنوعات المجتمعيةُ العراقية وشمل المجال الوطني خطابها ومواقفها وصحافتها. وطبقاً لذلك فقد كانت هذه النمطية الحزبية المتزامنة مع بناء الدولة العراقية الحديثة التكون وروحيتها وثقافتها تخطو بسعي حثيث لِترسيخ قواعد الاجتماع السياسي لِلدولة الناشئة بُنخبٍ تحظى بثقافةٍ راقية وهَمّ سياسي وتعليم متقدّم وإدراك لِطبيعة الزمن التاريخي التأسيسي الذي يتمحور في دقائقه نشاطها البنائي. بيد أنَّ أصحاب البيريات المتعطّشين لِلسلطة أطاحوا بحُلُم دولةِ فيصل بن الحسين الساعية لِلدمج الاجتماعي في بوتقتها بانعطافة حصلت في سياق انعطافات ما يُعرَف بحركات التحرر الوطني وطموحات العسكر المنساق بغرور القوّة وضخامة التمجيد والذي ابتدأ بعد البطش والقضاء على تمردات الآثوريين في عام ١٩٣٣ وتصاعد في ما بعد.

على الرغم مِن استمرار النزعة العراقية والشمولية الوطنية في بنية الأحزاب السياسية في عهد “عبد الكريم قاسم” الذي تعالى على الهويات الفرعية والانقسامات المجتمعية، فإنَّ هذه المدّة شكّلت الأساس لِلانقلاب على هذا المجال السياسي الوطني بظهور تيارات وأحزاب تتخذ مِن المجال الضيّق نشاطاً لها وتستمد أساسها مِن الروابط التقليدية أو الفئوية كما هو حال “الحزب الإسلامي” و”حزب الدعوة”، وحدث تفككٌ في بنية أحزاب أخرى عُرِفَت بمجالها السياسي الوطني لِتعيد صياغة تركيبتَها بسيطرة نزعة فئوية عشائرية مناطقية ومذهبية. ومثَّلَ هذه النزعة حزبُ البعث عقب انقلاب شباط ١٩٦٣، ومع إرساء هذه التحوّلات في مسار الدولة العراقية التي اندفعت لاستعادة الأصوليات التقليدية، التي يشير إليها المفكّر “عبدالإله بِلقزيز”، كونها إرادة انتاج المجتمع العصبوي وتقوية الروابط التقليدية، بما هو مجتمع الانقسامات الأهلية التقليدية والروابط القرابية والولاءات العصبية المانعة لبروز أكثرية سياسية أو تيار سياسي عام ذات قاعدة تمثيلية وطنية. وعلى الرغم مِن الظاهر الشمولي الوطني فإنه لا يمثل سوى قشرة لحقيقة تتسم بالعصبوية والفئوية الاجتماعية، السبب الذي زاد مِن الاحتقان والتذمر وتفاقم حالة الشعور بالقهر عند الفئات الاجتماعية الضعيفة التمثيل ومحدودية التأثير، ما أحبط تشكيل وصياغة المجتمع السياسي المستند إلى قوائم الاجتماعي-السياسي الذي سعت له دولةُ فيصل بن الحسين بمشروعها التوحيدي الادماجي متجسداً بالخطاب الدولتي ومؤسسات الجيش والتربية والتعليم والتيارات السياسية والأنشطة الرياضية وغيرها.

ساعدت الحكومات التسلطية ذو الطبيعة الاستبدادية بإضعاف شرعية الدولة وهشاشتها، ورافق ذلك تطورٌ في أساليب معارضتها باللجوءِ إلى العنف واستعادة الطبيعة الانقسامية لِلمكونات الشعبية واتساع التباعد الاجتماعي، ولعلَّ هذا الإخفاق الدولتي والنخبوي الثقافي والفكري في استكمال مشروع بناء المجتمع السياسي يعود في بعض أسبابه إلى ضعف الاجراءات المعتمدة مِن السلطة بعد ١٩٥٨ لِتغلغل الروح العصبية بين أفرادها واعتناقها ايديولوجيا متطرفة وانغماس جزء كبير مِن النخبة الثقافية في خضمّ الانقسامات القَبَلية والدينية والعِرقية واستقواء الخطابات المذهبية مِن جهات تنتفع به كمبرر لِوجودها ساعدها في ذلك السلوكيات السلطوية.

بعد ٢٠٠٣ تحولت الانقسامات الاجتماعية بِكلّ تفاصيلها وتفرعاتها إلى تمثلات حزبية وسياسية وترجم النظامُ السياسي الجديد الروابطَ التقليدية التقسيمية إلى صيغة سياسية تكرس بإجراءاتها وتوزيع سلطاتها نظامَ المكونات المعيق لِنشوء وقيام مجتمع سياسي مدني وحديث يقوم على شروط المواطنة ويزيح الانقسامات التقليدية، ويقف بصلابة ضد بناء الدولة القوية. غير أن فشل هذه الصيغ وما شهده العراق مِن هيجان مدمّر لِلعصبية والفئوية وطغيان الروابط التقليدية العشائرية والدينية والقومية بالسلوكيات السلطوية وخطابها بالإضافة إلى فشل الدولة ممثلة بنظامها السياسي بمراكمة شرعيتها بالعمل والانجاز والحفاظ على السيادة والمصالح العامة لِلشعب ضاءل شرعيتَها وأفقدها الجزءَ الكبير مِن قواعدها الشعبية. كلّ هذا أحدث صدمةَ وعي تاريخية غير مسبوقة بالروح والوجدان الشعبيَين قد تجاوز هذا الوعي بفطرته الخطابات النخبوية وتوقعات السلطة بنجاح مشروعها المكوناتي التقسيمي. وما حدث العكس تماماً عند الأغلبية الشعبية الطامحة لِعزل المحاصصة ونبذها وتوكيدها على وحدة اجتماعية سياسية تتجاوز الأطر والروابط التقليدية. ومِن الملاحظ أنَّ التحولات المستحدَثة في الرأي العام الغالب والنشاط الملموس لِلقوى الاجتماعية، لا سيما الفئات الشابة المتعلّمة وحتى غير المتعلّمة المندفعة ببراءة الإحساس بعراقيتها وعلوية الرابطة الوطنية على الروابط الفرعية؛ قد أوجد نزعةً مثابِرة باتجاه التيارات السياسية المستغرقة لِلمجال الوطني والنابذة لِروابط ما قبل الدولة الحديثة، مما أجبر بعض القوى السياسية ذات التوجهات المغلقة على اعتماد خطاب احتيالي مخادع يرتكز على المواطنة والمجال السياسي الشامل في محاولة هذه القوى كسب الرأي العام الذي بدأت تلوح معالم استعادة وعيه، وبموازاة ذلك انتج الحراك الشعبي في مرحلته التأسيسية أحزاباً وحركات جديدة متمردة على التقليدية المنبوذة ومناهضة لمنهج البناء التقسيمي المشوَّه والفاقد لِقدرة النجاح وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتماسكه.

تستبطن التحركات الشعبية المناوئة لِلانقسامات الاجتماعية في ضميرها السعيَ لمجتمع سياسي بدولةٍ وطنية كاملة المقومات ما يشكّل تضاداً صريحاً مع الأفكار المغلَقة والإطار الضيق الذي تتحرك فيه أغلب الأحزاب والقوى السياسية التي تعتاش على هذه الانقسامات، وباستشراف مستقبلي فإنَّ هذا المسعى سيزداد توسعاً وتجذراً بالاستناد إلى التحولات الجيلية وسيرورتها وتراكم ثقافتها بأهمية الدولة القوية المنبثقة عن مجتمع سياسي تتحرك وتنشط فيه التيارات السياسية على أساس الوطنية لا على أساس النعرات الفئوية والمكوناتية. ومن نافل القول؛ تتحمل النخبُ السياسية المؤمنة بهذا المشروع والمثقفون الحقيقيون والمفكرون دَوراً اساسياً في تدعيم البناء وترسيخ هذا الإيمان ونبذ الفوضى واللادولة ومحاولات الترويج الديماغوجي للانقسامات التقليدية. ومما لابدَّ مِن الإشارة إليه بوصفه عاملاً مؤثراً وفاعلاً في خَلق التوجهات الشعبية الجديدة غزارة وسائل الاعلام والاتصالات المتوفرة القادرة على صناعة الآراء والأفكار ونشر المفاهيم الخاصة بمقومات وحقيقة الدولة الحديثة وسندها المجتمع السياسي، التي تمنح هذه النخب فرصةً تاريخية ومجالاً مهيئاً بآلياته وقدراته المذهلة لِلعمل والفعل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top