الوهم والحقيقة في أزمة الغذاء العالمية

آراء وأفكار 2022/05/16 11:41:23 م

الوهم والحقيقة في أزمة الغذاء العالمية

 د. جاسم الصفار

خلال عطلة نهاية الأسبوع الأول من شهر مايو\ايار، أصبحت أخبار الأزمة الغذائية العالمية واحدة من أهم الأخبار في الفضاء الإعلامي الغربي. وفقا لمدير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في ألمانيا، مارتن فريك،

أن ما يقرب من 4.5 مليون طن من الحبوب موجودة في الموانئ الأوكرانية وعلى متن السفن، ولكن لا يمكن إخراجها من البلاد. في الوقت نفسه، اشار فريك الى أن روسيا تتحمل بسبب «غزوها» لأوكرانيا «تفاقم» أزمة الغذاء في العالم.

هذا، بينما ذكر الرئيس الأمريكي جو بايدن رقما اخر لمقدار المخزون لدى أوكرانيا من الحبوب، قائلا، أن هناك «20 مليون طن من الحبوب في مرافق التخزين الخاصة بها. نحن نستكشف طرقًا لإعادة هذه الحبوب إلى السوق العالمية وبالتالي خفض الأسعار» ويضيف الرئيس الأمريكي، «لقد لاحظنا أن أسعار الوقود ارتفعت في مارس، وهذا بسبب بوتين. بسببه ارتفعت أسعار المواد الغذائية هنا أيضًا «.

روسيا متهمة بـ «سرقة الحبوب على نطاق واسع». مثل هذه الاتهامات وردت عبر الإذاعة الفرنسية الدولية (RFI)، في 13 مايو\ايار، ضد موسكو من قبل رؤساء إدارات الشؤون الخارجية ووزراء آخرين من دول مجموعة السبعة (G7)، وكذلك زملائهم من أوكرانيا ومولدوفا، الذين اجتمعوا في شمال ألمانيا لمدة ثلاثة أيام من المحادثات حول «التأثير العالمي للحرب في أوكرانيا على أسعار الغذاء والطاقة.»

إن سوق الحبوب العالمية في حالة اضطراب بالفعل، ولكن على من يقع اللوم حقًا؟ لابد من الإشارة الى ان العرض لا يلبي الطلب من هذه المواد الغذائية في الأسواق العالمية، وان سعر القمح، نتيجة لذلك، كان ينمو بوتيرة قياسية. ولكن لأول مرة منذ 14 عاما ارتفع سعر الحبوب في الأسواق العالمية بنسبة 40٪ دفعة واحدة. قد لا تكون لهذه المشكلة نفس الأثر عند الدول الاوربية الغنية والدول الفقيرة، فبينما تفكر أوروبا في كيفية الاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية، تواجه شعوب الدول الفقيرة مشاكل أكثر خطورة: لن يكون هناك ما تأكله قريبًا. لذا فان النفاق الأوربي وخاصة الأمريكي في استخدام هذه المشكلة للتحريض على روسيا، مفضوح تماما، خاصة وأن أمريكا من المصدرين الكبار للقمح. فحتى شهر ابريل من هذا العام صدرت أمريكا ما مقداره 20 مليون طن من مخزونها من القمح!

وللعلم فان كييف هي التي أغلقت جميع الموانئ البحرية الأوكرانية، ونتيجة لذلك، لا يمكن لأكثر من 70 سفينة أجنبية مغادرة تلك الموانئ. وتلفت روسيا الانتباه إلى حقيقة أنها عرضت مرارًا ممرات إنسانية للتصدير، لكن بدلاً من استخدامها، ألغمت أوكرانيا المخارج من موانئها. ثانيًا، لا يعتمد الوضع في أسواق الغذاء العالمية على حجم المخزون في أوكرانيا من الحبوب التي يتراوح مقدارها بين 4.5 و20 مليون طن، حسب التقديرات الغربية، والمعروف أن جزء كبير من مخزون أوكرانيا من الحبوب قد تم نقله براً وعلى طول نهر الدانوب، عبر رومانيا وبلغاريا الى أوربا.

قال أندريه كليموف، نائب رئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسي للشؤون الدولية، وفقا لريا نوفوستي، إن تطور أزمة الغذاء هو نتيجة لقرارات واشنطن وبروكسل بإغلاق فضاء الاتحاد الأوربي أمام الصادرات الروسية. في إيجاز للصحفيين من آسيا وأفريقيا، شدد السناتور كليموف على أنه بسبب العقوبات، لا تستطيع روسيا تصدير المنتجات الزراعية عبر البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. وأشار إلى أن الغرب منع شركات النقل من خدمة روسيا، وكذلك من تصدير الأسمدة المعدنية من روسيا وبيلاروسيا.

وفقًا لوزارة الصناعة والتجارة في الاتحاد الروسي، فإن عددًا من شركات النقل الدولية الكبرى ترفض التعاون في شحن البضائع الروسية، وهي شركات نقل بشكل أساسي من الدول الغربية. لفت كليموف أيضًا انتباه الصحفيين إلى حقيقة أنه بسبب تصرفات الغرب، فإن العديد من الدول تعاني بالفعل من مشاكل في الغذاء. السناتور مقتنع بأن «الغرب يتسبب في الجوع في العالم».

الصحيفة الألمانية كومباكت تحذر من المجاعة العالمية القادمة. ووفقا لها، أدت الأزمة الأوكرانية إلى تعطل الإمداد ونقص الأسمدة المعدنية المنتجة في روسيا. يذهب ما يقرب من ثلث صادرات الأسمدة الروسية إلى أوروبا والولايات المتحدة. يقول المحللون في فريدوم فاينانس إن أوروبا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأسمدة المستوردة من روسيا، حيث تبلغ حصتها حوالي 25٪، بينما تبلغ حصة الولايات المتحدة حوالي 11-12٪. بسبب نقص الأسمدة سينخفض محصول المزارعين الاوربيين من الحبوب في العام المقبل بصورة محسوسة. كل هذا سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الغذائية. وتشدد الصحيفة الألمانية على أن أزمة الغذاء يمكن أن تكون حافزًا للتغيير العالمي.

الواقع، هو أن أكبر تأثير على الأمن الغذائي العالمي يأتي من ارتفاع أسعار الأسمدة ومصادر الطاقة بسبب العقوبات المفروضة على روسيا وبيلاروسيا. علما بأنه ليس فقط، القمح والخضروات تحتاج الى الأسمدة ومصادر طاقة بأسعار معقولة، ولكن حتى الموز والمنتجات الزراعية الأخرى تحتاج اليها. لذلك، بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة ومصادر الطاقة في الإكوادور، فقد 50 ألف شخص وظائفهم بالفعل في مزارع الموز.

سيستخدم مزارعو البن في البرازيل ونيكاراغوا وغواتيمالا وكوستاريكا كمية أقل من الأسمدة نظرًا لارتفاع تكلفتها وندرتها. تتوقع تعاونية البن، التي تمثل 1200 مزارع في كوستاريكا، انخفاض إنتاج البن بنسبة 15٪ في عام 2023 بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة ومصادر الطاقة.

خفضت شركة يارا العالمية للأسمدة الإنتاج في المصانع الأوروبية في مارس بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. أعلن كين سيتز، الرئيس التنفيذي لشركة الأسمدة الكندية (نوترين)، المستثمرين أنه في حين يتوقع زيادة إنتاج البوتاسيوم المحلي بعد تعطل الإمدادات الروسية، فإن الاضطراب «قد يستمر إلى ما بعد عام 2022»، وفقًا لتقارير بلومبرج. في بريطانيا، اتٌهم رئيس الوزراء بوريس جونسون بعدم فهم خطورة المشاكل مع زيادة تكلفة الإنتاج في الزراعة بسبب الأسمدة والطاقة.

يتحدث المزارعون الألمان بصراحة عن نقص الغذاء المحتمل بسبب زيادة أسعار الطاقة ونقص الأسمدة. قال كريستيان فون بوتيتشر، رئيس الاتحاد الفيدرالي الألماني لصناعة الأغذية: «في مرحلة ما، لم يعد السؤال هو كم تكلفة المواد الخام الخاصة بطعامنا في السوق العالمية، ولكن ما إذا كنا سنحصل عليها بالأساس».

قال دانيال شنايدر، الرئيس التنفيذي للرابطة المركزية للمعجنات الألمانية، إن ارتفاع تكاليف مصادر الطاقة والمواد الخام قد أثر بشكل خاص على صناعة المواد الغذائية. وأوضح شنايدر أن تكاليف إنتاج المعجنات ارتفعت بنسبة 25-30٪، مع ملاحظته أن الطعام «لا ينبغي أن يكون ترفاً». واقترح ادخال آلية القسائم لتنظيم بيع المواد الغذائية. وفي الوقت ذاته، دعم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون اعتماد هذه الآلية.

بشكل عام، بعد وباء الفيروس التاجي وفشل سلاسل التوريد، يمكن أن يؤدي أي عامل سلبي إلى وضع حرج في إنتاج المواد الغذائية وغيرها. حتى الآن في الولايات المتحدة هناك نقص في حليب الأطفال. في 26 ولاية، اختفت 40-50٪ من المخزون التجاري من هذه المادة، ولا تستطيع الأمهات حتى شراء الحليب الصناعي من المتاجر عبر الإنترنت.

أظهر مسح أجري في مارس 2022 أن 35٪ من الأمريكيين بدأوا في الادخار على الطعام من أجل الاستمرار في ملئ سياراتهم بالبنزين، وهذا الرقم يرتفع باستمرار. وعموما، فإن ما مجموعه 53٪ من الأمريكيين يخفضون إنفاقهم على البقالة، بسبب زيادة تكلفتها. وفي المملكة المتحدة، في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2022، زاد عدد البالغين الذين أجبروا على تقييد أنفسهم بالطعام بنسبة 57٪ ليصل عددهم الى إلى 7.3 مليون شخص، أي واحد من كل سبعة بالغين، وفقًا لمؤسسة فود فاونديشن للأبحاث. من بين الأطفال، يعاني 2.6 مليون شخص من سوء التغذية.

هذا هو الوضع في البلدان المتحضرة في الغرب. في ذات الوقت، اندلعت أعمال الشغب في دول العالم الثالث، مثل باكستان وسريلانكا بسبب نقص الغذاء، مما أدى إلى وقوع إصابات. وينتظر اندلاع اعمال شغب لنفس الأسباب في النيبال والهند (رغم توقفها عن تصدير الحبوب) ودول أخرى في اسيا وافريقيا إذا ما تفاقمت ازمة الغذاء.

لا تزال الولايات المتحدة غير متحمسة لأي اجراء عملي لتحرير تجارة الحبوب من القيود التي فرضتها. والسبب هو أن الحبوب المصدرة من أوكرانيا يتوقع أن تذهب إلى أوروبا والشرق الأوسط، حيث ستنافس أمريكا. لذا فإن الخلق المصطنع لأزمة تصدير يؤدي إلى زيادة إضافية في الأسعار، سيتمكن الأمريكيون من جنيها. إضافة الى ذلك، فبعد حرمانهم من البديل الأوكراني، سيضطر الأوروبيون والعرب إلى تخزين الحبوب الأمريكية ودفع ثمنها المرتفع. فقط، عندما ينفد المخزون الامريكي، ستفكر حينها واشنطن باقتراح تدابير لتسهيل استيراد الحبوب الأوكرانية وربما الروسية كذلك.

ولابد من التنبيه هنا الى أن التصدير العبثي غير المنظم للحبوب من أوكرانيا، على خلفية عجز السلطات الأوكرانية عن تنظيم حملات البذار والحصاد، وفقًا للخبراء الأوكرانيين، قد يؤدي، بحلول نهاية هذا العام، إلى مجاعة جماعية في أوكرانيا.

في الوقت نفسه، فإن وسائل الإعلام والمحللين الغربيين، كما هو الحال دائمًا، يتداولون بمكر أسباب وتأثيرات ازمة الغذاء. مستبعدين تماما، أن السبب الجذري لجميع مشاكل الغذاء الحالية لم يكن عملية عسكرية روسية في أوكرانيا، ولكن العقوبات المناهضة لروسيا التي شوهت جميع العلاقات الاقتصادية في العالم، بعضها بشكل مباشر، والبعض الآخر بشكل غير مباشر، ولكن النتيجة الإجمالية سلبية على مستوى العالم.

في عام 1996، في قمة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، تقرر بحلول عام 2015 خفض عدد الجياع في العالم إلى النصف. وتم اقتراح القضاء على الجوع وسوء التغذية من خلال التنمية السريعة بشكل استثنائي للزراعة في بلدان العالم الثالث. وفي 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 ذكر مدير المنظمة جاك ضيوف بحذر في تقريره أن هذا الهدف لن يتحقق على الأرجح. يفضح هذا التصريح ضمنيا، أن البلدان المسماة بالدول المتحضرة لم تتخذ أي خطوات جدية للقضاء على المجاعة في العالم. لم تكن هناك «حرب روسية» في ذلك الوقت في أوكرانيا، لتكون سبب انهيار هذا المشروع. لذا يجب البحث عن أسباب الفقر والجوع في النظام الغربي المهيمن، اليوم، على العالم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top