هناء أدور أمام مجلس الأمن: بات الإصلاح والتغيير حاجة آنية

هناء أدور أمام مجلس الأمن: بات الإصلاح والتغيير حاجة آنية

بغداد / المدى

ألقت الناشطة المدنية هناء أدور كلمة مهمة أمام مجلس الأمن حول الوضع في العراق، ونظراً لأهمية الكلمة، تنشر (المدى) نصها دون حذف أو إضافة:

السيد رئيس مجلس الأمن الموقر

السيدات والسادة الموقرون أعضاء مجلس الأمن

بصفتي مدافعة عن حقوق الإنسان وناشطة مدنية في العراق لسنوات طويلة، عملت مع زملائي بلا كلل بعد 2003 لإعادة بناء الوعي المجتمعي على قيم ومبادئ حقوق الإنسان وعدالة الجندر. حققنا كحركة مجتمع مدني إنجازات ملموسة في حملات المدافعة بشأن القوانين والسياسات والبرامج، وتعزيز حركة المطالبة بالحقوق بين الشباب والنساء والأقليات والشرائح الاجتماعية المستضعفة، انعكست في حركة الاحتجاجات السلمية منذ 2011 التي بلغت أوجها في انتفاضة أكتوبر الشعبية 2019 و2020.

ندرك أن عملية التغيير لبناء النظام الديمقراطي والحكم الرشيد تستلزم عملاً مثابراً شاقاً وصبراً هائلاً للبناء. الآن وبعد ما يقارب العشرون عاماً، تشير المؤشرات - التي تداولتها وكالات الأمم المتحدة والمراكز البحثية الدولية - إلى تراجع مريع في الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصحي والبيئي في العراق، في ظل نظام سياسي، قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية بدون سند دستوري أو قانوني، تحكمت في قيادته كتل سياسية بلا رؤية وطنية لإدارة البلد، وتفتقر أيضاً إلى الثقة فيما بين أحزابها، وبين الأحزاب وسلطات الحكم ومؤسساته. نهبت موارد الدولة وموازناتها لأجل مصالحها الفئوية الضيقة والشخصية، ونشرت الفساد والخراب في مؤسسات الدولة، وحتى حملاتها للإصلاح ومحاربة الفساد هي فساد كبير. كما استبيحت سيادة البلاد أمام التدخلات الأجنبية العسكرية والأمنية المستمرة. 

السيد الرئيس

سيادة القانون في بلدي حلّ محله انتشار السلاح بيد العشائر والجماعات المسلحة. الإفلات من العقاب هي السمة البارزة في نظام العدالة، لذا يتوجه المواطنون لحل نزاعاتهم وخلافاتهم على أساس الفصول العشائرية بدلاً من المحاكم. كما نشهد تسييس نظام العدالة حيث تصدر أحكام قضائية قاسية مبنية على دعاوى كيدية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين والمتظاهرين السلميين وصلت إلى إصدار أحكام بالإعدام. ولم تنشر نتائج التحقيقات بشأن أنماط الاغتيالات والاعتداءات العنيفة ضدهم التي نسبت إلى "عناصر مسلحة مجهولة الهوية". ولا يزال مصير عدد من الناشطين والإعلاميين المعتقلين والمختطفين مجهولاً، ناهيك عن الآلاف من المختفين قسرياً، لم يتحرك القضاء لبحث قضاياهم وإنصاف عوائلهم، في حين المتهمين بجرائم المخدرات والفساد الكبيرة تصدر أحكاماً خفيفة بحقهم، بل وببراءتهم أو ينالون عفوا خاصاً.

اختزلت الديمقراطية في العراق بإجراء خمس عمليات انتخابية عامة، أدت إلى اختمار وضعيات غير ديمقراطية بديلة بعنوان التوافق بين الأحزاب السياسية الحاكمة، وصلنا فيها الآن إلى مرحلة الجمود السياسي. الحكومة هي لتسيير الأعمال اليومية، وأجهزتها متوقفة عن ممارسة وظائفها بسبب عدم وجود الموازنة. كما أن مجلس النواب معطل، رغم مضي ما يقارب الخمسة أشهر على مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات. للأسف، حتى المحكمة الاتحادية العليا المعنية بتفسير نصوص الدستور، ساهمت قراراتها الأخيرة في تصلب حالة الجمود السياسي، بدلاً من الاجتهاد في تفكيكه من أجل المصلحة العامة.

تعمقت أزمة عدم ثقة الشعب بالطبقة الحاكمة والمؤسسات العامة، وحتى في انتخابات أكتوبر 2021، لم تتجاوز نسبة مشاركة الناخبين 35 بالمائة في أحسن الأحوال. وبشأن دعوات الإصلاح والتغيير التي يطلقها صناع القرار السياسيين، هناك مثل يردده العراقيون: "المجرب لا يجرب".

السيدات والسادة الكرام

إزاء الواقع المرير الذي نعيشه، والمحفوف بالمخاطر، بات الإصلاح والتغيير حاجة آنية ماسة، لتحقيق الاستقرار والأمن والتعايش السلمي بين العراقيين، وفق عقد اجتماعي جديد، يضمن المواطنة المتساوية الحاضنة للتنوع والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة في إطار دولة مدنية.

أناشد المجتمع الدولي، قبل فوات الأوان، للقيام بمبادرة مدروسة، ضمن سقف زمني محدد، باتجاه الضغط على السلطات العراقية وصناع القرار من السياسيين، للعمل الجدي لتجاوز حالة الجمود السياسي والانقسامات فيما بينهم، وتغليب مصالح الشعب العراقي على مصالحهم الفئوية الضيقة، واحترام التزاماتهم الدولية لاتفاقيات حقوق الإنسان. ومن الأهمية إدماج منظمات المجتمع المدني ضمن المبادرة لتفعيل دورها في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون، والضغط لوضع حد للإفلات من العقاب، والترويج للتعايش السلمي والشفافية والمساءلة والحكم الرشيد والتنمية المستدامة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top