مسارات داخلية  توفِّر لسالكيها مَهْربًا للنجاة ومُتنفَسًا للأحزان المقيمة في الأعماق

مسارات داخلية توفِّر لسالكيها مَهْربًا للنجاة ومُتنفَسًا للأحزان المقيمة في الأعماق

عدنان حسين أحمد

قبل الولوج إلى ثيمة الفيلم وتفاصيله الدقيقة لابد من الإشارة إلى أنّ المعنى المجازي لعنوان الفيلم Inner Lines هو “مسارات داخلية” وليست “خطوط داخلية” كما يُفصح المعنى المباشر للمصطلح الذي تمّت استعارته من القاموس العسكري.

وأكثر من ذلك فهو يشير إلى المسارات الداخلية الموازية للخطوط الأمامية لجبهات القتال وهي عادة ما تكون أمينة وتوفر لسالكيها مَهْربًا للنجاة. وهي الطرق نفسها التي يسلكها الرُسل والحمام الزاجل الذي ينقل الرسائل بين التجمعات البشرية التي تقطّعت بها السُبل جرّاء القبضة الحديدية التي تفرضها الحروب المشتعلة على الدوام. ولو ذهبنا أبعد من ذلك فإنّ المسارات الداخلية تُفضي بنا إلى الأحزان المُقيمة في أعماقنا.

يبني المخرج البلجيكي پيير- إيف فاندويرد سردية فيلمه الوثائقي على قصة “طوفان نوح” التي وصلت إلينا وعرفنا سببها هو “طغيان البشر على الأرض” لكن فادندويرد يستثمر في هذه الحادثة التاريخية القديمة حكاية الحَمامات الثلاث ويترك نهايتها مفتوحة لمخيّلة المتلقين. فحينما أرسل نوح الحمامة الأولى من جبل أرارات عادت في الحال لأنها لم تجد أرضًا يابسة. وبعد أسبوع أطلق الحمامة الثانية فعادت بعد عدة أيام وفي منقارها غصن صغير دلالة على أنّ الأيام القادمة سوف تكون أفضل. أمّا الحمامة الثالثة التي أطلقها نوح أخيرًا فقد توارت في الأفق ولم تعد إلى السفينة لأنها وقعت في حُب الطبيعة الجميلة وهبطت في أعماق السهوب الخلاّبة، وتحوّلت تدريجيًا إلى حلم لكنها لم تكن بمنأىً عن الموت الذي يتربّص بنا جميعًا.

ينتمي “مسارات داخلية” إلى سينما المؤلف إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنّ فاندويرد هو المُخرج والمُصوِّر وكاتب السيناريو أيضًا ويسعى لأن يجسّد رؤيته الإخراجية والفكرية في آنٍ معًا. يجمع الفيلم بين خمس ثيمات في أقل تقدير وهي: الشعرية، والاحتفاء بجمال الطبيعة، والسياسة، والحرب، والموت الذي سوف يلتهم الجميع في نهاية المطاف. تتكرر كلمة “أبيض” في أماكن متعددة مثل “مركز أبيض” ، “ثلج أبيض” و “ضوء أبيض” في إشارة واضحة إلى قمة جبل “أرارات” الذي يمثّل منارة دائمة للأمل، ورمزًا للحرية التي يستلهمها الأرمينيون من هذا المكان المقدّس في عقيدتهم الدينية. فهذا البياض، والقراءات المهموسة لها علاقة بشعرية القصة السينمائية من دون أن ننسى اللقطات الوامضة لوجوه الرجال التي ظهرت في مستهل الفيلم.

يُسهب المخرج في تصوير في عملية الإبادة الـ 74 للإيزيديين في شمال العراق سنة 2014 وما تخللها من إعدام للرجال، وسبي للنساء، واغتصاب للعذراوات وبيعهن في سوق النخاسة، وقتل للأطفال والرُضّع. وقد استعان المخرج بشهادات مُوجعة للإيزيديين من كلا الجنسين لتوثيق هذه الجريمة النكراء التي أُرتُكبت بحق الإيزيديين العراقيين البسطاء الذين لم يفعلوا أي شيء سوى التشبث بعقيدتهم وقناعتهم الدينية.

يربط المُخرج بين إبادة الإيزديين وإبادة الأرمن التي وقعت في سنتيّ 1915 و 1916 واستمرت حتى عام 1922 من قبِل قوات الإمبراطورية العثمانية حيث أذعن ثُلثا الأرمينيين لسياسة التجويع والترحيل والقتل الممنهج الذي نفّذته المليشيات التركية بقيادة توپال عثمان الذي ارتكب مجازر دموية بحق الأرمينيين واليونانيين حتى وصل الأمر إلى إحاطة قراهم بالنيران من كل الجهات، واغتصاب نسائهم وفتياتهم، وحرقهم جميعًا من دون أن يهتزّ لهم جفن، أو ترتعد لهم فريصة.

يتوسع المخرج في التركيز على الحرب التي نشبت بين أرمينيا وأذربيجان على خلفية النزاع حول تبعية إقليم نوغورنو كارباخ الذي أعلن استقلاله عام 1994. وفي عام 2020 اصطفّت تركيا إلى جانب أذربيجان وشنّت عملية “القبضة الحديدية” لإعادة السيطرة على هذا الإقليم الذي تسكنه غالبية أرمينية وأقلية أذربيجانية. ثمة خطاب سياسي طويل يسهب فيه رئيس وزراء نوغورنو كارباخ يحث فيه جميع المواطنين الأرمينيين على مقاومة الجيش الأذربيجاني للحفاظ على هُويتهم وعزتّهم وكرامتهم. استمرت الحرب 44 يومًا فقدت فيها أرمينيا خمسة آلاف جندي، وجرح قرابة أحد عشر ألفًا من العسكريين والمدنيين لكن المُخرج سوف يركِّز على بضعة نماذج مؤلمة مثل ساكو هاكوبيان الذي تمزقت ساقيه إثر قصف مروحية لسيارتهم العسكرية التي احترقت فطلب من الجنود إطلاق النار عليه لوضع حدٍ لألمه ومعاناته القاسية لكن هذا الرأي لم يلقَ قبولاً لدى أصدقائه الجنود. وهناك امرأة شابة لا تصدّق الأخبار التي نقلها الجنود بأن زوجها هاكوب قد قُتل في المعركة، وهي تعتقد بأنه مايزال حيًا يُرزق. أمّا القصة الثالثة والأخيرة فهي قصة كارين الذي أوشك أن يُنهي خدمته العسكرية ولم يبق على تسريحه أكثر من أسبوعين لكن شدق الحرب سيلتهمه، وسوف تؤكد فحوصات الدي أن أي أنّ الجثة التي جلبوها هي جثته هو، وسيوارونها الثري في يرابلور، ولعله أوفر حظًا من جنود آخرين سحلتهم كلاب ضالة وأكلت أجسادهم في البرية. ثمة عوائل مفجوعة بأعز الأبناء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن ودُفنوا في مقبرة ترفرف فوقها الأعلام الأرمينية بينما يكتظ الفضاء بعويل الثكالى لأن “الحرب لا تدور رحاها في جبهات القتال وإنما في أرحام الأمهات” كما يذهب ناپليون پوناپرت.

تكرر مشهد إطلاق الحمائم غيرة مرة حيث كان المُرسِلون يطوون ورق الرسائل ويبعثونها إلى الأهل والأصحاب والأحباب ويتواصلون عبر هذه الطريقة الآمنة التي تكفيهم شرور الخطوط الأمامية لجبهات الحروب التي تندلع في أكثر من مكان أحيانًا لكن تركيز المخرج فاندوير قد انصب في هذا الفيلم على شمال العراق والإمبراطورية العثمانية وأرمينيا إضافة إلى إقليم ناغورنو كراباخ ليصوغ عبر لغة شعرية قد لا تتناسب مع طبيعة الموضوع وثيمة الفيلم القاسية التي تركِّز على الاضطهاد التاريخي ومجازر الإبادة الجماعية للإيزيديين والأرمينين الذين لا يزالون يسلكون المسارات الداخلية الآمنة التي لا تخلو من بعض المفاجآت والأحداث المُفجعة بين أوانٍ وآخر.

على الرغم من سلاسة الفيلم وشعرية أسلوبه إلاّ أنه لم ينجُ من الإسهاب الذي أشرنا إليه فيما يتعلق بمحنة الإيزيديين، وكذلك الخطاب السياسي الذي يمكن اختصاره إلى حدٍ كبير يفي بالغرض المطلوب ولا يضع المُشاهد في دائرة الملل.

جدير ذكره أن المُخرج البلجيكي پيير- إيف فاندويرد الذي درس الصحافة والإعلام والأنثروبولوجيا قد أنجز فيلمين سابقين وهما “الأرض المفقودة” 2011، و “الأبديون” 2017 و “مسارات داخلية” 2022 هو فيلمه الوثائقي الطويل الثالث.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top