بيكاسو والشرق الإسلامي

بيكاسو والشرق الإسلامي

اوستاش دولوري(*)

ترجمة د. حسين الهنداوي

في المحصلة الاخيرة، تحمل رسوم بيكاسو في ذاتها كل قيم الارابيسك بفضل دقتها النبيلة التي لا تقدر بثمن، الجادة واللامبالية، المثيرة والانيقة في الوقت نفسه،

تلك الدقة المستقلة تماما بافتراضاتها وايحاءاتها، والحرة كليا بقوة حركتها التي لا يوقفها شيء بما في ذلك كل ما هو زائف واعتباطي من الاشكال التي تسمو بها الى مقام الضرورة في الطبيعة الجديدة.

واذا حصل له احيانا، في عدد من اللوحات ولاسيما المتأخرة، استعمال الوان صارخة، فان هذه الالوان الفجة والصعبة الاحتمال، تظل رصينة مع ذلك، متخلصة من لا تماسكها، بسبب فتنة الخطوط التي لا يستطيع اي عنصر دخيل ان يعكر نقاءها، بينما في فن ماتيس مثلا نجد الامر معكوساً، حيث ان التشويهات الاكثر فظاظة هي التي تأخذ من اللون ضرباً من الرصيد.

نستطيع الاستطراد اكثر في ذكر التشابهات وايحاءات العلاقة التي تكشف اعمال بيكاسو عن وجودها بين الشرق الاسلامي والفن الحديث. وبداهة، تظل الاختلافات قائمة نظرا لأنه من غير الممكن حجب الفن عن استقبال التغيرات التي فرضها توظيف التقنيات الحديثة بشكل كلي تقريبا، وعن ابتكار مهارات جديدة، وعن تأثير سبعة قرون مليئة بالاعمال الرائعة والنماذج التي ليس لفناني اليوم الرغبة او القدرة على الاستهانة بها. الا ان الروح والمبادئ المهمة الخاصة بالتكعيبية وبأعمال بيكاسو بشكل خاص تسمح لنا باقامة مقارنات بينها وبين روح ومبادئ الابداعات الزخرفية الاسلامية. فهذه المقارنات ليست اعتباطية الا ظاهريا كما رأينا في عدد من العناصر المميزة في هذا الصدد، حيث الخوف نفسه من الواقعية، والافتتان نفسه بالاشكال الخطوطية المجردة التي لا تمثل الا تماسكا ذهنيا ونوعا من المهارة في خيانة الطبيعة من خلال محاكاتها، وستر الاستعارات المأخوذة منها، وخصوصا النزوع الفطري الرائع نفسه الى جعل الخط المجرد كليا والمتقوم بقيمته ودقته وحدهما، ملزماً بانجاب فتنة تتجاوز تلك التي نجدها في عوالم التمثلات والاشكال.

فبيكاسو، وعبر تأويلات الارابيسك التي يضيفها الى النظريات التكعيبية، يبدو فعلا قد استلم كل ذلك من الاسلام كعطاء وراثي معيدا اثارة السحر فيه ودافعا مزاياه وفضائله الى اقصى الحدود.

لكنه في الواقع ليس الوحيد ممن استفاد من ذلك الارث، كما ان انفتاح فنه على الروح الشرقية لم يصدر ابدا عن تغرب خاص به. اذ ان التكعيبية والبيكاسوية ليسا في عزلة في عالم الفن التشكيلي الحديث، ومع ذلك فانه مثير جدا ان يمتلك الواحد والآخر، ذات المقدمات التي امتلكها الرسم الاسلامي، او على الاقل مقدمات متشابهة. فالفن الاسلامي الذي استعار من الفن البيزنطي نماذجه الاولى وتقاليده لم يلبث ان خرج على تلك التقاليد والنماذج لاغياً من اهتمامه كل ما هو واقعية مباشرة او صارخة. والتكعيبية من جانبها، لم تقم الا باعطاء صيغة متطرفة لذلك الفن الذي اعلنت عنه بعض صياغات سيزان، وبعض مقدمات الانطباعيين الفوفيين والتي يمكن اعتبارها قريبة من الفن البيزنطي.

وهكذا يبدو ان الحركة التي قادت ماتيس الى بيكاسو هي نفسها التي قادت فن جو ستينيان الى فن الامويين، كما لو انها، وبعد مسافة اثني عشر قرنا، اعادت الاعلان عن نفسها عبر مقاومة اكثر عنادا لفن محاكاة الواقع.

هناك تواصل اذن، ناتج عن اسباب مختلفة، يربط ما بين الفن الحديث وشرق القرون الاولى المضطرب الذي عرف تحت تأثير المسيحية والاسلام ازمات روحية غرست في الفن بذور الانقلابات والتجديد، لكن الفوفيين باهتمامهم بالرسم المحض، لم يمكنهم حل المشاكل المختلفة جدا التي طرحت على اوائل الفنانين المسيحيين، عندما ظهر انذاك عالم صوفي ادى، كما اليوم، الى قلب العوالم التقليدية للاشكال والتصورات، الامر الذي افضى الى صعود طموحات جديدة الى عالم النور. ففي ما وراء الاجساد التي كانت الانسانية الاغريقية الرومانية تفتح لها اسرارها، سعى البيزنطيون الى بلوغ حقيقة تحظر كل واقعية، لأنهم - شأن الفوفيين - لم يختزلوا الفن الى مجرد كليشيهات تنقل جاهزة، كما لم يضعوا هدفا لهم اعادة انتاج اشكال الطبيعة حتى ولو مزركشة ورائعة، انما وبمساعدة تقنيات الشرق الغنية، وعبر الاجواء التي تخلقها القيم الزخرفية، وايضا عبر قوة التعبير الرمزي، بذلوا جهدهم لاثارة الوهم الحي بعالم جديد وبالحضور الحسي الالهي.

وتجسد هذا التوافق في الاهتمام بابتكار آثار لا يمكن الامتناع عن مقارنتها بمثيلاتها الاكثر حداثة. فالالوان الزاهية للسجاد القبطي، وتألق المجوهرات البيزنطية، والخطوط البدينة التي تطوق الايقونات البسيطة والصلبة، هي المنظر الذي ينتصب امام العين اكثر من غيره في اعمال ماتيس، التي قام فيها باضفاء التناغمات الملونة الاكثر عنفا في اطار رسم دقيق وارادي. فقد جمع فيها ضربات موسيقية فريدة لا تطرح نفسها بفضل يقينية تناغماتها، انما بفضل توازن وقوة تكويناتها الزخرفية، كما ان اللون، المتألق بسعادة لا يجدها في اي موضع من مواضيع الطبيعة بهذا القدر من التفجر، ينتمي الى الفسيفسائيين في رافين وسالونيك كما ينتمي الى فلامينيك وديرين.

فنحن نعرف في الواقع، ان الفوفيين القدامى سعوا الى منح لوحاتهم طرق التعبير نفسها التي كان الشرق القديم يتلمسها في كثافة الموزائيك او العاج او جمالية النسيج. اذ انهم قلدوا في الطلاء الخزفي وتطريز الاوشية كل التقنيات التي تحتاجها الفخامة كي تلتحق بالجمال. وحسب مفهوم حديث جدا، تسبب للشرق بشهرة “البربرية” المزعومة طوال قرون، اراد الشرقيون ان يضعوا على لوحة الالوان، الكرامة ذاتها التي يمنحها العمل الفني الثمين لمادته الخام.

ولعل ما هو اكثر بروزا في هذا التواصل، الذي يمكن ملاحظة مؤشرات اخرى كثيرة فيه، هو ان الفنانين انفسهم شعروا باصالتهم واثبتوها احيانا. فاوتون فرياز، وحسب طريقة معروفة جدا، سرد كيف اكتشف في قطعة سيراميك فارسية “المعادل المطلق” لاحدى لوحاته، فيما اعترف ماتيس من جانبه بتناغمات تجعل بعض لوحاته قريبة من المنمنمات الاسلامية، وهي تناغمات منتقاة مع ذلك. لكنها ليست ابدا مصادفة غريبة طالما نعرف انه درس التقنيات الشرقية في نتاجاتها الاكثر ندرة، وهو ما اعترف به اكثر من مرة، حتى موريس دو فلامينك، الذي تشمئز عصاميته من التقاليد الفنية، وديرين الذي لن تذهب حساسيته المختلفة للتعبير في فن موضوعي في ما بعد، اذ وجدا نفسيهما متمتعين في فترة الفوفيين باشكال فن جعلته الاثار الشرقية مألوفاً.

من الممكن ايضا نكران ان التكعيبية لم تستخدم المعرفة الاثرية، والالحاح في ذكر الاعمال الزنجية، ازاء بعض لوحات بيكاسو الذي يمتلك قيمة الشاهد هنا. بيد ان غيوم ابولينير اعترف هو نفسه بأن المنحوتات المصرية والمتوسطية، ونستطيع اضافة بعض الروائع الحثية والسومرية والفخاريات القبرصية..الخ، كان لها تأثير كبير على الفنانين الشباب وتطلعاتهم، وهذا المشهد الذي جلبته الاثار لهم والذي اعتبروه فنا غير مكتمل بل وناقصاً بكل معنى الكلمة، دفعهم الى البحث عن حريات محفوفة بالمخاطر اكثر من تأثير كل النظريات التي حاولوا توظيفها لاحقا لتبرير ذلك الفن. في حين ان ما عرفوه بفضل تلك النظريات هو اهمية التنكر الساذج لمنظور عن العالم ينطوي في بعض لحظاته الغضة على تمثلات ضعيفة. فالعديد منهم لم يفعل شيئاً سوى استبدال العوامل التي يكابدها، هو نفسه، من سلطة الفن الشكلي عليه.

وهكذا راح بعضهم يزعم لنفسه ابتكار قيم ونماذج جديدة في حين كانت الفنون القديمة او الاجنبية قد دفعت كل ثمنها تقريبا. ففي الحقيقة فان علم الاثار الذي غدا الان موضع حذر كبير، شأن الفنانين الحقيقيين المدانين بالموت، هو الذي وبفضل انعطافة غريبة، وضع الفن الحديث على طريق النقاء. فعبر قيامه بالتعريف باقدم التقاليد الممكنة، كشف عن الطريقة امام الفن كي يكون حديثاً. لأنه بفعل شغفه بالتوثيق والبحث الدقيق، قدم للحساسيات التشكيلية دما جديدا وشعلة جديدة تقريبا. ونستطيع القول، بحدود ما، ان علم الاثار كان بالنسبة للفن فرصة لاكتساب الكثير من الجرأة، ومصدراً للخصب ولبعض الاضرار ايضا.

------------------

* منشور في مجلة الفنون الجميلة – باريس 1932

(*) اوستاش دولوراي، مؤرخ فرنسي اهتم بدراسة الفن الاسلامي وكان مدير للمعهد الثقافي الفرنسي في دمشق بين 1922 و1930.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top