خروشوف .. الإصلاح المستحيل

خروشوف .. الإصلاح المستحيل

بعد أن أنجز العديد من الكتب عن سير حياة قادة الشيوعية مثل ستالين ولينين وتروتسكي، يقدم الباحث الفرنسي المختص بالشأن السوفييتي سيرة حياة نيكيتا خروشوف مع عنوان: «الإصلاح المستحيل». ما يتذكره كُثر عن خروشوف أنه صاحب الحركة التي لم يسبقه اليها أي رئيس دولة في التاريخ،

 وذلك عندما خلع حذاءه في أثناء اجتماع للأمم المتحدة وضرب به على الطاولة للمطالبة ب«سكوت أحد الخطباء». ولكن مؤلف هذا الكتاب يُعيد إلى الأذهان أشياء كثيرة قد نسيها الجميع تقريبا أو أنهم لم يعرفوها في الأصل.  ويعتبر المؤلف في هذه السيرة أن خروشوف مثّل بامتياز، وهو ابن الأسرة الفقيرة، نموذج أولئك الجنود البسطاء الذين رفّعهم ستالين ورقّاهم، وهم الذين قادوا الاتحاد السوفييتي بعد وفاته وصولا إلى حقبة ميخائيل غورباتشوف، آخر قادة النظام الشيوعي الروسي.  بالمقابل يشرح جان جاك ماري أن خروشوف، وبعد أن واجهت البلاد في عهده أزمة خطيرة، شرع بانتهاج سياسة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. وكانت تلك السياسة بمثابة التجربة الأساسية التي شجّعت غورباتشوف على أن يقوم بالإصلاحات المعروفة باسم «البرسترويكا» و«الغلاسنوست»، أي «الإصلاح والشفافية». كذلك كان خروشوف هو القائد السوفييتي الذي أراد التصدّي لمختلف أشكال الفساد التي كانت مستشرية في آليات الدولة، وأراد أن يقلل من حدة اللامساواة في المجتمع. لكنه بالمقابل ظل حتى «سقوطه» في عام 1964 أسير نظام الحزب الواحد، الحزب الشيوعي. وفي القسم المكرّس في الكتاب للسياسة الخارجية في عهد نيكيتا خروشوف يركز المؤلف على القول أنه بذل الكثير من الجهود الحقيقية والمصممة من أجل المحافظة على الوضع الدولي كما صاغته اتفاقية «يالطا» أولا والتي ساهم في صياغتها الرئيس الأميركي روزفلت والسوفييتي ستالين ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل. أما الحدث الأكبر الذي شهدته فترة حكم خروشوف على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي قام بالكثير من الخطوات في سبيل الوصول إلى حالة من «الوفاق» معها فقد كان، أي الحدث، تراجعه أمام الرئيس الأميركي جون كندي بخصوص الصواريخ السوفييتية في كوبا. كان ذلك في عام 1962 عندما اكتشف الأميركيون بوسائل التجسس أن السوفييت كانوا قد أقاموا منصّات صاروخية في كوبا، أي غير بعيد عن الأرض الأميركية، فطالبوا السوفييت بتفكيكها وإعادتها من حيث جاءت ووصل الأمر إلى تفتيش السفن السوفييتية في عرض البحر، وبدا شبح الحرب ليس بعيدا فرضخ خروشوف وأمر بتفكيك الصواريخ وإعادتها. وكان خروشوف، كما يقدمه المؤلف، قد نجح في رفع الاتحاد السوفييتي إلى مستوى دول الصف الأول على صعيد غزو الفضاء وكان الروسي يوري غاغارين أول إنسان يحط على سطح القمر عام 1961.  وحققت البلاد في عهده تقدّما ملحوظا في ميدانين هما التنمية الزراعية وحركة بناء المساكن. هذا إلى جانب الاهتمام بتحسين الصناعات ذات العلاقة بالاستهلاك المباشر. ذلك على خلفية مقولة كان يرددها ستالين وهي أن «الماركسية المطلية بشيء من الزبدة يكون طعمها أطيب».لكن بالمقابل لم ينجح خروشوف في منع حدوث قطيعة مع الصين، في عهد ماو تسي تونغ. بل كانت القطيعة بين البلدين قد أصبحت واقعا خلال سنوات 1960-1963.  من جهة أخرى كان خروشوف قد نجح في عام 1955 بإجراء مصالحة مع الرئيس اليوغسلافي آنذاك جوزيف بروز تيتو، لكن دون أن تصبح يوغسلافيا بلادا ملحقة بالمركز السوفييتي على غرار أغلبية بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الاشتراكية آنذاك التي عرف خروشوف كيف يبقيها تدور في فلك «الأخ الأكبر» السوفييتي.  إن المؤلف يكرّس في هذا السياق عددا من الصفحات للحديث عن «النزعات القومية» التي برزت في بعض «محميّات» الاتحاد السوفييتي.وتتمثل إحدى المحطات التي يتوقف عندها مؤلف هذا الكتاب في مناقشة المقولة السائدة عن أن خروشوف هو صاحب مشروع «نزع الستالينية» كما بدا من خلال التقرير الشهير الذي قدّمه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956.  وكانت «النيويورك تايمز» قد نشرت مقاطع منه، وانتشر كالنار في الهشيم.ويرى مؤلف هذا الكتاب أن ذلك التقرير احتوى على قدر كبير من «الانتقائية» عبر تركيزه على التصفيات التي قام بها ستالين حيال أعضاء في الحزب، وتجاهله أو تناسيه ملايين الضحايا من المواطنين العاديين. وفي محصلة مناقشة هذا التقرير، وعلى ضوء الممارسات التي سادت في عهد خروشوف، يقدم المؤلف بالأحرى صورة أخرى لهذا الرجل الذي قاد الاتحاد السوفييتي خلال سنوات 1953-1964. إنها صورة أخرى غير تلك التي قدّمته حتى الآن ك«إيقونة» للإصلاح للحريّة.  تجدر الإشارة إلى أن هذه هي أول «سيرة حياة» يتم نشرها بالفرنسية لنيكيتا خروشوف، وقد اعتمد فيها المؤلف على

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top