سعاد الجزائري: الإعلامية الحقيقية تسعى لاحتلال موقعها وفقاً لأهليتها وجدارتها

سعاد الجزائري: الإعلامية الحقيقية تسعى لاحتلال موقعها وفقاً لأهليتها وجدارتها

ترى أن المنافي أخذت منها سني عمرها لكنها أعطتها إنسانيتها وحقوقها، ومنحتها الأمان

حاورها : علاء المفرجي

تخرجت من كلية الادارة والاقتصاد منتصف السبعينيات، وبدأت في كتابة القصة، قبل أن تدخل دورة صحفية أقامتها صحيفة (طريق الشعب) لتصبح محررة فيها..

غادرت العراق الى بلغاريا نهاية السبعينيات اسوة بالكثير من المثقفين اليساريين بعد حملات القمع والاضطهاد التي تعرضوا لها من النظام السابق.. ومن بلغاريا الى بيروت ثم براغ، لتستقر في لندن.. عملت في العديد من الصحف العربية.. ثم في فضائية ال mbc كمعدة لعدد من البرامج ثم في فضائية المدى .. أصدرت مجموعتها القصصية عام 2018 بعنوان (سيدة الظلمة وظلها) .

 ماهي المصادر والمراجع التي أثرت عليك في نشأتك لتختاري طريق الكتابة وتحديدا الاعلام: المكان، والاشخاص، المراجع؟

- عندما يتلمس الإنسان الحياة بوعيه البكر، غير الممزوج بفكر اجتماعي، أو سياسي، أو قومي، أو ديني وطائفي، لا بتأثير وعي الآخرين المنقول إليه وراثياً أو قسراً أو بإرادته، فإن ديمومة تأثير االبيئة الأولى على حياتنا كبير جداً، بل حتى على اختياراتنا بضمنها التوجه الفكري والسياسي وحتى الإحساس بالجمال والخير.

أنا نشأت بين رفوف وصفحات الكتب وفي محيط محب للكتب والقراءة وحتى الفن، فوالدي محب للعزف على العود ويكتب المسرحيات وأخي زهير يقرأ ويكتب وينحت، بل حتى له محاولات بالرسم، والكتب التي رأيتها في بداياتي كانت مرصوفة على رفوف في غرفة الديوان لأعمام أمي وأبي، علماء الدين الذين قرأوا الشعر ولم يحرموه، بل أجادوا في تأليفه، وقرأوا كل العلوم الأخرى إضافة للقرآن وتفسيراته، ولم يفتوا بما يخل بالإنسانية.

لا أدعي أني من عشيرة مثقفة بالكامل، لكني منذ طفولتي وجدت الكتاب في الكثير من البيوت التي سكنت ذاكرتي وأهمها بيت عائلتي...من هذه البيئة ومن أبي الذي حمل بيديه الخبز والكتاب والمجلات عند دخوله للبيت عرفت تدريجياً عالم الكتاب أولاً ثم الكتابة لاحقاً، والتأليف أخيراً.

أما الإعلام، كما كان عليه سابقاً وليس الآن، فإنه مرتبط بالثقافة وبالعلاقة بينك والكتاب، وساعدتني الصدفة التي لعبت دورها لأكون أسيرة هذا الحقل وخباياه، فقد كنت في مقتبل شبابي ناشطة في قضايا المرأة التي تعلمتها عبر نضال رابطة المرأة العراقية، المنظمة النسوية الرائدة في الدفاع عن حقوق المرأة، يومها كنا نقوم بزيارات ميدانية إلى المناطق الشعبية لإقناعهم بزج بناتهم بالمدارس، ومهمتي، إضافة إلى إقناع العوائل، كتابة تقارير عن هذه المناطق وعن مشاهداتنا لظروفهم المعيشية، وبدون درايتي صارت هذه التقارير بوابة دخولي لعالم الكتابة والإعلام لاحقاً وإلى الأبد.

رُشحت من قبل رابطة المرأة العراقية، بعد أن وجدت بعض تقاريري طريقها للنشر في جريدة طريق الشعب، إلى دورة صحفية تقيمها الجريدة سنوياً للمراسلين أو المهتمين بالكتابة الصحفية، وبعد انتهاء الدورة عُينت كمحررة في طريق الشعب، المدرسة الإعلامية المتميزة آنذاك، وتعلمت هناك أبجديات العمل الصحفي على يد كبار الصحفيين، وقد كرمني الزمن بمعرفة هؤلاء الكبار ولهم أدين بما صرت عليه الآن، منهم د. فائق بطي، والأستاذ عبد الرزاق الصافي، والأستاذ فخري كريم، والأستاذ عبد الستار الناصري وغيرهم....

أما المصدر الآخر الذي عزز ارتباطي بعالم الكتابة، فهو عالمي السري كفتاة والملغوم بالخوف والخطر، وحذري من محيط اجتماعي يجعل المرأة مرغوبة دائما ومصدر تعاسة وحذر مزمن أبداً، سحبني ذلك إلى عالم محشور بين زوايا العتمة والعيب والستر، فوجدت في عالم الكتابة المتنفس الذي أقول ما لا يريد سماعه الآخرون، فكتبت مذكراتي بلغة بسيطة وأفكار مشوشة، ومشاعر ترتجف من حروفها...كتبت الكثير من الدفاتر، فقدت الكثير منها وحصلت على ما تبقى منها بعد حوالي عشرون عاماً، قرأتها وكأنها كتبت لغيري، لكني أحببت عفوية المشاعر فيها، يومها كنت أكتب عن نفسي والآن أكتب عن الآخرين...

 هل اعطيتنا فكرة ولو مختصرة عن مسيرتك المهنية منذ منتصف الخمسينات وحتى عام 2003؟

- لا علاقة بين دراستي الأكاديمية وبين المهنة التي قضيت ثمانية وأربعين عاماً فيها، لأني تخرجت من كلية الإدارة والاقتصاد لكني عملت بالصحافة وأنا طالبة جامعية، ولم أعمل حتى الآن بأي حقل آخر غير الصحافة والإعلام المسموع والمرئي.

عملت في العديد من المؤسسات الإعلامية العراقية والعربية. فبدايتي كانت مع جريدة طريق الشعب كما ذكرت سابقا، وبعد هجرتي القسرية خارج العراق، عملت في بيروت في مجلة فلسطين الثورة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي مجلة الهلال الأحمر الفلسطيني.

فترة تجربتي في بيروت اعتبرها من أهم وأغنى محطات غربتي في أربع دول عشتها كمغتربة. قيمة هذه المدينة ليست في الجانب الإعلامي فقط، وإنما لغنى الحياة والتجارب التي عشناها في مدينة تجيد صنع وإنتاج الثقافة والحرب، الموت والحياة بنفس القدر، بيروت، مدرسة كبيرة تتعلم فيها الكثير دون وجود معلم، لأن الشارع أكبر مدرسة فيها لتنوعه البشري والسياسي ولغزارة إنتاجه الثقافي، رغم غزارة آلات الحرب والموت فيها آنذاك..

ثم انتقلت بعد بيروت إلى أوربا حيث عشت في براغ التي أغلقت أبوابها بوجهي وكسّرت كل طموح أو رغبة عندي، أكره سنين غربتي في هذه المدينة، لأني عرفت فيها أن عدوك يمكن أن يكون منك أو قريباً منك، وليس الذي يختلف عنك تماما.

في لندن استعدت نفسي وجمعت أشلائي فدخلت عالم التلفزيون لأول مرة في حياتي عبر بوابة أول فضائية عربية MBC مدرستي الثانية بعد طريق الشعب، فتعلمت فيها أبجديات عالم إعداد البرامج ومن ثم كتابة النصوص وإخراج البرامج.

نقلني الإعلام المرئي إلى عالم أوسع في مدى الكتابة ليس عبر الحروف وإنما عبر الرؤية الصورية وسحره الأخاذ...كنت أولاً، معدة لبرنامج (أنتِ) المعني بشؤون المرأة والأسرة وهو ثقافي أيضاً، ثم كاتبة نص في أكبر برنامج مسابقات بالعالم العربي (من سيربح المليون)، وبعد انتقال المحطة إلى دبي عملت كمعدة لبرنامج (الحياة امرأة) على شاشة فضائية ANN، ثم أعددت برنامجاً تلفزيونياً يبث على شاشات الطائرة، وهو عبارة عن مجلة تلفزيونية منوعة للمسافرين على الخطوط الجوية..

 فترة السبعينيات وخاصة في نصفها الاول كان من مراحل الاستقرار النسبي في العراق، وفي هذه الفترة كانت بدايتك في الاعلام ، وخاصة في جريدة طريق الشعب ، والتي كانت اهم مطبوع عراقي في تاريخ الصحافة بالعراق.. حدثينا عن تأثير العمل في طريق الشعب في بلورة نضجك الاعلامي والثقافي؟

- محظوظ من شهد فترة الصعود الثقافي والفني، والتطور الاجتماعي خلال هذه السنوات، أقصد ما بين منتصف الستينيات وإلى مننتصف السبعينيات أو بعده بقليل، فقد تألقت بغداد خلال تلك الحقبة بنهوضها على مختلف الأصعدة، على الرغم من ارتباك الحياة السياسية، وتغيير النظام آنذاك.

خلال هذه السنوات أنهيت دراستي الجامعية المحفوفة بالمطاردات والمضايقات بين اليسار وحزب البعث الحاكم، وقبل إنهاء الدراسة الجامعية بدأت عملي الإعلامي في جريدة كانت تعتبر قنبلة موقوتة في نظر الحزب الحاكم، ومن يعمل بها فهو بالضرورة مطارد ومحاصر لأنه عدو للسلطة، وحتى بعد أن تحالف حزب السلطة مع الحزب الشيوعي في مسرحية سوداء أسموها الجبهة الوطنية، والتي جعلت الوطن لاحقاً يخلو من شيوعييه وكل من صنف يسارياً بل حتى المثقفين الذين لم ينتموا إلى أي حزب، تحالفٌ دفعنا ثمنه سنوات اغتراب طويل بعيداً عن عراقنا وعن آمالنا بوطن عدنا فلم نجده حراً ولا سعيداً..

في هذه الفترة تشكّل وعيي الرافض والمشاكس بهذه البيئة وفي جريدة طريق الشعب وبتأثير من أغلب العاملين بها فقد كانت الجريدة كعدسة لامّة لأهم النتاج الثقافي والفكري، وعمل ونشر بها اسطع الأسماء الثقافية والأدبية وحتى العلمية، وبالضرورة انعكس تأثير هذا الوسط على حياتي ومهنتي ووعيي، ففي مرحلة التكون الفكري نكون كالإسفنجة نمتص من ماء المحيط الذي نتواجد فيه، ومن هذا الوسط تعلمت وشذبت كل الارتباك الذي تميزت به سنين مراهقتي التي تنقلت بين محيط ديني صرف في مدينة النجف، حيث مولدي، إلى بغداد المدينة التي اتسعت لكل التضادات الاجتماعية والفكرية والسياسية. فبهذه المدينة ولدت شخصيتي التي أنا عليها اليوم، ولبغداد أنتمي دائماً رغم أنني افتخر بالنجف التي أنجبت الكثير من الكتاب والأدباء والعلماء، المدينة التي تجاور فيها الدين مع الأدب قبل ٢٠٠٣، وبعد هذا العام افترقا على ضفتي الاختلاف.

أدين بالكثير لعائلتي، والدي ووالدتي تحديداً، لديمقراطيتهما التي لم أشهدها بأي حزب في تشكيل وعيي وحرية اختياري وفتح بوابة الثقافة أمامي، كما أدين للمنبر الفكري الذي تعلمت فيه مهنة تزوجتها كاثوليكياً وإلى الأبد، إلى طريق الشعب (آنذاك)، المدرسة التي دخلتها شيوعية بوعي مرتبك وتخرجت منها إعلامية وإنسانة ترسم خطواتها بدقة الميزان العادل، وأدين للحزب الذي تعلمت فيه أني متساوية مع الآخرين في محيطي، وأن حريتي بيدي وليس منحة من آخر، أدين لهذا الحزب رغم اختلافي معه، مثل الكثير من أعضائه ومؤيديه في جوانب تتعلق بتحالفاته والسلوك اللاديمقراطي لبعض قادته الذين قدموا كادره على طبق من ذهب لأعداء هذا الحزب، قد أختلف مع سياسته التطبيقية، لكني لن أنتمي إلا للفكر اليساري الشيوعي.

 اقترابك من اليسار العراقي وتحديدا من الحزب الشيوعي هل من كان له التأثير المباشر عليك؟ وهل تعتبرين بعد هذه السنوات ان اختيارك هذا كان صحيحا؟

- انا لست قريبة من اليسار، بل ولدت من رحمه. فعائلياً نحن عائلة يسارية تماماً، وبيتنا في مدينة النجف عام ١٩٦٣ الأسود كان مخبأ للكثير من اليساريين.

ووالدي رغم أنه عضو في الحزب الوطني الديمقراطي، لكنه فكريا وسلوكيا هو أقرب لليسار، ووالدتي كأنها شيوعية بالفطرة، وعملت فترة مع رابطة المرأة العراقية بمدينة النجف في بداية الستينيات. وعلى الرغم من أن أمي وأبي من عائلة فيها علماء دين، لكن خال أمي سُجن مع فهد سكرتير الحزب الشيوعي منذ تأسيسه وحتى إعدامه، فانتمينا نحن الأخوان والأخوات إلى الحزب الشيوعي الواحد بعد الآخر..

كان هذا ومازال الاختيار السياسي الصحيح، الذي آمنت به وبمبادئه، لكن العمل الإعلامي وعملية الكتابة تتطلب إلغاء الرقيب الأسري والاجتماعي والسياسي من ذهنك، والانتماء الحزبي المشروط بالمركزية، ونفذ ثم ناقش يتعارض مع حرية الكتابة، لذلك أنا منتمية دون شروط أو قيود حزبية، وخارج الأطر التنظيمية.

مازالت اليسارية خارطة طريقي ولن أحيد عنها لأنها اختياري الحر وأمارسها بالطريقة التي تتواءم مع حياتي ومهنتي وأتوج بها نصوصي نتاج فكري الحر غير المشروط..

 كان لك دور في الحراك الثقافي العراقي، في كتابة القصة والنقد الفني .. حدثينا عن ذلك؟

- لا أدعي بدور مهم في الحراك الثقافي، لكن لي دور في مجال حقوق الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص.

أما على صعيد النتاج الثقافي فبداياتي كانت في كتابة القصة في فترة السبعينيات حيث كتبت ونشرت قصصاً للأطفال، وبعد سنوات لاحقة انتقلت للقصة القصيرة، فصدرت مجموعتان قصصيتان عن دار المدى، الأولى؛ الهمس العالي والثانية سيدة الظلمة وظلها، وكتبت مجموعة من النصوص النثرية، ولا أقول شعراً، جمعتها لأصدرها في كتاب يحتاج إلى فحص وتدقيق، كما أنجزت وفي مراحله الاخيرة كتاب - سيرة اغترابنا منذ السبعينيات وحتى دخولي العراق عام ٢٠٠٤ لكنه لم يطبع لأسباب اختلافية مع مضمون بعض مواضيعه..

وعلى صعيد حقوق الإنسان أصدرت كتيباً بتكليف من المكتب المعني بشؤون المرأة في الأمم المتحدة عن تأثير الطائفية والإرهاب على حقوق المرأة في العراق في الفترة من ٢٠٠٣ - ٢٠٠٦

أما النقد فلم كتبه أبداً، لكني مهتمة بنشر الوعي الجمالي، والآن أتشارك مع الناقد والرسام التشكيلي خالد خضير الصالحي في صفحة الفن والنقد التشكيلي على الانترنيت، وقد أقمنا حتى الآن ٢٦ معرضاً افتراضياً لفنانين من داخل العراق وخارجه، رغم أني لست رسامة ولا ناقدة تشكيلية لكني معنية جداً بنشر الجمال في زمن انتشار القبح. إضافة إلى أهمية مد جسور الجمال بين العراقيين في منافيهم مع الوطن وبالعكس.

 قضيت جانبا كبيرا من حياتك في المنفى، ما الذي اضاف اليك ذلك، وما هو الشيء الذي سلبه منك؟

- لا يجانب الحق من يقول إن المنفى يأخذ منا فقط، عشت في أربعة مناف، بلغاريا أولا وبيروت ثانياً ثم جيكوسلوفاكيا وأخيراً لندن، صدمتي الأولى كانت بالمنفى الأول الذي لم أخطط للبقاء فيه وإنما اضطرتني الخدع السياسية التي صدّقناها يوم انقلبت الجبهة الوطنية إلى آلة سجن واعتقالات وإعدامات، وأثبتت لنا (وطنيتها) بإعدام مجموعة اتهموا بأنهم يشكلون تنظيماً شيوعياً داخل الجيش، فانقلب الحليف، حزب البعث إلى وحش كاسر يعتقل يميناً ويعدم شمالاً وبينهما ويهاجم بكل الاتجاهات، فبقيت دون إرادة مني في بلغاريا البلد الشيوعي الذي لم يستقبل الهاربين من الموت من شيوعيي العراق، لأن النظام البلغاري مرتبط بعلاقات اقتصادية وبترولية مع النظام الحاكم آنذاك واستغنى بمنتهى السهولة عن دعم وإسناد الجموع الهاربة، والتي لم يكن أمامها آنذاك إلا الزحف نحو بلغاريا عبر تركيا..هنا كانت الصدمة الأولى مع الدول الاشتراكية التي تثقفنا على أنها النموذج الذي يسكن أحلامنا. غادرتها بعد معاناة طويلة وذهبت إلى بيروت، المكان الذي أعطاني الكثير كما ذكرت سابقاً.

في بيروت تتعلم كل شيء من الشارع، مدينة الجمال والثقافة والحروب ورغم مآسيها إلا أنها منتجة ثقافياً وجمالياً، تشبه وضع العراق حالياً، حيث تتجمل قاعاتنا ومسارحنا ورفوف دور النشر بالمنتوج الجمالي رغم الخراب السياسي الذي نعيشه.. المنافي أخذت مني سنين عمري لكنها أعطتني إنسانيتي وحقوقي، ومنحتني الأمان الذي لم أجده في منبت جذري.

استفاد البعض كثيراً من اغترابه لأنه يسعى نحو المهم والمفيد، والبعض الآخر ظل أسير حزن الغربة وظل يراوح بمكانه دون أي خطوة تغيير على حياة تحجرت على ذكريات كانت يوماً ما.

فالاغتراب حالة اضطرارية وقسرية في أغلب الأحيان، لكنها ليست عائقاً أمام تطور الإانسان أينما كانت جغرافية سكنه أو عيشه.

 خلال مسيرتك الطويلة مع الاعلام والنشاط الثقافي عملت مع الكثير من الشخصيات الرائدة في هذا المجال ،من كان له التأثير المباشر عليك والذي طبع مشروعاتك ببصمته؟

- عملت في العديد من المؤسسات الإعلامية العراقية، العربية والأجنبية المعنية بالشأن العربي، وصادفت الكثير من الشخصيات التي اثرَتْ حياتي بعطائها وبمهنيتها، وبعضهم فتحوا لي بوابات التطور عبر دعمهم لي في بداياتي، أذكر منهم صادق الصائغ، فخري كريم، عبد الرزاق الصافي، ابو كاطع الذي سافرت معه أول سفرة صحفية لي، يوسف الصائغ، فاضل السلطاني الذي نشر لي أول قصة للاطفال، وصلاح نيازي الذي نشر أول قصة قصيرة لي.

اما فائق بطي شريك حياتي فقد تعلمت منه الكثير أهمها طهرانية المهنة الإعلامية واحترامها ضوابطها، وقدسية المبدأ دون وصاية أو تلقين من أحد، واحترام كل لحظة نمر بها، وأن وقت الكتابة كالصلاة يجب أن لا يقاطعه أحد، هذا الانسان قدوة لي ولغيري، لأنه كما أقول عنه دائما، (جوهرة في زمن الحجر).

اما تأثري بالكتّاب، فأنا اقرأ للجميع وخاصة الكتب التي تحصل على جوائز، لا يهمني جنس العمل أو هويته، بل يهمني قربه إلى اهتمامي وملامسته لروحي، فأنا أبكي بحضرة جمال الإنتاج الثقافي والفني، وقد أغص بالعبرة أمام لوحة أحس بجمال الصمت أمامها. فالإبداع معبد الإنسان المثقف الحقيقي والمؤمن فكراً وسلوكاً بالتنوير وأهميتة بحياتنا.

أثناء مقابلات مع شخصيات ريادية أجريت معها لقاءات تلفزيونية لبرنامج رحلة عمر لصالح لفضائية المدى، كدت أركع أمام عظمة إنتاجهم، خاصة وأن بعضهم نشأ في بيئة فقيرة جداً، لكنه أبدع في نتاجه الذي وضعه في مصاف أغنى الأغنياء فكراً وروحاً وأثراً.

وأكثر من تأثرت به وأُدين له بما أنا فيه هما أمي وأبي، فمنهما جذري وبذرة الخير والعطاء زرعاها بروحي..إنهما أهم مدرسة بحياتي وإيماني بفكرهما النقي والمتطور علمني أن الإبداع ليس في تأليف كتاب أو صياغة قصيدة أو رسم لوحة، بل الإبداع الأهم في تربية الإنسان وزرعه خيّراً ليثمر عطاء.

 بماذا تفسرين انحسار دور المرأة ان كان في مجال الاعلام او الثقافة، وهل ترين وجودها الان قادر على منافسة الرجل في ذلك؟

- لا أتفق مع الرأي القائل أن دور المرأة الآن انحسر إعلاميا، بل العكس هو الصحيح، لأن الفرص المتاحة أمام (باربيات) الإعلام لم يشهدها الإعلام العراقي من قبل، فتراهنّ يتلقين تدريبهن الأولي في عيادات التجميل ومن بوابة العيادة إلى استوديوهات الفضائيات عبر قنوات المسؤولين الحزبيين، ولا سيما أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تُدار الآن من قبل مدراء لا علاقة لهم بهذا الحقل وإنما احتلوا كراسي الرئاسة فيها وفقا للمحاصصات الطائفية والزبائنية السياسية، قانوننا السائد الآن.

أما الإعلامية الحقيقية فتريد أن تحتل موقعها وفقاً لأهليتها وجدارتها وتحترم بالتالي مهنتها وكرامتها وهذه المواصفات غير مطلوبة في زمن بات الإعلام فيه مهنة الذين لا مهنة وكفاءة عندهم.

ومع هذا فما زلنا في زمن لا يمكن لأحد إزاحة الآخر عن موقعه الذي احتله بكفاءته وتفوقه الإعلامي أو الثقافي، فما زال تمييز الغث من السمين فاعلاً، ولم يفقد الوسط الثقافي والإعلامي الحقيقي أهليته للفصل بين الإبداع الحقيقي وبين السيئ والأسوأ.

وككل زمن مضطرب سياسياً تطفح على السطح فقاعات قصيرة العمر وزوالها أسرع من ظهورها..

ثقافياً، يتفوق الرجال في كل الحقول على نسبة النساء وهذا لا يقتصر على العراق فقط بل عربياً وحتى عالمياً وهذا سببه عوامل كثيرة اجتماعية وتاريخية.. ولا مجال للتوسع بهذا الموضوع ضمن سؤال، لأنه مرتبط بالكثير من الأمور تاريخياً وحتى وقتنا الحاضر...ومع ذلك شهد العراق في الفترة الأخيرة ظهور كاتبات وشاعرات وروائيات إضافة الى الرسم والنحت وباقي الفنون، وهو ظهور له حضوره المؤثر في الساحة الثقافية.

كما أن القيمين على المهرجانات الثقافية والفنية بدأوا يولون اهتماما مشهوداً بالابداع النسائي الذي في حالة سيرورة دائمة.

 اين تجدين نفسك في الإعلام المكتوب، المسموع أم المرئي؟

- بدأت بالاعلام المكتوب ومررت سريعا بالمسموع لكني أجد نفسي بالاعلام المرئي، فاللصورة وقعها المؤثر على المتلقي، وضمن العمل التلفزيوني كنت ايضا كاتبة نصوص للبرامج مما جعلني على تواصل مع الكتابة بكل اشكالها.

والكتابة للصورة تختلف كليا عن الكتابة الاذاعية التي تتطلب تجسيد الصورة عبر الكلمة، في حين يختزل الاعلام المرئي هذا الوصف، لأن الصورة تغني عن أي شرح.. أحب الوقوف خلف الكاميرا، ومعاينة إنفعال الضيوف وتفاعلهم الانساني، وكم من كبير وعظيم بكى وهو يتحدث عن طفولته، او فقره، او عن فقدان محب، تلك المشاهد.ستبقى معي مدى الحياة. الكاميرا ليست آلة فقط، بل هي كائن يمتص عواطف ومشاعر الاخرين، وأنا مولعة بالتصوير الفوتوغرافي، لكني لا أجيد إستعمال الكاميرات الأحترافية... قراءة وجه انسان أو حدث عبر الصورة أعمق أثرا من الكتابة عنه، لذلك أميل الان الى الصورة او اللوحة اكثر من النصوص.. وأحب وجودي خلف الكاميرا وليس أمام عدستها، وعندما طُلب مني أن أقدم البرامج رفضت، لأني من هواة خلف الكاميرا.

 بماذا منشغلة سعاد الجزائري الان؟

- انتهيت خلال فترة كورونا من كتاب عن مسيرة الاغتراب، ولأني انتقد فيه بعض ما مررت به خلال تجربتي السياسية يرتئي بعض المقربين إعادة النظر به، والحقيقة لا أود ذلك، لأن كشف الأخطاء لا يعني الإساءة بل هو تقييم لتجربة، وكل تجربة يجب أن تخضع للتقييم. هذا الكتاب بدأت به عام ٢٠١٠ وربما قبله، ثم تركته لأكثر من أربع سنوات، إنجازه كان أشبه بعملية ولادة عسيرة... أنتظر رحيلي لينشر كما هو دون تغيير.

كما أني جمعت نصوصي النثرية في كتاب أنتظر عرضه على أصدقاء لتقييم صلاحية نشره، لأني أهاب النشر وكأني مازلت طالبة تنتظر أسئلة الامتحان ودرجتها النهائية.

وسأتفرغ فترة لمونتاج مقابلات تلفزيونية مع شخصيات مهمة لم تبث ورحل الكثير منهم، مقابلات تطرح سيرة حياتهم كما سردوها لنا وستبث على موقع مؤسسة المدى وعلى اليوتيوب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top