حفرّيات في تاريخ الفن: الربّ اليونانيّ بوسيدون والرب البابليّ أبسو و(الفالة) العراقية

حفرّيات في تاريخ الفن: الربّ اليونانيّ بوسيدون والرب البابليّ أبسو و(الفالة) العراقية

شاكر لعيبي

يثير اسم الرب اليونانيّ بوسيدون عدة أفكار، منها ما يتعلق بعلاقته باسم الرب البابلي أبسو من جهة، ورمحه الثلاثيّ بـ (الفالة) الفلاحية العراقية من جهة أخرى.

بوسايدن أو بوسيدون Poseidon أو بوزيدون هو إله البحار والعواصف والزلازل والخيول. وهو أحد أرباب الأولمب الإثني عشر في الديانة والمثيلوجيا اليونانية القديمة، كان يُكرّم باعتباره الإله الرئيسي في بيلوس وطيبة. وكان لديه أيضا لقب «مزلزل الأرض». في أساطير أركاديا كان مرتبطًا بديميتر وبيرسيفوني وقد تمّ تبجيله كحصان، ولكن يبدو أنه كان في الأصل إلهاً للمياه. بضربة من رمحه أنشأ ينابيع أرتبطت بكلمة حصان. وفي المثيلوجيا الرومانية نبتون هو نظيره الرومانيّ. يُمثَّل الرب اليوناني بوسيدون في الأيقونوغرافية اليونانية وهو يحمل الرمح ثلاثيّ الشُّعَب. انظر مثلا الشظية الخزفية الكورنثية التي تمثل الرب بوسيدون Poseidon يحمل رمحه، من عام 550-525 قبل الميلاد. تأتي من بنتيسكوفيا Penteskouphia في كورنثيا، اليونان. الأبعاد: الارتفاع 7.7سم، العرض 7.3سم، القطر 0.7سم. محفوظة في متحف اللوفر، قسم الآثار اليونانية والإترورية والرومانية، تحت الرقم (CA 452).

انطلاقا من (الفالة) العراقية، وهي أداة من أدوات الحقل البسيطة عند فلاحي جنوب العراق، ومقاربتها بالشوكة الثلاثية لربّ البحار اليونانيّ، لعلنا نتوصّل منطقياً إلى نتيجة مفادها أن الرب بوسيدون قد يكون نسخة يونانية من الرب البابليّ أبسو Abzu، apsû. الفارق أن شوكة بوسيدون ثلاثية بينما الشوكة العراقية اليوم رباعية. أضف لذلك أن الاسمين يُصوِّتان بأصوات قريبة من بعضها: بوسيدون، أبسو (لاحظ المشترك الصوتي: بوسيدو، بسو). لكن، نلاحظْ أن ربّة الفوضى والعماء الرافدينية «تيامات Tiamat» قد عرفتْ باسم «ثلاتي» Thalattēالكلمة اليونانية التي تعني البحر: ثلاسا thalassa، من ثلاتا Thálatta. وهناك أكثر من برنامج تلفزيوني أوربي عن علوم البحار بهذا العنوان. الكلمة الأكدية للبحر هي تامتو tâmtu التي تتابع الشكل المبكر تعامتوم ti’amtum. هذا قد يعني باختصار أن مفردة البحر اليونانية ثلاسا موصولة أيضا بأصل رافدينيّ شديد الوضوح.

الرب أبزو Abzu أو أبسوapsû، لم يُسَمَّ رباً إلا في ملحمة الخلق البابلية «إينوما أليش». وفيها أنه قد خُلق من ماء منعش وأنه عاشق للربة تيامات (تعامتوم) خالقة المياه المالحة.

النتيجة إن التواصلات الميثيولوجية والصوتية ممكنة للغاية بين أبزو Abzu أو أبسو apsû وبوسيدون Poséidon، وتيامات وتلاتا (ثلاسا). إذا كان شكل (الرمح – الفالة) يبدو للبعض قليل الإقناع، فإن التقاطعات الصوتية لا تبدو كذلك البتة.

الرب اليوناني صاحب الشوكة الثلاثية من أصول رافدينية؟ هل من إفراط في الفكرة؟ لا إفراط في تواصلات الثقافات ما قبل التاريخية واستعاراتها من بعضها البعض، وثقل الحضارة الرافدينية المعروف جيداً في هذه العملية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top