منصّة  معنى  الفلسفية .. بقعة ضوء في مواجهة ظلام الأصولية

منصّة معنى الفلسفية .. بقعة ضوء في مواجهة ظلام الأصولية

لطفية الدليمي

واحدةٌ من سمات الكائن البشري أنه كائن فلسفي. قد تخمد بعضُ جذوة المساءلة الفلسفية فيه عندما تتناهبه متطلباتُ إدامة الوجود البيولوجي ؛ لكن سرعان ماتستعيد روح التفكّر الفلسفي بعض جذوتها فيه عندما يتجاوز انشغالات إدامة وجوده في هذا العالم .

بدأت شواغل الفلسفة – كما نعرفها في أقلّ تقدير – مع الأطروحات الفلسفية الإغريقية التي انطوت على تمايزات جوهرية صار معها من الممكن تصنيف طريقة التفكير الفلسفي في الإنسان بأنها طريقة أفلاطونية أم أرسطوية. شهدت الدفقة الفلسفية بعضاً من الانكفاء مع تعاظم حركة التنوير الأوروبي وصعود نجم التفكير العلمي والثورة الصناعية، ثم عدّلت الفلسفة مسارها بحيث تتناغم مع مفاعيل التغييرات الثورية التي جاء بها العلم والتقنية ؛ وهنا أراد بعضُ المفكرين والفلاسفة مع بدايات القرن العشرين قصر الانشغالات الفلسفية على وقائع اختبارية محدّدة وخاضعة للقياس حتى باتت الفلسفة من وجهة نظرهم أقرب إلى مبحث علمي. لم يقتصر الأمر على محاولة بعض الفلاسفة تحويل الفلسفة إلى «فلسفة علمية خالصة» ؛ بل راحوا يدرسون المحدوديات الكامنة في اللغة وحدود التفكير البشري المحكومة بهذه المقيّدات اللغوية، وكان من نتائج ذلك أن تغوّلت الفلسفة العلمية التي نشأت من تعاضد الفلسفة التحليلية (أو فلسفة التحليل اللغوي كما تسمى في الأدبيات الفلسفية) مع الفلسفة الوضعية المنطقية إلى حدّ باتت معه الأخلاقيات والميتافيزيقا ومباحث الفلسفة التقليدية تعدُّ مباحث غير منتجة. ظلّ أمر الفلسفة على هذه الشاكلة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم حصلت انعطافة كبرى عقب تلك الحرب وفي العقود اللاحقة التي تلتها، ولعلّ من المثير أن نشهد نوعاً من شيوع الاهتمام العالمي بالفلسفات التقليدية (مثل الرواقية) ومحاولة إحيائها بعد دراستها على ضوء مباحث معرفية جديدة (مثل علم النفس المعرفي). الإنسان كائن ميتافيزيقي بعد كلّ شيء ولن يقنع بترتيب وجوده البشري ضمن نطاقات العلم والنظرة العلمية، وثمة قناعة سائدة بأنّ العقلانية العلمية الكاملة تنطوي على تبخيس وإفقارٍ لجوهر ميتافيزيقي كامن في روح الإنسان .

ماذكرته أعلاه كان أقرب لخريطة موجزة للتطور الفلسفي الذي حصل في العالم الغربي ؛ أما في عالمنا العربي فالمعضلات أكبر من محض تغوّل الفلسفة العلمية على حساب التفكّر الفلسفي العام. الفلسفة في العالم العربي تعاني وطأة التغوّل الأصولي (الديني والعُرفي) فضلاً عن قتل كلّ مكامن الدهشة الفلسفية التي تنشأ في بواكير الطفولة. لن يكون أمراً غريباً أو مستهجناً إذا قلنا أنّ العقل الفلسفي العربي بات محاصراً بجحافل الظلاميين حتى لكأنه بات يختنق !!. من جانب آخر، وعلى الطرف المضاد من الصورة الكئيبة المعتمة، سيكون لأي جهد فلسفي عربي فضلُ الاضافة الريادية وإطفاء حرائق العقل والروح المشتعلة لدى التوّاقين للمساءلة الفلسفية الرصينة وتحريك مكامن الحفر الضارب في أعماق الرثاثة الفكرية السائدة. إنّ أي جهد – مهما تصاغر – سيبدو كبقعة ضوء واعدة في محيط الظلام العربي.

متعة عقلية كبيرة (مصحوبة بدهشة تنم عن إعجاب مستحق) إعترتني وأنا أطالع بعض المواد المتاحة للقراءة المجانية في النسخة الإلكترونية من المطبوع الجديد « المجلة السعودية للدراسات الفلسفية» (SJPS)، في عددها الأول لسنة 2021، وقد تكفل الموقع الإلكتروني لمنصة «معنى» الثقافية بهذا المشروع الفلسفي في سياق جهد ثقافي يمكن الاطلاع عليه في الموقع الإلكتروني لهذه المنصة.

تمثل «المجلة السعودية للدراسات الفلسفية» الذراع الأكاديمية المحكومة بمقاسات صارمة معروفة في عالم المجلات الأكاديمية المُحَكّمة ؛ لكن هذه الصرامة الأكاديمية هي محض جانب واحد من الحكاية وليست الحكاية كلها ؛ فثمة أيضاً أبوابٌ أخرى متخففة من هذه الصرامة رغم أن كاتبيها (عرباً وأجانب) معروفون بقدراتهم الفلسفية الرفيعة وإمكانياتهم في مخاطبة العقل البشري في كل تشكلاته الذهنية والنفسية، وأشير بخاصة إلى النسخة المعربة من مجلة الفيلسوف الجديدNEW PHILOSOPHER .

يضم موقع «معنى» حوارات ممتازة مع بعض الفلاسفة المعروفين على مستوى العالم، وأشيرُ بالتخصيص إلى الحوار مع الفيلسوف دانييل دينيت Daniel Dennett الذي يوصف دوماً بأنه الصديق المحبوب للعلماء بسبب أبحاثه التي تلامس الجبهات المتقدمة لبعض أقدم الموضوعات الفلسفية، وأعني بذلك معضلة الوعي. Consciousness من المثير تاريخياً الإشارة إلى الحقيقة التالية: شاعت في العقود الأولى من القرن العشرين حتى ستينياته جهود عالمية موجهة تسعى إلى إشاعة نمط مما يمكن تسميته (فلسفة علمية)، وقد تجذر هذا المسعى، وتعمقت أدواته لدى بعض أعضاء حلقة فييناVienna Circle الذين أثمرت جهودهم عن نشأة الفلسفة الوضعية المنطقية - ذلك الاتجاه الفلسفي الذي أراد أن يكون فلسفة عصر العلم، وسعت الوضعية المنطقية إلى إحداث ثورة على المستوى الفلسفي طالت الاشتغالات الفلسفية التقليدية، وأثمرت كشوفات فلسفية جديدة لعل حركة التحليل اللغوي Linguistic Analysis والنزعة التحليلية Analiticity في الفلسفة بعامة تعد أهم معالمها، وقد ساهم فلاسفة مثل برتراند راسل Bertrand Russell ولودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein في قيادة رَكْب هذه الفلسفة. هذه تفصيلات يجب أن يكون العقل العربي على معرفة بها لأنها تمثلُ جزءً من العدّة المفاهيمية اللازمة لكل إنطلاقة علمية وتقنية واقتصادية. التحفيز الفلسفي للعقل البشري هو حجر الزاوية لبدء أي مشروع نهضوي حقيقي: هذه حقيقة تنبؤنا بها سياسات التنمية العالمية وكبار صانعي الستراتيجيات النهضوية في العالم.

بشّر كثير من العلماء بموت الفلسفة (في مقدمتهم الفيزيائي الراحل ستيفن هوكنغ)، وقصدوا بهذا الموت ضرورة ابتعاد الفلسفة عن مقاربة الموضوعات الوجودية الأساسية الثلاثة الخاصة بأصل كل من الكون والحياة والوعي، وفي منطقتنا العربية ساهم فلاسفة مرموقون من العيار الثقيل (في مقدمتهم الراحل زكي نجيب محمود) بالتبشير بسيادة عصر الفلسفة الوضعية المنطقية (وله في هذا الشأن كتابان مهمان: الفلسفة الوضعية المنطقية وخرافة الميتافيزيقا)، كما بشّر بموت كل الفلسفات الأخرى بصفتها غير علمية. أظن أن شيوع الجهل والخرافة والأصوليات الدينية هي الأسباب التي دعت هذا الفيلسوف إلى إعلاء شأن هذه الفلسفة وتسخيف ماسواها إلى حد صارت معه الفلسفة الوضعية المنطقية تمثل أصولية مقابلة للأصوليات السائدة.

لعلّ كثيرين منا - من المشتغلين في الحقل الثقافي على وجه النخصيص - يشهدون ملامح الدعوة إلى الفلسفة وتنشيط العقل الفلسفي في بيئتنا العربية، وقد اتخذت هذه الدعوة شكلاً أقرب إلى الصحوة الفكرية التي تسعى إلى وخز مكامن الجمود والاستكانة في العقل العربي الذي عانى كثيراً تحت سطوة المواضعات الثقافية والمجتمعية السائدة. إنّ مثل هذه الدعوة محمودة في متبنياتها العامة ونبل المقاصد الساعية إليها ؛ لكن هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي يمكن الإشارة إليها، وفي التفاصيل يكمن الشيطان اللعوب كما تنبؤنا الأمثولة المعروفة .

أولاً: لاينبغي تصور أن تحريك جذوة الدرس الفلسفي (على صعيد التعليم والثقافة العامة معاً) هو تعويذة «افتح ياسمسم» التي ستفك لنا مغاليق الانسدادات التي نعانيها على صعيد العلم والتقنية، وبالتالي ستمكننا من اعتلاء ناصية اقتصاد المعرفة الكفيل بفتح نوافذ جديدة للتمكين المالي - للدولة والأفراد معاً - بعيداً عن مظاهر الاقتصاد الريعي التي تمسك بخناق معظم مجتمعاتنا العربية. الذائقة الفلسفية التي يحركها عقل فلسفي مدرب على مساءلة الثوابت في كل جوانب الحياة هي ذائقة لازمة لتحقيق تثوير حقيقي في الإنجاز العلمي والتقني وولوج بوابة اقتصاد المعرفة وعتبة الثورة التقنية الرابعة ؛ لكن هذه الذائقة وحدها ليست كفيلة بتحقيق هذه المقاصد النبيلة التي لاتتحقق إلا بتوافر عناصر أخرى يمكن دراستها في أدبيات التنمية المستدامة.

ثانياً: نسمع كثيراً عن أهمية الفلسفة وضرورتها في إحلال المياه النقية محل المياه الراكدة ؛ لكن ماالفلسفة المنشودة لتثوير العقل العربي؟ مايلاحظ في الأدبيات الفلسفية السائدة في جامعاتنا وثقافتنا العربية هو كونها تتموضع في ثلاثة أشكال معروفة: فذلكات تأريخية أقرب إلى الهوامش الخاصة بتدوين الوقائع التاريخية الخاصة بفلسفة محددة، أو فلسفة تتصادى مع بعض جوانب تراثنا الذي ما كانت فيه الفلسفة سوى شكلٍ مضمرٍ من الثقافات السائدة، أو رطانات لغوية هي في أغلبها ترجمات مبتسرة لبعض الفلسفات الموصوفة بـ «ما بعد الحداثية» التي سادت في القارة الأوروبية (فرنسا بخاصة) بعد الحرب العالمية الثانية. ادعت هذه الفلسفات إحداث «قطيعة إبستمولوجية» مع الفلسفات السابقة لها عبر تعشقها مع الثورات الحديثة في اللغة وعلم النفس الإدراكي... إلخ ؛ لكن ما حصل لاحقاً هو انكفاء تلك الفلسفات في مواطنها بينما لايزال لدينا بعضُ مَنْ يتوهم في نفسه القدرة على نفخ الحياة في جسم ميت عبر تلال هائلة من الرطانات اللغوية التي لا تكاد تتمايز عن رطانات أخرى تسود قطاعات واسعة في مجتمعاتنا .

ثالثاً: عند إحياء الفلسفة في بيئتنا لابد من الانتباه إلى حقيقة شيوع ماأصبح يدعى «الثقافة الثالثة» - تلك الثقافة التي تتجاوز محدوديات كل من الثقافتين الكلاسيكيتين العلمية والأدبية نحو ثقافة تخليقية جديدة توظف الأفكار المستحدثة في الحقول المعرفية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وأصول الكون والحياة والوعي البشري، والنظم الدينامية المعقدة، والتعلم الآلي، والبيولوجيا التطورية. هناك دعوة باتت تشيع في العالم الغربي مفادها أن الفلسفات التي سادت في بداية الألفية الثالثة ماعادت قادرة على التناغم مع متطلبات الثورة الرابعة، وبسبب هذا شاعت مقولة «موت الفلسفة» ! إذن، علينا الانتباه منذ البدء إلى ضرورة البدء بتكريس الأطروحات الفلسفية المتناغمة مع الثورات العلمية والتقنية في عصرنا بدلاً من جعل الفكر الفلسفي ينزوي في جزيرة معزولة.

أرى أن المسعى الجوهري للفلسفة في عصرنا الحاضر (عصر الثورة التقنية الرابعة) يكمن في تقديم الفلسفة دروساً وأمثولات معيارية للعيش الطيب والحياة الخيرة، فضلاً عن تقديمها عزاءات للإنسان تمكنه من مواصلة حياته المتخمة بألوان التراجيديا الوجودية المؤلمة، وربما يمكن تلمس مصداقية هذه القناعة في حقيقة الزيادة المذهلة لقراء الكلاسيكيات الفلسفية الإغريقية (وبخاصة المحاورات الأفلاطونية والملاحم الإغريقية المعروفة)، إلى جانب الكلاسيكيات الفلسفية التي سادت عصر النهضة الأوروبية والتي تشهد قراءات متنامية لم تخفت جذوتها على مر السنوات، كما يمكن الاستفادة من بعض مصنفات تراثنا الفلسفي العربي الذي يزخر بإشراقات فلسفية لامعة لا يمكن تجاوزها من جانب كل عقل فلسفي شغوف.

حياتنا أكبر من أن تكون رهينة لمنتجات العلم والتقنية، ولابد من إضفاء نكهة فلسفية على وجودنا الإنساني منذ سنوات النشأة الباكرة، وكلما نجحنا في تثبيت أركان التساؤل الفلسفي المقترن بدهشة اكتشاف الأسرار الخبيئة في وجودنا الإنساني كان هذا المسعى استثماراً حقيقياً للرأسمال البشري سنشهد نتائجه في سنوات (أو ربما في عقود) مقبلة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top