الرواية العربية حين تفقد الصنعة .. القارئ والبوكر وخُفي حنين

الرواية العربية حين تفقد الصنعة .. القارئ والبوكر وخُفي حنين

د. نادية هناوي

منذ القدم والسرد حاجة اجتماعية يُشبعها الإنسان بالكلام من خلال: أولا سارد يحكي لأفراد مجموعته مؤثراً فيهم بما يملكه من موهبة أو قريحة فارضاً سطوته عليهم،

وآخراً مجموعة تتلقى سرد الحكايات مستمتعة ومذعنة للسارد. وكلما تطورت البشرية وتنوعت وسائل العيش وتعقدت، تبدلت أساليب السرد وصنوفه فمن الشفاهية إلى الكتابية ومن الخيالية إلى الواقعية، وصارت للسرد قواعد وحدود معروفة يكتب السراد على وفقها.

وعلى مر العصور وأشكال الكتابة السردية تتنوع؛ فتشذب بعض منها وتحدد في قوالب غدت أجناساً معروفة تناقلتها الأجيال وبنت عليها أو غيرت في بعض أسسها. فكانت الرواية هي الجنس السردي الحديث الذي تمخض عن الملحمة. ومنه تفرعت أنواع سردية كثيرة على منوال من المسميات والتوصيفات التي بها يلبي الكتّاب متطلبات الواقع الموضوعي ومقتضيات التجريب الفني والجمالي.

ولا تختلف الرواية العربية الراهنة المكتوبة في العقدين المنصرمين من القرن الواحد والعشرين عن مثيلاتها الغربيات مع فارق في طبيعة الظروف ومتغيرات الحياة، فاستهوت الكتّاب العرب الرواية الواقعية مع تجريب الميتاسردي والميتاتاريخي والفنتازي والعجائبي وقليلا الخيال العلمي انطلاقا من حقيقة أن السرد يتناسب طرديا مع طبائع البشر وصنوف الحياة.

وحياتنا العربية اليوم ملأى بالخيبات فالعولمة تكدها والنزعة الاستهلاكية تجهدها والتبعية الثقافية ترهقها. ومن الطبيعي جداً أن تكون الرواية مثقلة بكل هذه الهموم نفسيا واجتماعيا ووجوديا وفكريا.

وما دام المتلقون يعايشون ما يعيشه الكاتب ويشاطرونه الوجود فلا فرق إن قرر الهرب من هذه الهموم بالأحلام والأوهام أو اختار الالتصاق بالواقع والاستسلام لمنغصاته.

وعلى الرغم من ذلك، فإن للرواية الراهنة بعض الخصوصية التي تميزها عن رواية القرن العشرين. وقد تبدو هذه الخصوصية لبعض المهتمين ايجابية وقد تكون سلبية، تبعا لما يستندون إليه ويعتمدون عليه من معايير في فحص وضع الرواية العربية الراهنة وتقييمها.

ولنقف عند واحد من تلك المعايير وهو معيار الجوائز ومنها جائزة البوكر العربي كسباق يتيسر على الجميع المشاركة فيه إذ لا شروط محددة له ومن ثم يمكن لأي هاو أن يكون في صف واحد مع كاتب محترف تمرس بالكتابة الروائية وفنونها ليس ذلك حسب، بل يمكن لدور النشر أن تدخل الميدان فترشح أي عمل روائي تراه مناسبا مما تنتجه من منشوراتها.

ولكن هل يمكننا فعلا أن نقيّم وضع الرواية اليوم كميا من خلال عدد الأعمال المرشحة، ونوعيا من خلال ما يتمخض عن التسابق من روايات عشرين أو عشر أو خمس أو واحدة هي الفائزة وفيها نتوسم تلك الخصوصية التي تميز رواية اليوم عن رواية الأمس متطلعين إلى رواية الغد؟

لا جواب منطقياً لأن هذا السؤال بشقيه غير منطقي أصلا؛ إذ كيف نطمئن إلى سباق ونترك سياقات أخرى ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند تقييم أية رواية .

ولا مرية في أن محصلة من يتخذ سباق البوكر معياراً تقييمياً هي أن الحظ وحده هو المسيّر للرواية العربية. وفي هذا العام كان الحظ حليف رواية( خبز حار على طاولة الخال ميلاد) عنوان طويل لرواية هي الأولى لكاتبها الليبي محمد النعّاس.

ومقومات هذه المحالفة الحسنة تتمثل في واقعية الرواية وموضوعها الاجتماعي وبطلها /السارد الذاتي( ميلاد) الضعيف والمهزوز الذي يقع فريسة التعارض بين ما يحمله من وجهة نظر ذكورية وبين ما يمارسه ويعايشه يوميا مع النساء( زينب وصباح وهنادي وصالحة ومريم ) وتأثره بتصرفاتهن كأم وأخوات وزوجة.

وبسبب هذا التعارض تضطرب شخصيته، فنجده تارة يرى المرأة منقصة وعيبا وينظر إليها بدونية وتارة أخرى نجده قانعا بتأدية الأدوار الانثوية، يمارس الأعمال المنزلية عن طيب خاطر، مصوراً حاله امرأة شكاءة بكاءة كثيرة الترقب والقلق، محبة للشجار وخائفة من الفضيحة وترغب دائمة في الانتحار والاتكال والخيانة. ويزداد شعوره بالتذبذب فتتأزم حياته نفسيا ويتلبسه الشعور بالتعاسة لا بنظرته المنتقصة والمزدرية لحاله كزوج بليد وإنسان مرعوب وإنما أيضا بنظرة الآخرين الأخلاقية المرتابة فيه.

ولا شك في أن موضوعا كهذا مطروح كثيراً؛ فلقد كثرت الروايات التي يحمل أبطالها وجهات نظر ذكورية. ومع ذلك يمكن للموضوع المألوف أن يبدو جديدا إذا حاول الكاتب تجريب وسائل فنية غير مألوفة يبتكرها أو يتفنن في استعمال المبتكر منها داخل روايته.

فهل جرّب محمد النعاس استعمال وسائل أعطت موضوعه الجدة المرجوة وفتحت أمام بطله امكانيات تجعل في تعبيره عن وجهة نظره دفاعاً عن أبناء جنسه ؟

لقد حاول محمد النعاس أن يكسر مألوفية هذا الموضوع الاجتماعي من خلال اقحام ذاته المؤلفة في السرد بشكل مباشر لاسيما في بدايات الفصول أو المقاطع، مخاطبا القارئ ومستفزا إياه بتكراره اسم ( المدام )، موحيا له أنها على دراية بالأحداث كلها من أولها إلى آخرها( لعل المدام أخبرتك ببعضها فقد قصصت عليها كل ما اذكره عنها)ص10 أو ( ليست هذه بداية قصتي حسب ما أخبرتك المدام)ص7 .. لكن هذا الاقحام خلخل وظيفة السارد الذاتي وخاتله وأثّر في متانة تحبيكه. ولو ترك الكاتب سارده يهيئ لظهور هذه الشخصية لكان أمر الكشف عن حقيقتها في نهاية الرواية تلقائيا وطبيعيا.

وصحيح أن الأمثال الشعبية الليبية التي بها استهلت فصول الرواية تدعم وجهة النظر الذكورية فهي تنتقص المرأة وتنظر إليها بوصفها خطيئة وعارا، لكن هذه الأمثال بمجموعها لم تأت بشكل مدمج يماهي المحكي الشعبي في المتخيل السردي، بل جاءت كنصوص خارج سردية في الأغلب، يضعها الكاتب ثم يتبعها بشرح معناها على هذه الشاكلة(الفرس على راكبها يعني أن المرأة تتخلق بأخلاق زوجها وأنه هو الذي يربيها بعد أبيها.) هذا فضلا عن نسيانه حقيقة أن كثيرا من الأمثال الشعبية العربية حول المرأة تغيرت وتهرأت ولم تعد تصلح لاطلاقها على المرأة اليوم.

أما العبارات التي يتكرر فيها ذكر( الاخ القائد) فبدت محشورة داخل السرد حشرا بمناسبة ومن دون مناسبة مثل( قبل أن يمتطي الأخ القائد جواده بعام ليحرر البلاد من العملاء والخونة والقواعد الأجنبية كما علمونا في المدرسة...الأخ القائد أراد لسعر الخبز ان يكون موحدا في كل أنحاء البلاد) ص7ـ9 أو قوله :( هذا لا يعني أنني انتقد الأخ القائد فقد حرر ليبيا من سلطة الأجنبي لكني واثق من انه لا يعلم حقيقة ما يحدث في البلاد)ص39 محاولا بذلك أن يداري على توزع السرد بين الايروتيكية والواقعية ومع ذلك خانه الترميز اولا لوضوحه وثانيا لانتفاء الجرأة في طرحه بسقوط رمزية المسمى وانتهاء فاعليته السياسية والواقعية.

ولان الاعتياد صار طاغيا على السرد في الفصلين: الاول وعنوانه( المخبز ) والثاني وعنوانه( المعسكر) غيّر السارد نهجه فعمد الى الايروتيك لكسر الرتابة وهو ما أنساه ما ابتدأ به من أحداث حول عمل( ميلاد )في المخبز وعلاقاته بأبيه وعائلته.

وبسبب هذا النسيان كاد الفصل الثالث أن يقسم الرواية الى قسمين لولا أن المؤلف تدارك الأمر وعاود الرجوع الى جادة الموضوع الرئيس. وكلما انزلق السرد نحو الايروتيك في الفصول اللاحقة عاد البطل إلى الموضوع متبرما وشاكيا من وضعه كرجل يتصرف بميوعة ويتصنع تعنيف المرأة معتقدا أن هذا التصنع هو الذي يعيد له رجولته.

ولقد أثر التأرجح غير المتوازن بين الجسدي والواقعي في التحبيك ولم تنفع خاتمة الرواية في تمتينه، لا بسبب معتادية النهاية التراجيدية بقتل البطل زوجته الخائنة وخيانتها مع واحدة أخرى بل لعدم منطقية ارتكاب القتل بقصد الحب(الحب ينتصر في النهاية) واستحالة الخيانة بقصد انتاج الخبز( لنتذوق خبزنا الان نضعه على الطاولة بعد ان نأكل يمكننا ان نرى زينب فهي لا تزال نائمة في غرفة النوم لنأكل: صحتين) الرواية، ص202

بذلك تنتهي الرواية ولم ينفع شكلها الفني في التعبير عن محتواها الموضوعي أو يتمكن السارد من إلباسه حلة جديدة، فجاءت وجهة النظر الذكورية متعالية ومثالية بكثير من التصنع الذي جعل الشخصية النسوية ـ وهي الأكثر في الرواية ـ سلبية وغير فاعلة ودونية.. ومن ثم فقدت الرواية صنعتها الفنية وخسرت رسالتها الموضوعية وقد خرج قارئها منها بخفي حنين.

فإلى متى يظل الكاتب العربي منغلقاً داخل قمقم الذكورية والألفية الثالثة تفعل فعلها المستمر في إزالة كثير من الفوارق الاجتماعية والجندرية ما بين الرجل والمرأة، وصار ما هو واجب على الرجل واجباً على المرأة وبالعكس، بل أن بعض الاستثناءات في التمايز بينهما أخذت هي الاخرى تتقلص تدريجياً مع تقدم عجلة التكنولوجيا وتقلّص فرص الإنسان في أن يكون له دور فاعل في هذه العجلة. 

تعليقات الزوار

  • محمد الأحمد

    الحق أقول لقد اسهمت مقدمة المقالة بتحليل اضافي يفتح افاقا تحليلية تجاه روايات اخرى، يتسم ابطالها العرب بالازدواجية والضعف تجاه وجودهم وحقوقهم.. لقد احسنت الاشارات، وحقا كامت رواية رائعة تستحق الفوز والوقوف،

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top