ماذا قال كيسنجر في دافوس؟

آراء وأفكار 2022/06/06 11:27:07 م

ماذا قال كيسنجر في دافوس؟

 د. جاسم الصفار

في 24 ايار عقدت النخب الغربية آمالها، في المنتدى الاقتصادي في دافوس على بطريرك الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر، ليشير نحو حل للازمة المستعصية التي قادتها اليها القرارات العبثية لقادة بلدانهم. فما الذي أشار به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الذي يحتفل بعيد ميلاده التاسع والتسعين، في خطابه الى النخب الغربية، وهل ستتقبل تلك النخب وجهة نظره التي تتقاطع مع رؤياها وأهدافها؟

مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، الحائز على جائزة نوبل للسلام هنري كيسنجر، الرجل الذي قاتل طوال حياته المهنية ضد الاتحاد السوفيتي والذي لطالما دافع عن المصالح القومية الأمريكية لم ينتظر الغرب منه اليوم، أن يبرر لوجهة النظر الروسية. فاذا كان الغرب يفترض قبل 50 عامًا احتواء الاتحاد السوفيتي واضعافه، فإن المصالح الغربية، وفقًا للبطريرك، تتطلب الان تسوية مع موسكو. علاوة على ذلك، من حيث الجوهر، اقترح كيسنجر حل وسط بشأن نفس الشروط التي عرضتها روسيا على الولايات المتحدة في النصف الثاني من عام 2021 - أوائل عام 2022.

قال كيسنجر “كانت روسيا جزءًا أساسيًا من أوروبا لمدة 400 عام، وتأثرت السياسة الأوروبية خلال هذه الفترة بشكل أساسي بتقييمها لدور روسيا. أحيانًا كمراقب، وفي أحيان أخرى كضامن أو أداة لاستعادة التوازن الأوروبي. يجب أن تأخذ السياسة الحالية في الاعتبار أنه من المهم استعادة هذا الدور حتى لا تضطر روسيا إلى تحالف دائم مع الصين «.

لذلك، يؤكد كيسنجر إننا بحاجة إلى العودة إلى اقتراحه لعام 2014، الذي تمت صياغته بعد شبه جزيرة القرم ودونباس: “سيكون المخرج المثالي هو ان تكون أوكرانيا دولة محايدة، جسر بين روسيا وأوروبا، وخط فاصل بينهما. “ وذكر أن هذا الاحتمال “غير موجود حاليًا بنفس المعنى، ولكن لا يزال من الممكن اعتباره هدفًا نهائيًا»:

المهم هنا ليس أن كيسنجر لا يؤمن بهزيمة روسيا، ويدعو إلى المفاوضات معها، بل المهم بالنسبة لكيسنجر الحفاظ على دور رئيسي للغرب في النظام العالمي. تكمن المشكلة في أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا بدأت بعد أن تجاهل الغرب، والولايات المتحدة في المقام الأول، مطالب موسكو بمراعاة مصالحها المشروعة، والعودة إلى مبدأ الأمن المشترك غير القابل للتجزئة. كيسنجر أشار الى حل لهذه المشكلة.

«يجب أن تبدأ المفاوضات في غضون الشهرين المقبلين - قبل ظهور الصدمات والتوترات التي سيكون من الصعب للغاية التغلب عليها. أصبح الاتفاق على العودة إلى الوضع السابق أمر مثالي “ - قال كيسنجر. مضيفا “إذا استمرت الحرب، فلن يتعلق الأمر بحرية أوكرانيا، ولكن بحرب جديدة ضد روسيا نفسها...»

وعلى أي حال، فبما أن الخطأ الاستراتيجي قد ارتكب، لابد من التضحية بجزء من الأراضي الأوكرانية، كحد أدنى، من أجل تطبيع العلاقة مع روسيا. “كيسنجر يقول إن أوكرانيا يجب أن تتخلى عن جزء من أراضيها لروسيا لإنهاء الحرب”، هذا ما ورد في عنوان رئيسي لصحيفة واشنطن بوست. وفقا للصحيفة، فإن “الوضع السابق الذي ذكره كيسنجر... يعني العودة إلى الوضع الذي سيطرت فيه روسيا رسميًا على شبه جزيرة القرم، وبشكل غير رسمي – على المنطقتين الشرقيتين لأوكرانيا، لوغانسك ودونيتسك.” علما، بأن وسائل الإعلام الغربية مازالت تتجنب الحديث عن الأراضي المحررة في خيرسون، وكل زابوروجيتس تقريبًا، وأجزاء من مناطق خاركوف ونيكولايف، والتي، وفقًا لعدد من الخبراء، لن تعود إلى أوكرانيا أيضًا.

بطبيعة الحال، قوبلت كلمات كيسنجر بالسخط من قبل قادة أوروبا الشرقية والأوكرانيين. ممثلو هذه البلدان حاولوا التظاهر بأن رأي كيسنجر مبالغ فيه، وجهة نظر لرجل يبلغ من العمر 98 عامًا. ووصفت كييف كيسنجر بأنه “مثير للذعر في دافوس”. الا انه، لسوء حظ كييف وأوروبا الشرقية، فإن كيسنجر ليس وحيدا بأي حال من الأحوال في مطالبته بالاتفاق مع روسيا.

ففي الولايات المتحدة، يعتقد جميع السياسيين الواقعيين، مثل جون ميرشايمر، ستيفن والت، دميتري سايمز، تشارلز كابشان، الذي، بالمناسبة، كان المستشار الخاص لرئيس الولايات المتحدة للشؤون الاوربية في إدارتي كلينتون وأوباما، وكذلك المساعد الخاص للرئيس السابق دونالد ترامب دوك بيندو، يعتقدون أن الناتو يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الأزمة، وهناك طريقة واحدة فقط لإنهائها - مراعاة مصالح روسيا، والدخول في حوار استراتيجي جاد معها والاتفاق على السلام في أوكرانيا على أساس مقبول للطرفين، حسب ما ذكره دميتري سوسلوف، الخبير في الشؤون الاوربية لصحيفة فيزكلاد الروسية.

انهم يتفقون جميعًا على أن الموقف الذي عبرت عنه إدارة بايدن “حرب حتى انتصار أوكرانيا واستنزاف روسيا” خطير، وفي النهاية غير مفيد للولايات المتحدة نفسها. أولا لأنه محفوف بالتصعيد. ثانيًا، إنه لا يهتم بمصير أوكرانيا، التي سيتم تدميرها في عملية حرب الاستنزاف. ثالثًا، لأن هذا الموقف يقوي الانقسام داخل الغرب ويضعف موقف الولايات المتحدة خارج العالم الغربي.

وكلما طال أمد العمليات العسكرية في أوكرانيا، كلما ارتفعت أصوات أولئك الذين ينتقدون الإدارة الأمريكية لنهجها تجاه القضية الأوكرانية. من بين هؤلاء الذين يسمون هذا النهج خطأ فادح، أولئك الذين لا يمكن تسميتهم مؤيدين أو حتى متعاطفين مع موسكو.

في نفس سياق كلمة كيسنجر، نُشرت مقالة افتتاحية في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان رئيسي هام: “الحرب في أوكرانيا تزداد صعوبة وأمريكا ليست مستعدة لذلك “. بحسب الصحيفة، “ليس من مصلحة الولايات المتحدة التورط في نزاع واسع النطاق مع روسيا، حتى لو كان على أوكرانيا تقديم تنازلات جدية في اتفاقية السلام”. وسيتعين على الولايات المتحدة التراجع عن اهدافها، لأن “انتصار أوكرانيا العسكري الحاسم على روسيا، والذي ستعيد أوكرانيا خلاله جميع الأراضي التي استولت عليها روسيا منذ 2014، ليس هدفًا واقعيًا”. و “يمكن للتوقعات غير الواقعية أن تجر الولايات المتحدة إلى أبعد من ذلك في حرب طويلة الأمد ومكلفة.” وتضيف الصحيفة، أنه “إذا تحول الصراع إلى مفاوضات حقيقية، فسيتعين على القادة الأوكرانيين اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن الأراضي، باتت ضرورية لأي حل وسط».

بالطبع يمكن لأوكرانيا أن تقاوم وترفض. لذا، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، “مع استمرار الحرب، يجب على السيد بايدن أن يوضح للرئيس فلاديمير زيلينسكي وشعبه أن هناك حدًا للمدى الذي ستذهب إليه الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ضد روسيا. من الضروري أن تستند قرارات الحكومة الأوكرانية إلى تقييم واقعي لقدراتها ومدى الدمار الذي يمكن أن تتحمله أوكرانيا «.

نعم، حتى الآن ترفض إدارة بايدن الأخذ بهذه النصيحة. وتواصل واشنطن اتباع سياسات غير مسؤولة ومحفوفة بالمخاطر. ولا غرابة في ذلك، بما أن المؤسسة السياسية الأمريكية الحالية قد تكونت من أشخاص نشأوا في بيئة محددة للغاية، تم تشكيلها في ظروف لم يكن للولايات المتحدة فيها منافس، عندما كانت أمريكا قوة مهيمنة عالمية ولم تواجه تهديدات وجودية. عندما كان يعتقد أن القيم الأمريكية ستصبح حتمًا عالمية. لذا قد تحتاج هذه الإدارة الى وقت أطول وتضحيات أكبر قبل أن تضطر إلى اتباع سياسة خارجية واقعية تستند إلى فهم ميزان القوى والتهديدات التي تواجهها.

في الواقع، يمكن أن تسير عملية التجديد بشكل أسرع - من خلال المؤسسات الانتخابية. كلما زادت مشاركة الولايات المتحدة في الأعمال العدائية، كلما تم إرسال عشرات المليارات من الدولارات إلى جيوب الأوليغارشية الأوكرانية، وتبعا لذلك تتزايد الأسئلة التي سيطرحها المواطنون الأمريكيون على البيت الأبيض.

«الأمريكيون غارقون في الازمة الأوكرانية، لكن الدعم الشعبي للحرب بعيدًا عن الشواطئ الأمريكية لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. بالنسبة للناخب الأمريكي، يعتبر التضخم مشكلة أكثر اهمية من أوكرانيا، وستزداد المشاكل في أسواق الغذاء والطاقة العالمية “، كما كتبت صحيفة نيويورك تايمز. ويعتقد الخبراء أنه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في تشرين الثاني\ نوفمبر، سيعبر الأمريكيون عن اتفاقهم مع رأي هنري كيسنجر.

تعليقات الزوار

  • عمرو ابوراجح خلف الله

    فعلا النيتو من تسبب في الازمه أسراره لضم أرض كانت محسوبةعلي التراب الروسي قديما أما أمريكا كانت ملزمه تسير في خطي حليلها الأوروبي ولكن الأمر تعلق حاليا بمقاعد هؤلاء في أقرب انتخابات

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top