دور السينما في بغداد الثلاثينيات

دور السينما في بغداد الثلاثينيات

غالب وشـاشهذه المقالة ليسـت متكاملة عن دور السـينما في بغداد بقدر ما هي عرض سـريع لتاريخ هذه الدور وتأثير السـينما على الناس وخصوصاً في فترة ازدهارها (منذ منتصف الثلاثينيات إلى منتصف السـتينيات) وانطباعات وذكريات عن تلك الفترة سـمعتها وعشـتها.

 أنها محاولة لرسـم صورة لبغداد أرجو أن أوفق في تقديمها وليعذرني القارئ إذا أخفقت أحياناً أو شـدني الحنين إلى الاسـترسـال أحياناً أخرى.تفتحت العيون على أعمدة شـارع الرشـيد كأنها الحرس الذي يدفع أذى الزمن عن قلب الحبيب شـارع الرشـيد لا يزال هو الدواء عندما أشـعر بالضيق أقذف بنفسـي بين أحضان هذا الصديق القديم الوفي واقبل بعيني معالمه العزيزة الحيدرخانة و الشـورجة وبيت اللنج وحافظ القاضي والمربعة والسـنك وسينما روكسـي وأتجاهل التغيير الذي حدث وأشـعر أن شـركة اسـطوانات كولومبيا ومخزن بايونير وسـينما الحمراء لا تزال في مكانها وأتخيل أن سـينما الرشـيد لم تهدمها يد قاسـية وأن المقهاة البرازيلية لا تزال ملتقى المثقفين ومحبي الأدب والفن والمعرفة وإن سـينما برودواي تعرض أفلامها مع اهتزاز الكراسـي كلما مرّ باص المصلحة واسـتمر في مسـيري وأشـم رائحة أشـهر بائع باسـطرمة على الرصيف المقابل وأتحسـس جيبي لأتأكد من وجود النقود التي سـأدفعها لأبكار مارتين مقابل إعداد (البكنشـرشـو والبكنشـركوار) أو أشـتري بها أدوات الرسـم من (مخزن النعمان).وهذه سينما روكسـي ترى ما هي الملصقات الجديدة التي أخذت مكانها على الجدران ومثل ماء النهر ينتهي بي المطاف إلى البحر بحر باب الشـرقي والسـاحة الصغيرة وبشـجرتها القديمة تشـير إلى سـينما الملك غازي وكأنها الملكة وحولها حاشـيتها.. سـينما التاج والنجوم وميامي وديانا ودار السـلام وأدخل شـارع الملك غازي بأجوائه الشـعبية الحلوة وهذه الوجوه العراقية الودودة وأزقته التي تحمل تاريخ الحبيبة.. تاريخ بغداد من باب الشـيخ إلى محلة الفضل وما وراءها وأحاول الاسـتمرار في تخيلاتي وأوهامي ولكن أنقاض سـينما الشـرق تعيدني إلى الواقع.. الواقع الذي حول سـينما الفردوس الشـتوي إلى مطعم والصيفي إلى مخزن أخشـاب وجعل من سـينما مترو مخزناً كبيراً.وأعود إلى الوراء إلى أيام الأربعينيات والخمسـينيات عندما كانت مدينتي تحتوي على أكثر من ثلاثين داراً للسـينما تعرض إنتاجاً عالمياً متنوعاً وكان ارتياد دور السـينما يشـكل حدثاً يومياً أو أسـبوعياً مهماً ومظهراً من مظاهر الحياة الاجتماعية عند الشـعب العراقي وخصوصاً جمهور العاصمة بغداد والمحافظات الرئيسـة (البصرة والموصل والحلة) بل أن السـينما كانت تشـكل عند كثير من أفراد الطبقتين العاملة والمتوسـطة المنفذ الرئيس للترفيه (والثقافة إلى حدٍ ما) وكان تأثيرها كبيراً في تشـكيل الذوق النسـائي من الملابس والإكسـسـوارات إلى تصفيفة الشـعر، وكان من الطبيعي أن تجد تفصيلة فسـتان ليلى مراد أو جوان كرونورد أو نوعية قماش تابير نور الهدى أو أمينة رزق منتشـرة بعد عرض الفلم، وكانت جولييت أشـهر عاملة تصفيف شـعر (كوافيرة) عند الجابي تتردد على السـينما باسـتمرار لتسـتطيع تلبية رغبات صاحبات الذوق الجميل.ولكن ليس هناك داعٍ لأن نسـبق الزمن ولنعد أولاً إلى سـنوات الثلاثينيات والى أشـهر دور السـينما وقتذاك. سـينما رويال يذكرها الكبار دائماً وتكاد تلمس نبرة الحب والحنين في أصواتهم وهم يلفظون الاسـم. سـينما رويال الصيفي كانت مشـيدة على أرض الركن الأيمن من الشـارع المؤدي إلى الجسـر العتيق (جسـر الشـهداء الآن) وقد أصبحت فيما بعد سـينما الحمراء (الصيفي) ثم سـينما القاهرة (الصيفي) أيضاً قبل هدمها وإقامة عمارة كبيرة تحتوي على موقف سـيارات ومخازن ومكاتب تجارية. وأمامها يقف الآن تمثال الشـاعر الرصافي.في ذلك الوقت كانت هناك سـينما الوطني التي لا تزال في مكانها حتى الآن في منطقة سـيد سـلطان علي أمام أورزدي‌ باك (شـركة المخازن العراقية) وكذلك سـينما (سـنترال) التي كانت تمثل البناية المقابلة لشـركة حافظ القاضي ويفصلها عن المصور أرشـاك زقاق يؤدي إلى شـارع النهر وقد بقيت السـنترال إلى سـنة 1935 حيث افتتحت بعد التجديد (سـينما الرافدين) في يوم السـبت الثالث من آب 1935 بفيلم (جزيرة الكنز) وقد اسـتمرت إلى الأربعينيات ولكن مسـتوى أفلامها هبط بعد افتتاح عدة دور حديثة وبدأت تعرض بعض الأفلام العربية وأفلام (جابك والي) و (عنتر والي) الهندية.وأتذكر حادثة طريفة في سـينما الرافدين فقد زارنا بعض القرويين من قرية صغيرة اسـمها (أبو تمر) وكان معهم امرأة متوسـطة العمر وطلب منا الأهل أن نأخذها لمشـاهدة (السـينما).وجلسـنا في (لوج) وأمامنا الشـاشـة الكبيرة وبدأ عرض الفيلم كنا نحن نراقب الضيفة ونرى انفعالاتها وهي تتبع ما يدور على الشـاشـة من مواقف إلى أن جاء مشـهد قطار سـريع وكان بعيداً ثم أخذ القطار يقترب بمشـهد (كلوز آب) وملأ الشـاشـة وسـمعنا صرخة مدوية وعويلاً وأضيئت الأنوار فإذا بالضيفة جالسـة على أرض اللوج خوفاً من القطار وهي تولول وضجت السـينما بالضحك بعد أن جاء الشـرطي وعرف الجميع أصل الحكاية وعادت المرأة إلى قريتها ورفضت أي دعوة لزيارة بغدا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top