من الخارج: تدهور الحضارات الإنسانية ..لماذا ؟

آراء وأفكار 2022/06/23 12:21:46 ص

من الخارج: تدهور الحضارات الإنسانية ..لماذا ؟

 جان بول ديفوس *

ترجمة : عدوية الهلالي

مجتمعنا الذي أعماه النمو على وشك الانتحار..كما ان تدهور الحضارات الانسانية يأتي من خلال التقاطع بين الديناميكا الحرارية والاقتصاد فنحن محكومون بالانقراض بسبب الرؤية التدميرية للنخبة المالية.وتقابل الديناميكا الحرارية فرعًا من الفيزياء يدرس السلوك الحراري للأجسام ،

وبصورة أدق تشرح علم المستقبل. بمعنى آخر ، وبشكل أعم ، فهي مهتمة بالطاقة (الداخلية) وتحولاتها. ويمكن معرفة الانحدارات الحضارية باستخدام النموذج الديناميكي الحراري لفهم مبادئنا الاقتصادية فما الصلة بين انحدار الحضارات والأرصاد الاقتصادية - الديناميكية الحرارية؟

في كتابه (الثروة الافتراضية والديون ، حل التناقض الاقتصادي )، الذي نُشر عام 1926 ، يعتبر فريديريك سودي المال متغيرًا وهميًا (الثروة الافتراضية). وعلى العكس من ذلك ، فإن الثروة الحقيقية هي (ثروة الطاقة) التي تحترم قوانين الحفظ في العلوم الفيزيائية.

وقد وجد توماس والاس ، الذي كان مهتمًا بنظريات تطور الحضارات ، أنه لا أحد يستطيع تفسير سبب تدهور كل الحضارات المعروفة في تاريخ البشرية. وذات يوم ، عثر على كتاب فريدريك سودي ، عن طريق الصدفة وجعلته قراءته يدرك أنه إذا كانت النظريات المذكورة غير كاملة فذلك لأنها تفتقر إلى دلائل فيزيائية تستأثر باستهلاك الطاقة. ومن خلال دمج هذه المعايير مع النماذج السابقة ، اقترح توماس والاس في كتابه نموذجًا موحدًا لتطور الحضارات والذي يفسر سبب انتهاء الحضارة المزدهرة حتمًا بالانحدار.وهذا لا يعني تدمير الطاقة فأحد المبادئ الأساسية للفيزياء هو الحفاظ على الطاقة. لكنها تعني تغيير شكل الطاقة. فلا يمكن استخلاص العمل المفيد اقتصاديًا إلا من مصدر طاقة متاح.

وجانب آخر هو قانون ريكاردو الخاص بتناقص الغلة: فعندما يتم إتقان مصدر جديد للطاقة ، نبدأ دائمًا باستهلاك المصادر الأكثر قابلية للاستخدام ، بينما تميل إنتاجية هذه المصادر إلى الانخفاض بمرور الوقت من خلال استغلالها.وخير مثال على ذلك هو الزراعة فقد بدأ الفلاحون بزراعة أكثر الأراضي خصوبة قبل أن يتحولوا ، مع تنمية المناطق المزروعة ، إلى أراض أقل خصوبة. وحتى أكثر الأراضي خصوبة ، مع تكثيف المحاصيل ، فقدت خصوبتها ، مما أدى إلى استخدام الأسمدة من أجل الحفاظ على المحاصيل الزراعية ، بل وزيادتها.

وبطريقة مماثلة ، بدأت البشرية باستخدام أكثر مصادر الطاقة التي يمكن التحكم فيها بسهولة: بصرف النظر عن الطاقة الفطرية التي يمكن أن يوفرها جسم الإنسان ، كانت هناك النار، من عصور ما قبل التاريخ ، ثم الطاقة الحيوانية وقوة الرياح للملاحة ، وطاقة الشلالات .. لاحقًا جاء المحرك البخاري ، الذي كان الدافع وراء الثورة الصناعية واستغلال مصادر الطاقة غير المتجددة الأحفورية ، ومؤخراً الطاقة النووية.ولكن إذا كان التمكن من مصدر طاقة جديد متأخرًا تاريخيًا عن مصدر آخر ، فذلك لأن هذا الإتقان أكثر تعقيدًا. ويمكننا أن نستشهد اليوم بمشروع ITER الذي يهدف إلى إنتاج الكهرباء ليس عن طريق محطات الطاقة الانشطارية النووية ، ولكن عن طريق محطات الطاقة الاندماجية (التي لم تعد تنتج نفايات مشعة). إنها ليست أقل من إعادة تكوين الشمس في صورة مصغرة.

ووفقًا لتوماس والاس ، فإن حالة البداية هي حالة ما يسمى بالحضارة الإقطاعية ، أي أنها تتكون من عائلات وعشائر وقبائل لا تنتج سوى ما تستهلكه. فلكي تتطور الحضارة ، يجب أن تكون هناك عقلية إيثارية سائدة. لذلك تتطور التجارة والتجارة وتتضاعف فرص الربح. نتيجة لذلك ، تتناقص عقلية الإيثار تدريجياً لصالح عقلية أكثر أنانية ومادية. وعندما تصبح العقلية أقل إيثارًا ، يجب وضع المزيد والمزيد من اللوائح والقوانين للحفاظ على العمليات اللازمة للتنمية المشتركة التي أدركها الناس تلقائيًا من قبل. فكلما أصبح المجتمع أكثر ازدهارًا ، زادت الطاقة التي يجب أن يكرسها لعمله ، على حساب الطاقة المستثمرة في تكوين الثروة المستقبلية حتى اللحظة التي تصبح فيها موارد الطاقة المتاحة غير كافية. ، مما يؤدي إلى التدهور.

ولكن هل ما يقال إن الصدمات المناخية الكبرى (التي كانت طبيعية سابقاً ، لكنها تسارعت اليوم بطريقة بشرية المنشأ) كانت سبب تدهور العديد من الحضارات وما هي الأسباب الرئيسية لانحطاط الحضارات؟

يرى ارنولد توينبي ان “المجتمع لا يموت أبدًا لأسباب طبيعية ، ولكن دائمًا ما يموت بالانتحار” ، فالعواقب المباشرة أو غير المباشرة للاستثمار غير الملائم لرأس مال الثروة والطاقة ، وإساءة استخدام الموارد الطبيعية ، والسلوك البشري الحسي بدافع من القيم المادية للجشع والقسوة “.بالطبع اذن ، يمكن دائمًا محو الحضارة من الخريطة من خلال كارثة كبرى. لكن لحسن الحظ ، لم يكن هناك شيء مماثل منذ العصور القديمة للتاريخ البشري ، وإذا بدت الحضارة وكأنها قد استبيحت بسبب حدث خارجي ، فهي في الواقع قد تم التهامها بالفعل من الداخل. على سبيل المثال ، لم يكن صعود المسيحية هو الذي تسبب في سقوط الإمبراطورية الرومانية ، ولكن بسبب تحول الإمبراطورية الرومانية إلى صدفة فارغة ، وتحول السكان بشكل كبير نحو البيئة.ولكن يؤدي الاستهلاك المفرط وغير المناسب للموارد الطبيعية إلى إنتاج مستوى مفرط من التلوث الذي يؤدي إلى تدهور نظامنا البيئي.فماهي البدائل التي اقترحها توماس والاس لتجنب تدهور مجتمعنا؟ وهل هو حاصل بالفعل كما يقول بعض علماء الانهيار؟

يلاحظ توماس والاس أن العوامل الثلاثة الموجودة بشكل منهجي خلال مراحل تدهور الحضارات هي: عدم المساواة في توزيع الثروة ، والديون ، وعدم ثقة السكان تجاه “النظام الحالي وقيادته”. لكنه يعطي ملاحظة صغيرة من الأمل في مرحلة ما من خلال تحديد أن الانحدار كان بالتأكيد حتميًا حتى نهاية القرن التاسع عشر عندما لم تكن قوانين الديناميكا الحرارية معروفة بعد ، لكن الأمر مختلف اليوم والسؤال هو ما إذا كانت هذه المعرفة ستتمكن يومًا ما من تعديل السلوك البشري بطريقة تمنع الازدهار الاقتصادي من جر عقلية الإيثار نحو المادية والجشع ، ونحو إدارة غير معقولة ومدمرة لموارد الطاقة والمواد الأولية.

هناك أيضًا تحليلات مثيرة للاهتمام للحالات التاريخية للصعود والهبوط. وهكذا ، أدى صعود المجتمع الأمريكي إلى ظهور المجتمع اليوم بفردانيته المتطرفة التي أدت ، من بين أمور أخرى ، إلى تدمير التعليم العام والمستشفيات العامة والخدمات الاجتماعية بشكل عام. وبالتالي ، فإن مبادئ الاقتصاد العلمي تقترح “من خلال نهج فريد ، حلا قابلا للتطبيق على المدى الطويل لحل التحدي التاريخي الذي يجب على البشرية التغلب عليه اليوم للبقاء على قيد الحياة ، وهو تحد بيئي ومرتبط بشكل عام بمشاكل التنمية البشرية. اذ كشف والاس والنماذج السابقة لتطور الحضارات عن ثلاثة احتمالات:الأول هو استمرار عملية الانهيار حتى الانهيار التام أي زوال الحضارة والثاني هو الوصول إلى ما يسمى بحالة التعظم التي تعيش من أجلها الحضارة ولكنها لم تعد تشهد تطورًا ثقافيًا واقتصاديًا وهذه هي حالة الحضارات الآسيوية من الكونفوشيوسية حتى نهاية القرن العشرين.والثالث هو الانتعاش وهذا هو حال الحضارة الغربية اليونانية الرومانية مع سقوط الإمبراطورية الرومانية وظهور المسيحية. وفي مثل هذه الحالة ، تحدث الأحداث التي تحول العقلية السائدة لإعادتها إلى المزيد من الإيثار وإنشاء نظام اجتماعي جديد أقل تعقيدًا وأقل استهلاكًا للطاقة. والملاحظ انه وحتى يومنا هذا ، عبر تاريخ البشرية ، تعايشت الحضارات المتمايزة جيدًا على الأرض. فعندما تكون أحداهن في حالة تدهور أو حتى تنهار ، يمكن أن تكون الاخرى مزدهرة.ومع وسائل النقل والاتصالات الحديثة وظاهرة العولمة التي ولّدتها ، لدينا لأول مرة في التاريخ توحيد نسبي للحضارات يمكن أن يؤدي إلى التراجع أو حتى الانهيار العالمي. إن جائحة كوفيد -19 هو مثال على حادث سبب اضطرابًا اجتماعيًا واقتصاديًا على نطاق كوكبي ولا يمكننا حتى الآن قياس مدى عواقبه المستقبلية.

والنقطة المهمة الثانية هي أنه ، باستثناء وقوع كارثة كوكبية كبرى من شأنها أن تمحو حتى بيانات التاريخ البشري الماضي ، إذا اختفت الحضارات ، فإن إنجازات العلم باقية وتستمر المعرفة والتقنيات البشرية في التطور. لذلك ، مع المستوى الحالي للتكنولوجيا وسكان العالم ، لأول مرة في التاريخ ، يستطيع البشر تدمير النظام البيئي الذي يعيشون فيه.فقد استندت نزعة الأسلاف إلى التوفير والمصلحة العامة ، والعمل من أجل المجتمع. لكن هذا النهج لم يعد مناسبًا في الدول الرأسمالية التي نعرفها حاليا.

* متخصص في الديناميكا الحرارية والاقتصاد

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top