جوائز الدورة ال56 لمهرجان كارلوفي فاري..الأولوية للاشتغالات السينمائية والمضامين للهامش

جوائز الدورة ال56 لمهرجان كارلوفي فاري..الأولوية للاشتغالات السينمائية والمضامين للهامش

كارلوفي فاري: قيس قاسم

في دورة أُريد لها أن تَمحي بقايا آثار وباء كورونا عن سابقتها من دورات تزامنت تواريخ انعقادها مع موجة من الهلع سادت العالم وأثرت سلباً على النشاط السينمائي،

وبشكل خاص المهرجانات ذات الطبيعة الجماهيرية مثل كارلوفي فاري، المتميز باستقطابه جمهوراً واسعاً لعروضه وفعالياته، وبفضل حضورهم اللافت يُعد من بين أكثر المهرجانات العالمية شعبية. حماسة منظميه لاستعادة حضوره العريق، تَظهر في الدورة ال56 من خلال استحداثهم مسابقة جديدة أطلقوا عليها اسم “بروكسيما” (ترجمة تقريبية: الآتي) من خلالها يريدون توفير مساحة عرض اضافية للأفلام الجيدة، غير المتبارية على جوائز مسابقته الرئيسة “كرة الكريستال”. وفي مسعى للتوافق بين الكثير المتوفر لديها، تحشد الدورة أكثر الأفلام المعروضة في مهرجانات عالمية مثل كان وبرلين، في قسم “آفاق” المنفتح على سينمات عالمية متنوعة الاتجاهات والاهتمامات، وبهذا توفر لجمهورها فرصة مشاهدة تلك الأفلام المهمة من دون المساس بحيوية مسابقاته الرسمية التي يراد لها أن تظل حامله لروح المهرجان الشرق أوربي، والذي طالما ميز نفسه عن بقية المهرجانات، باختياره جديد سينما تلك البقعة من الجغرافية الأوربية، ضمانا لوجوده بين مهرجانات الفئة “A”، والمشترطة توفرها على عدد من العروض العالمية الأولى في كافة مسابقاته. في مسابقة (بروكسيما) حصل وثائقي المخرجين التشيكيين أديلا كومريزي وتوماش بوويار؛ “استعراض المواهب الفنية” على جائزة أفضل فيلم، أما جائزة لجنة تحكيمها الخاصة فأعطيت لفيلم “لا بيتا” للمخرج الإسباني إدواردو كازانوفا. جائزة المسابقة الرسمية (كرة الكريستال) كانت من نصيب الفيلم الروائي الكندي الإيراني “صيف مع أمل”، للمخرجة صدف فروخي، فيما حصلت التشيكية بياتا باكانوفا على جائزة أفضل إخراج عن فيلمها “كلمة” ضمن نفس المسابقة، التي منحت لجنة تحكيمها جائزتها الخاصة للفيلم الإسباني “عليك أن تأتي وتراه” ليوناس ترويبا.

المشترك بين أغلب جوائز الدورة، هو انحيازها للجمالي والفني، وترك المضامين للهامش، يظهر هذا الميل في الفيلم الفائز بكرة الكريستال “صيف مع أمل” بوضوح. قصة السباح الشاب أوميد (الممثل مهدي جورلاني) لا تتجاوز محاولته مع والدته تقويم خطأ وقعت فيه اللجنة المعينة لاختيار السباحين في مسابقة محلية داخل القاعات المغلقة. ما يزيد من إصراره على المطالبة بحقه، وصول دعوة رسمية له للمشاركة فيها، لكن المشكلة تكمن في أن اسمه غير وارد في سجلات منظمي المسابقة. سبب حذف اسمه ربما هو الجانب الاشكالي الذي تتعمد مخرجته احاطته بضبابية تدفع المشاهد للمشاركة في وضع تصور أوضح له من عندياته. الدعوة للمشاركة في كتابة وصوغ النص والمتن الاشكالي متاح للمتفرج، له الحق في قراءته وفق ما يفهمه من مسار سردي يتصاعد ببطء، ليصل لذروة درامية تكشف عنفا سلطويا لا يتحمل احتجاج شاب في مقتبل العمل يحاول معاندة “فعل الحذف” وتحقيق عدالة، بمعونة صديق له بنفس عمره، وبإصرار أم تريد لابنها أن يحصل على ما يريده ويبعد عنه حكما عائليا مسبقا بأنه لا يصلح للقيام بأي عمل مفيد. عبر هذا التوصيف يتقدم النص المتأني برؤية بليغة لمشكلات مرحلة عمرية يغلب عليها التهور والمزاجية. لا مدربه ولا عائلته يصبرون عليها. الكل يريد تجنب مواجهة محتملة مع “سلطة” غامضة. مغامرته لخوض سباق مواز يجري في مياه مفتوحة يضعه في مواجهة رموز سلطة تقدم على مقتل صديقه. الخوف من منازلة خاسرة مع السلطة تدفع عائلته للتفكير بترك منزلها خشية من تعرض الشاب إلى عقوبة تتجاوز عقوبة تقديمه للمحكمة بتهمة خرق القانون وتعريض ممتلكات الدولة للخطر. كتابة “صيف مع أوميد” صبورة، معالجة برؤية إخراجية نقدية، تُغلب الجمالي على المتن الاشكالي من غير أن تُضيعه تماما. في السياق السردي تأتي الإشارات والدلالات الداخلية المعبرة عن خلل سياسي واجتماعي بنيّوي، الفرد فيه مسلوب الإرادة إزاء هيمنة سلطوية شديدة القسوة، تطارد المحتج عليها دون مراعاة لأي اعتبار، فكل معاندة لها لا بد من قمعها بقوة نظام لا يمانع في توريط نفسه مع شاب كل ما يريده هو تحقيق ذاته بفعل رياضي بسيط. المشهد المُكَون من الحادثة البسيطة يغدو شاملاً، يعزز معنى أن تكون السلطة شمولية في بلد ما. هذا يحصل مع المحامي التشيكي فاسلاف فويش (حصل بطله مارتن فينغر على جائزة أفضل تمثيل رجالي) لحظة رفضه الانتساب للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي.

بعد أحداث ١٩٦٨ودخول القوات السوفيتية لمدينة براغ، تحرك الحزب لكسب الشخصيات المهمة وذات السمعة الجيدة لصفوفه بالقوة، والتهديد. من سوء حظ المحامي أن تكون شخصيته مطابقة للشروط تلك، وعليه أن يتحمل أعباء موقفه السابق الذي رفض فيه الموافقة على سياسات الحزب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. مخاوفه بعد رفض التوقيع تتضاعف ويوصله قلقه إلى مشفى للأمراض العصبية والنفسية. السلطة في فيلم “كلمة” لها امتداد عام، ليس محصوراً بحزب حاكم، بل بحيوات عادية وإرادات فردية تفضل الخنوع على المواجهة، ذلك ما يدفعه للهروب من مسكنه والانتقال إلى منطقة لا أحد يعرفه فيها. الكلمة تستمد معناها من وظيفتها الاعتبارية، ومن لباقة لسانه كمحامي ماهر قوة تأثيره متأتية من قوة الكلمات التي يقولها، ومن بين أشدها خطورة: “لا” الرافضة للقمع والتسلط المُجسد في فيلم يراهن على جوانيات الأفراد القلقة، الخائفة من مواجهة مصير مؤلم. الموقف السينمائي النقدي من سياسة الأحزاب الشيوعية في البلدان الاشتراكية السابقة تكرر في أفلام كثيرة لكنه في “كلمة” تَميز تجسيده باشتغال السينمائي يراهن على الجمال وفيضه الذي أقنع لجنة تحكيم المسابقة الرسمية الكبرى بجدارة صانعته لنيل جائزة أفضل إخراج.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top