في مهرجان كارلوفي فاري 56..الأفلام العربية في الدورة الأجمل والأكثر حداثة

في مهرجان كارلوفي فاري 56..الأفلام العربية في الدورة الأجمل والأكثر حداثة

كارلوفي فاري: قيس قاسم

المراجعة النقدية للأفلام العربية المشاركة في الدورة الاخيرة لمهرجان كارلوفي فاري، تشير إلى زيادة الاهتمام بالمنجز العربي، منذ تولى الناقد جوزيف فهيم، مسؤولية برمجة أفلام الشرق الأوسط والسينما العربية فيه.

اختياراته لا تنحصر بجلب الأحسن والأجمل بل والبحث عن المتميز على مستوى الصَنعة السينمائية، إلى جانب اختيار بعض الأفلام المهمة لأقسام استِعادية مثل (من الماضي) الذي قدم للجمهور التشيكي هذا العام فيلم “بيروت اللقاء” (1981) لبرهان علوية. وفي قسم المخصص للأفلام القصيرة (براغ شورتز) أدرج فيلم “ورشة” لدانيا بدير، و”الأشجار” لرمزي باشور، وعلى مستوى الأفلام الروائية الطويلة كان هناك منجز اللبناني علي شري، الأول “السد”، المعروض في قسم (آفاق) و”حرقة” للأمريكي المصري الأصل لطفي ناثان، إلى جانب المغربيين: “أزرق القفطان” للمخرجة مريم توزاني، و”تحت الشجرة” لأريج السحيري.

اللبنانيان القصيران: “أشجار” و”ورشة” يقترحان بحثاً في عوالم وجودية لأفراد يعيشون أزمات نفسية وتمزقات جوانية مردها أوضاعاً اجتماعية ودينية واقتصادية ضاغطة، تعيق انعتاق أرواحهم وتزيد من انسحابهم نحو الداخل، هذا يأتي في منجز دانيا بدير، عبر بطلها العامل السوري، على رافعة في موقع بناء جديد يُشيّد في مدينة بيروت. التكثيف السردي يقابله ثراء تصوير، يحيل النص القصير إلى منجز جمالي بارع يزداد حلاوة بأداء الممثل والراقص (خنسا)، الذي يجد في العلو الشاهق مساحة يتخلص فيها من ضغوط تعيق حريته في التعبير عن رغبات جسدية كامنة. في “ورشة” الفضاء الواسع المنفتح على أفق لامتناهي، يأتي عبر رافعة عملاقة، يقابله ضيق مكاني وانغلاق مجتمعي على الأرض المحشورة بسوريين جاؤوا إلى بيروت هرباً من حرب لا ترحم. المشهد المُعبِر عن الحالتين يُجسد في اللحظة التي يبدأ فيها (خنسا) بالرقص، وسط فضاء فسيح على أنغام أغنية (الأطلال) لأم كلثوم، كلمات مقطع منها يقول.. “اعطني حريتي أطلق يديّ” صدى موسيقاه يتردد عالياً في سماء بيروت، يشعر خلالها سائق الونش السوري، بحرية مطلقة تلغي للحظة قهراً وقمعاً جسدياً ونفسياً. المشهد مصور ببراعة لافتة (تصوير شادي شعبان)، تحيل المنجز كله إلى تحفة بصرية، مثلها نجده في “الأشجار”، وبطلها بشير (الممثل نديم شرتوني)، المختص في العلوم الزراعية، لحظة موت والده في القرية التي يُقيم فيها مشروعاً زراعياً خاصاً يواجه مشكلة بسبب الجفاف. يخفف صانعة من حدة ميل نصنه إلى الجواني وانكفاء اهتمام بطله بأشجار الزيتون المصابة بفيروس، يهدد بالقضاء عليها، عن بقية اهتمامات عائلية وشكلية لها صلة بمراسيم دفن والده، بإضفائه روحاً ساخرة على مَشاهد تجسد الفعل الملازم لما بعد إعلان الموت والتباساته المُحيرة. سخرية تصنع منها حالة تناقض بين شكلانيات مراسيم دفن، لها صلة بنهايات، وبين انشغال بحياة أشجار هي أَولى بالنسبة لبشير بالرعاية من موت حاصل لا رجعة فيه. في الأشجار الحس الفلسفي طاغٍ، فيما الهاجس المجتمعي المتأت مع مهاجرين سوريين يعيشون أوضاعاً بائسة في بيروت يسود في “ورشة”. الاثنان يشيران إلى جودة صنعة سينمائية وإلى ميل نحو بحث في جوانيات الكائن البشري لحظة مواجهته مواقف حياتية متعددة المستويات درامياً، هي في النهاية من يمنح النص القصير مساحة تكفي لاستيعاب عوالم ودواخل مضطربة مكتوبة بأسلوب سردي بارع.

التكثيف البارع للزمن نجده أيضاً في منجز المغربية أريج السحيري، “تحت الشجرة”. قصته بسيطة مساحتها الزمنية محصورة بيوم عمل واحد، لشغيلة مكلفين بحصاد ثمار أشجار التين الناضجة. أغلبيتهم من النساء، شابات على الأخص يدخلن في حوارات طيلة الوقت عن أحوالهن الشخصية وعلاقاتهن العاطفية. على هامشها تأتي أحداث تحيل إلى وجود مشكلات اجتماعية معقدة محورها الاستغلال والسيطرة المالية والبحث عن خلاص من فقر موجع. تكثف السحيري المشهد اليومي درامياً، تشذبه من كل زائد، مبقية على مساحة منه تكفي للغوص في عمق الحالات النفسية والعاطفية لأبطالها. هذا يتطلب كتابة متماسكة لا تتحمل انفلاتاً ولا تشعباً. المكان (الحقل) يوفر مثل تلك الإمكانية. كل الأحداث وجُلها مروي تجري في حدوده، ومن داخلها يتسع المشهد ليأخذ بعداً أكبر، يلامس أسئلة الحرية الجسدية والعلاقات الجنسية والموانع الكابحة للتعبير عنها بحرية. ثمة نفاق اجتماعي، تحت سطحه تتراكم قصص حب وحكايات عشق، البوح عنها متاح في لحظات الاستراحة من تعب عمل، يؤمن للفقراء بعضاً مما يحتاجونه من مال. المشهد في غالبيته مؤثث أُنثوياً، البراعة في تجميع مفرداته يعطي المنجز السينمائي معناه المرتجى، ويُغني متنه المتحرر من كليشهات التمييز بين الجنسين. على طول خطه ثمة حضور متماسك للمرأة، تصد به تجاوزات ومحاولات استغلال جنسي لا يتوقف في مجتمع ذكوري. التوازن الحاصل في مساره الدرامي يمنح النص الرائع حلاوة وسلاسة تخفيان انحيازاً أنثوياً محبباً وتبعد عنه ثقلاً سردياً. “تحت شجرة التين” (الترجمة الأجنبية للفيلم) تمر الكثير من الحكايات الحلوة، لا تخلو من منغصات يُحيلها النص (السيناريو للمخرجة وبالتعاون مع نبيل عيوش) كلها إلى منبعها. إلى واقعها المُعَبر عنه بقصص بسيطة تُسرد بعفوية خلال يوم عمل ينتهي بأغنية مبتهجة بعودة لبيوت تخفي من الأسرار ما لا يمكن الكشف عنها صراحة، إلا في حقول أشجار التين الواسعة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top