غوركي .. الواقع و الطموح الإنساني

غوركي .. الواقع و الطموح الإنساني

ترجمة/ عادل العاملعندما التقى غوركي تولستوي في عام 1900، كان الرجلان أشهر كاتبين في روسيا. و كان تولستوي طويل عهدٍ في \" تحوله \" الديني، و قد هجر الأدب و أعد نفسه باعتباره مخلِّص روسيا القلق الحكيم، و راح يبشّر باللاعنف و الروحانية الشخصية، و هو يرتدي زي فلاح، و يستقبل حجَّاجاً و ساعين إلى الحقيقة من كل أركان روسيا و العالم. أما غوركي، فكان كاتباً شاباً يبحث عن معبود أدبي. و تعد مذكراته عن تولستوي واسطة العقد في مجلد دونالد فانجَر الجدبد الفاتن من الترجمات.

غوركي في مذكراته عن تولستويإن المذكرات، التي يترجمها فانجَر للمرة الأولى بتمامها، متهرئة الحواف، و قاسية بشكل مدهش، و لا يمكن التنبؤ بها، و تتسم بالتقمص العاطفي إلى حد أنها تكاد تكون أشعة إكس لشبح. و هذه المذكرات، المؤلفة من أربعة و أربعين جزءا ًيتضمن حكايات نادرة و اقتباسات، إضافةً إلى رسالة غير مُكمَلة مكتوبة بمناسبة وفاة تولستوي، تجمعها معاً التناقضات ــ جاذبية سحر تولستوي الكونية و احترام الذات مقابل صلابة الرأي العنيدة في وعظه الفاتر؛ إصرار تولستوي على البساطة الفلاّحية مقابل تأمله الصامت المعذب للتعقيد، الإنساني و الإلهي؛ الحنو على الإنسان، الواسع جداً إلى حد أن غوركي يكاد يغرق فيه و كأنه البحر، مقابل حقد غوركي الدفاعي. و بكونه مفتوناً على الدوام بالطريقة التي يخاطب بها الناس الله أو يتحدثون عنه، فقد شعر غوركي في وعظ تولستوي بالطابع الزائف المهتز الذي يتَّسم به غير المؤمن. و تُعد مذكراته رسالة بديلة تتعلق بتعاليم و تناقضات إنسان شبيه بإله، أعاد نفسه كتابة الأناجيل بحثاً عن إله يمكن أن ينقذه . إنها كما هو واضح سيرة تقديسية hagiography، لكنها سيرة تخرج عن طريقها لتؤكد أن موضوعها ليس بقدّيس. في هذا، كان غوركي يتحدى عبادة تولستوي، التي كانت تصر على الاستشهاد الحقيقي لقديسها الشفيع. لم يكن إعجاب غوركي بتولستوي لإيمان غوركي الكبير بالله، و إنما لإيمانه الكبير بالكونت تولستوي. فقد بحث في العالم عن مستشار روحاني،إمامٍ لنظرية سمو البشر التي ستمكِّن بلاده من تجاوز ظلام الماضي و قساوة الحاضر و جهالته العديمة العقل، و وجد تولستوي ، الذي لا بد أنه قد بدا له تجسيداً لآماله.إن صور غوركي الأدبية تنطوي على ثقافة القراءة التي كانت موضوعاتها تعيش فيها : الكلاسيكيات، و البحوث المنسية، و االمجلدات المدروسة، و الروايات المثيرة التي تُذكَر بأنفاس واحدة و تُمرَّر بين المتحاورين مثل أوراق اللعب. و تتأرجح الإشارات إلى الوراء و إلى الأمام مثل القراقوزات. فمذكرات تولستوي تتضمن واحداً من أكثر التقارير حيويةً أينما كان عن مادية physicality المحادثة الأدبية، جو الخشونة و الشجاعة، الإهانات، مقارنات الكتَّاب أحدهم الآخر بالنساء الفاتنات، التأكيد على العمل و كمال التقنية، تهذيب الأسلوب و الشخصية. و تبدو المحادثات بين تولستوي، و غوركي، و تشيخوف، و صديقهم ل. أ. سوليرشيتسكي، و كل واحد يتنافس على ود ليو نيكولايفيتش، شبيهةً بخليط من مباراة الملاكمة، و حفلة شاي، و قرار باريس، و حجٍّ إلى ناسك متنور متضرر. و يمثل تشيخوف جاكوب قياساً على أيسو غوركي، لكنه لا يحتاج إلى فروٍ على ذراعيه لينال بركة البطريرك : ذلك أن نعومته ــ \" مثل سيدة شابة \" ــ هي ما يفضلّه تولستوي خفيةً.و يظهر تولستوي في المذكرات كإلهٍ روسي \" يجلس على عرش من خشب القَبقَب تحت شجرة زيزفون \"؛ ساحر؛ إله من آلهة الغابات بفمِ بحّار؛ سفايتوغورSviatogor، الذي يعني اسمه \" الجبل المقدس \"، البطل الروسي الذي لا تستطيع الأرض نفسها أن تحمله؛ قوة الطبيعة. و لقد رآه غوركي في القرم مرةً يسير على طول حافة الساحل : و فجأةً، للحظةٍ مجنونة، شعرتُ بأنه يمكن أن يكون على وشك الوقوف ليلوّح  بذراعيه، فيجري البحر هادئاً و زجاجياً، و تتحرك الصخور و تبدأ بالصياح، و يهيج كل شيء هناك و يحيا و يروح يتحدث بأصوات مختلفة عن نفسه، و  عنه، و ضده. و لا يمكنني أن أعبر بالكلمات عمّا شعرتُ به آنذاك؛ كنتُ مليئاً بالنشوة و بالرعب معاً، و عندئذٍ جاء كل شيء سويةً في فكرة سعيدة واحدة : \" لستُ يتيماً على الأرض ما دام هذا الرجل حياً \". ]  و في حين يوجه إلى عمل تولستوي، خاصةً (الحرب و السلام )، اعتراض على فكرة \" الرجل العظيم \"، تسجل حياة غوركي و عمله بحثاً متواصلاً عن مثل هذه الشخصية بالضبط ــ \" الرجل Man بحرف كبير \"، كما كان يدعو لينين. و و كتب يقول، \" أعتقد بأن مثل هؤلاء الرجال ممكنون فقط في روسيا، التي يذكّرني تاريخها و طريقتها في الحياة بسدوم و عمورة (1) \" و غوركي، في صوره الأدبية، منجذب كثيراً إلى موضوعاته إلى حد أن إعجابه يقارب أحياناً التقلب الحرباوي. و في صورة فوتوغرافيةغريبة من عام 1920، يقف لينين في الأمام بينما نرى غوركي الأطول كثيراً و هو في بدلة مماثلة و بشعر رأسٍ محلوق، يميل بصعوبة إلى جانب وراء معبوده، مثل صورة مرآتية مطوَّلة مثيرة للشك. و المشهد صحيح ــ غوركي الملتصق، الببغاء، المعاون الدائم. لقد كان غوركي يبحث عن رجل ذي \" إيمان ٍ حي \"، لكنه في تولستوي استقر، للسخرية، على تجسيد أزمة العصر الروحية العظمى على وجه الاحتمال. و كان تولستوي يلتمس الصدق البسيط للفلاحين، و بدلاً من ذلك واجه عينًي ثوري بروليتا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top