سر جاذبية روايات  شرلوك هولمز

سر جاذبية روايات شرلوك هولمز

ترجمة: عزيز اورهانبعد مرور مئة وثلاثة وعشرين عاما علي ظهور أول مطبوعة لشرلوك هولمز في عدد عيد الميلاد السنوي لعام 1887، ما زال معجبوه ومعارضوه علي حد سواء يشعرون بالحاجة لمحاولة تفسير سر جاذبية شرلوك هولمز المستمرة، وكأن قصص ومغامرات دكتور واطسون قد أصبحت نظاما اعتادوا عليه ــ مثل عمود الإنارة أو البريد الهوائي ــ ويحتاج فترة طويلة حتي يتم إلغاؤه أو تخطيه.

وتفسير هذا النجاح قد يرجع لعدة أسباب منها احتواء تلك القصص علي التخطيط الماهر والحبكة المقنعة أو تعطش الطبقة البرجوازية للمغامرات المنظمة، أو الحنين لعصر مضي (العصر الفيكتوري أو عصر النهضة)، أو بسبب الديناميكية المتجانسة التي يقدمها هولمز وواطسون أو أخلاق الجنتلمان ــ الرجل النبيل ــ التي يتمتع بها بوضوح سير آرثر كونان أو دويل، أو قد يكون أهم هذه الأسباب هو نوعية الكتابة نفسها وجودتها، الأعلى بكثير مما تحتاج إليه هذه الموضوعات. هذه التفسيرات المقدمة من قبل المؤيدين والنقاد علي حد سواء توحي بشكل مباشر أو غير مباشر أنه ربما تكون الخمس وستون قصة والأربع روايات القصيرة التي تمثل رصيد شرلوك هولمز لا تستحق مثل هذا الإعجاب المستمر. والشك في قيمة الاستحقاق الأدبي لقصص هولمز موجود منذ البداية حيث تكمن المشكلة أو العلة في الكاتب نفسه. بالطبع سيكون من الحمق القول بأن كونان دويل مبتكر شخصية شرلوك هولمز احتقر مؤلفاته عن هولمز. إلا أنه كان من المعروف أنه قد ندم على كتابة هذه المؤلفات واستسخفها حيث قال عنها «لقد أخذت جرعة زائدة من (هولمز) جعلتني أشعر نحوه مثلما أشعر نحو أحد الأطعمة التي تناولت الكثير منها في مرة من المرات لدرجة أن مجرد ذكر اسمها يصيبني بالشعور بالغثيان. في عام 1893، حاول الكاتب أثناء تأليفه قصة «المشكلة الأخيرة» ــ التي تحكي عن تصرفات رجل يائس ــ محاولة جادة لجعل هولمز يقتل (على يد دكتور موريارتي أثناء وجودهم في شلالات ريتيباتش). ولكن حتى أول قصصه عن هولمز «دراسة عن سكارليت» كان ينقصها قلة إيمان الكاتب في إبداعاته حيث إن غالبية الجزء الثاني من القصة ــ الذي لا يحتوي على هولمز أو واطسون ــ كان يدور حول التجول في بؤس وسط نفايات مرمون في مدينة بوتا وهو المكان الذي فقد فيه القاتل ــ الذي قبض عليه هولمز لاحقا ــ الفتاة التي أحبها. في مغامرة هولمز التالية «إشارة الأربعة»، يبدأ الفصل الأول بالكثير من النقد الذاتي على لسان المخبر عن الجهود الأدبية لمرافقيه الأربعة وبالتالي عن الطبيب الشاب الذي يعاني من ضائقة مالية والذي يملك كل الخيوط في يده. ويقول هولمز لواطسون «لقد ألقيت نظرة سريعة عليها»، مشيراً إلى قصة «دراسة عن سكارليت» ثم تابع: «أنا لا أستطيع أن أهنئك بصدق على هذه القصة. إن التحقيق هو ــ أو يجب أن يكون ــ علم مضبوط ويجب أن يتم التعامل معه بنفس الطريقة الباردة والخالية من العواطف التي يتم التعامل بها مع أي علم، لقد حاولت تلوين القصة بالرومانسية مما نتج عنه نفس التأثير الذي قد يحدث إذا أدخلت قصة حب أو فرار على النظرية الخامسة لإقليدس». وقد يشعر بعضنا بالطبع أن النظرية الخامسة لإقليدس سوف تتطور فقط إذا ما أضفنا إليها مكونًا لطيفًا كثير السيولة. وهذا نص مثالي يعبر عن السخرية من الذات بطريقة فكاهية جيدة حيث يقوم كونان دويل بعرض ذكائه الماكر الذي نادراً ما يقوم أحد ــ حتى أشد المعجبين تحمساًـ ـ بإعطائه الفضل عليه. بينما كان كونان دويل مشغولاً بتحضير قصص شرلوك هولمز وبالتخطيط لموته وبإعداد الفخ لإدانة والتر سكوت والاستمرار في كتابة قصص الخيال الشعبي ــ في البداية لاحتياجه وبعد ذلك بسبب النجاح الذي حققته، كان كونان أيضاً يقضي وقتاً ممتعاً بشكل ملموس. فيبدو أن إحدي خصائص هذا الرجل ــ كما يتضح أعلاه ــ هي أنه يقضي وقتاً ممتعاً على حساب نفسه. ومثل أكثر الكتاب، كان كونان يكتب من أجل المال. وقد جعله سوء حظه كفنان يكسب أكوامًا من المال ويصبح مشهوراً في العالم بسبب قصص لم يكن هو يعتبرها جديرة بموهبته، في حين أنه كان يحصل على تقدير أو أجر أقل عن أعمال كانت أهم بالنسبة إليه، ولأنه كان ينفق الكثير من المال على الإحسان والخير وعلى خططه الجامحة وعاداته في الإنفاق ــ كما أنه كان موهوبًا في تعاملاته مع الأطفال ــ فقد كانت هذه الأكوام من المال غير كافية لتغطية كل هذه المصاريف. القليل من الكتاب هم من قاموا بالكتابة من أجل المال بنفس التصميم الذي كتب به كونان دويل في كل مرة استسلم فيها لكتابة المزيد عن شرلوك هولمز. إن استمرارية هذا العمل وتكراره على هذا النحو الناجح إنما يعتبر ــ من وجهة نظري ــ شهادة ليس فقط على فن دويل وموهبته في رواية القصص وسحر ما يكتبه، ولكن أيضاً دليل على قوة المال وتأثيره على خيال الكاتب وإن كانت تلك القوة قد ينظر إليها البعض على أنها مهملة أو ينكرها البعض ويسخر منها البعض الآخر. إن قراءة السيرة الذاتية لحياة كونان دويل التي كتبها دانيال ستاشوير تؤكد أن براين والبر كان ـ عملياً ـ الشخصية البارزة الأكثر أهمية في السنوات المبكرة من حياة كونان دويل، ورغم ذلك فإنه في كل كتاباته المتعلقة بسيرته الذاتية وك

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top