حكاية الحصان و الخروف؛ جدلية التحول النوعي

آراء وأفكار 2022/08/06 10:42:56 م

حكاية الحصان و الخروف؛ جدلية التحول النوعي

 إسماعيل نوري الربيعي

في قرية منعزلة نائية، هام الفلاح اعجابا و زهوا بحصانه الجميل الرشيق. حتى صار يفضله على أولاده. تشاء الأقدار أن يتعرض الحصان لمرض مفاجيء، عجز الأطباء و الحكماء عن علاجه. حينها قرر الفلاح أنه و خلال ثلاثة ايام، إن لم يتماثل الحصان للشفاء،

و يبل من مرضه، فإنه عاقد العزم على قتله،بحساب أنه لا يستطيع أن يشاهد حصانه الأثير و العزيز و هو يتلوى من الألم. خلال ذلك سارع الخروف إلى إبلاغ الحصان بقرار الفلاح. لينهض الحصان عامدا إلى استجماع قواه، و يقف منتفضا في أشد أحوال الصحو و النشاط. في غمرة الفرح الذي ملأ قلب الفلاح، قرر أن يذبح الخروف، استبشارا بهذا الخبر السعيد.

بنية الحكاية تقودنا نحو التركيز على المصير الذي آل إليه (الخروف)حيث البحث العميق في دالة ثنائية (الوعي أم الوجود؟!). حيث السؤال الذي يعرّش في صلب المسألة، فهل كان الخروف ضحية الوعي أم الوجود؟! حكاية الخروف تتقنع بلسان الحيوان، لكنها تحيل بداهة إلى الموقف الصادر عن الإنسان العاقل، حيث المسعى للتسلل في صلب السياق الأدبي و الحكايات و الأمثال الشعبية، و تمييز أوضاع العلاقة القائمة بين الأنساق الأسطورية و العقائد وطريقة تفاعلها داخل السياق الاجتماعي. هذا بحساب أن الحكاية حين تتدهور تتحول إلى خرافة، و عندما تعاني المعرفة من الذبول تتحول إلى أسطورة. و من هذا الواقع يكون تفاعل (الأمثال الشعبية) في الوسيط الاجتماعي بمثابة الحقائق الاجتماعية، فيما هي في الواقع تندرج في منظومة ما يُطلَقُ و لا يُقاس.

في حساب الكم المباشر، يشير الواقع إلى غزارة وجود موقع (الخروف) و رمزيته المرتبطة بدالة (القربان). إزاء ندرة (الحصان الأصيل) و رمزيته المرتبطة بالفروسية. حصان رغم الوجع و الألم الممض و المرض و السقم. إلا أنه يعمد للتفاعل مع واقع جدلية صراع الأضداد، ليعمد إلى النهوض على الرغم تداعيات ؛ (المرض و الشفاء، العلة و الدواء، الموت و الحياة). مستجيبا لأوضاع نفي النفي، حيث التحول من مجرد حصان لا يزيد عن كونه حيوانا مفضلا، إلى أيقونة تحرك في دخيلة الفلاح الذي يملكه، أسباب الاحتفاء و البهجة. بل و تقديم القرابين، تعبيرا عن طقس روحي تتمثل فيه الأهمية القصوى لواقعة شفاء الحصان. نحن هنا بإزاء عملية تحول الكمي (الحصان – بوصفه حيوانا)، إلى تحول نوعي حيث الكثافة الرمزية التي راح يحتلها هذا الكائن، الذي باتت تتناسل في مضمونه غزارة المعنى، و أضحى(مثلا)، حيث يتم استثمار فائض المعنى، من واقع حصان يسر الناظرين، باعتبار (الكم) إلى حصان يمثل معجزة للشفاء من واقع (النوع(.

إنها التناقضات التي تحيل إلى استيعاب و إدراك المجمل من مناحي التطور و التحول. هذا بحساب أن لكل ظاهرة تتفاعل في الحياة و المجتمع، تعيش أحوال التلازم الجدلي بين الأساسي و الثانوي، و ما ينجم عنه من تفاعل داخل المنظومة الواحدة. و من أحوال تفاقم التناقضات يكون التطلع نحو وضع الحلول لوقف هذا التنازع الكامن في التناقضات. تلك اللحظة تكون بمثابة نقطة الانطلاق نحو التحول. و التي لا تكف عن التأثير المتبادل بين عناصر التناقض، حيث تسرب القوة في الضعف، و الضعف في القوة، و تفشي الغموض في صلب الوضوح أو العكس. عمليات لا تني تتفاعل بكل قوة، لينجم عنها عمليات جديدة لم يكن لها وجودا في السابق. التعارض و التناقض و التضاد الكامن في دخيلة (الخروف) جعل منه يمارس فعل الحياة و التحرك، منحه الدافع نحو التغيير و التحول. حتى قاده إلى مصير طقوسي تمثل في أن يكون قربانا لحياة حصان أصيل و جميل. لم يذهب مصير الخروف سدى، فقد حظي بموت احتفالي مهيب، أدخل البهجة و السعادة في نفوس من تلذذوا بطعم اللحم الطازج الشهي، حيث الوجبة العامرة، و الغبطة و المرح و الاحتفاء الذي عمّ القرية، في أعقاب واقعة شفاء الحصان العجيبة، و التي جاءت بالخلاص من من علّة أعيت الأطباء و حيرت الناس حول سر هذا السقم الذي حلّ فجأة، و غاب فجأة.

يشير هيغل إلى أن من يحركنا في الوجود، إنما يعود إلى أحوال التناقضات الكامنة فينا، التناقضات هي الجوهر الحافز و المحرك لنا في الحياة. الخوف و الشجاعة تتفاعل و تفعل الأفاعيل في رسم مدركات الاستجابة في موقف ما. الحكمة و التهور، التأني و التسرع، الحلم و الغضب، تشكل المكافيء الموضوعي في دخيلة الكائن البشري، لتجعل منه مستجيبا للتحرك و التطلع نحو ممارسة الحياة، و الشغف بالتفاصيل التي تنتجها. و هكذا الحال مع عملية نفي النفي. حيث (الخروف) الذي أراد أن ينفي عن نفسه صفة (ثقافة القطيع) وراح ساعيا نحو إعادة إنتاج نفسه بوصفه، منقذا للحصان، الذي يمثل الرأسمال الرمزي في بنية الحكاية. إنها أحوال التطابق مع قانون لافوازيه، القائم على أن المادى لاتفنى و لاتستحدث، بل تتحول من شكل إلى آخر. لقد تحول الخروف من موقع (رقم في قطيع الخراف) إلى وليمة مهيبة، لم يتحول الخروف إلى مجرد لحم مطبوخ، يتم ازدراد لحمه في قدور الناس خلال طهي الطعام في المعيش اليومي و التقليدي، بل أضحى جزءا من طقس احتفالي، سيتم الحاقه بالرمزية العالية التي يحتلها الحصان الجميل و الأثير. و هكذا قيض للخروف من نفي نفسه، سعيا نحو إعادة إنتاجه بوجود أكبر. و لاعزاء لك أيها الخروف فأنت في النهاية مجرد و ليمة يزدردها الناس حين يشتهون الطعام!؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top