مابعد الحداثة: العالم الحقيقي أصبح أسطورة

آراء وأفكار 2022/08/06 10:44:05 م

مابعد الحداثة: العالم الحقيقي أصبح أسطورة

 تشيلسي فوليت

ترجمة:عدوية الهلالي

يدمج مصطلح ما بعد الحداثة المجتمعات، ولا سيما من خلال وسائل الإعلام. وهذا يعني أن عصر الحداثة قد انتهى، ودخلنا حقبة جديدة ينبغي تمييزها عن سابقتها بجوانبها المعاصرة البارزة. ويحاول الفيلسوف ج.

فاتيمو في كتابه - المجتمع الشفاف - توضيح الانتقال إلى ما بعد الحداثة أو المجتمع الجماهيري ويكشف لنا فاتيمو أن التاريخ باعتباره مسارًا موحدًا هو تمثيل أيديولوجي للماضي شيدته الجماعات والطبقات المهيمنة، في حين أن الفقراء - سكان “القاع” - يصنعون التاريخ ثم يتم إنكار حقيقة تجربتهم، وكأن للقصة معنى واحد فقط: ذلك الذي اقترحته الطبقة المهيمنة. ومع ذلك، لا توجد قصة واحدة، بل ان صور الماضي تقدمها وجهات نظر مختلفة. وإن فكرة المسار الوحدوي للتاريخ هي أيضًا جزء من الأيديولوجية الماركسية التي تحمل فكرة أن التاريخ له نهاية، وأن المجتمع البشري محكوم عليه بالنهاية.

ووفقًا لـفاتيمو، فإن تحقيق مجتمع ما بعد الحداثة له تأثير في الانفصال عن الحداثة والعديد من خصائصها. إنه يشير إلى نهاية الإيمان بمسار وحدوي للتاريخ ولكن أيضًا في حقيقة واحدة، حقيقة نابعة من العقيدة والأسطورة. قال نيتشه: “لا توجد حقائق، فقط تفسيرات.والعالم الحقيقي أصبح أسطورة “.وبالنسبة للفيلسوف الألماني، فإن شرح الطابع التعددي لـ “الحكايات” يعمل بمثابة تحرير من جمود المونولوجات والأنظمة العقائدية للأساطير، حيث لا يمكن توضيح الأكاذيب من خلال أساس واحد ومستقر.

وهكذا يسلط عالم الإعلام والعلوم الإنسانية الضوء على تعددية الروايات الحية: فهوعالم أقل وحدة، وأقل يقينًا ولكنه أيضًا لايدعو كثيرا للاطمئنان كما هوعالم الأسطورة حسب فاتيمو. لكن بالنسبة لجي سوريل، فإن وجود الأسطورة ضروري لتحريك الجماهير، في حين أن الأيديولوجية السياسية بالنسبة لجيم ليفي شتراوس تجسد الفكر الأسطوري. كما يقدم فكرة الأسطورة في مواجهة الفكر العلمي: فالأسطورة ليست تحليلية ولا برهانية بل سردية، خيالية، تحشد المشاعر ولا تدعي الموضوعية. ويتم التعبير عنها في الفن والدين والطقوس والسحر، في حين أن العلم سيكون ضد هذا، اذ يبدو أن المعرفة العلمية أكثر نضجًا وتحل محل الأسطورة في فهم العالم.

لقد دخلنا عالم ما بعد الحداثة في نفس الوقت الذي أدركنا فيه أن التاريخ ليس له معنى واحد أو حقيقة واحدة، ولكن العديد من العوالم في العديد من المساحات التي ترحب بخيالات أخرى. وتكون اليوتوبيا إشكالية عندما تكون استبدادية، وتدافع عن مصالح الطبقة الحاكمة أو تترك وعودًا سياسية غير مؤكدة. ولا تكمن المشكلة في اليوتوبيا نفسها، بل في كشفها كحقيقة مفروضة. حتى أن الأسطورة كتجربة جمالية لها مصلحة في أن تكون جزءًا من الحياة اليومية للفرد وفقًا لعالم النفس جيه ديوي.

إن اليوتوبيا الرأسمالية هي الأكثر إشكالية لأنها تقوم على أساطير مختلفة تقودنا إلى طريق مسدود مؤلم. نحن نتحدث هنا عن أسطورة النمو اللامتناهي، ومركزية الإنسان..هذه المعتقدات، التي نعرف الآن أنها غير عقلانية، لا يمكننا التخلص منها. ليس لأننا ما زلنا نؤمن بها، ولكن لأن النظام الوحيد الذي نعرفه اليوم هو الرأسمالية.

لذا للتخلص من الأساطير الرأسمالية، فإن الحل الوحيد هو ابتكار أساطير جديدة قادرة على تحريك الجماهير. يجب أن نضع روايات جديدة، ونعطي معنى لحياة الأفراد، ونشجع التباين غير المتجانس للروابط الاجتماعية والإبداع، وكذلك المناطق التي يجب الدفاع عنها، والحركات الاجتماعية والعديد من الأماكن النقابية والإبداعية الأخرى.

هذه المساحات لا تأتي فقط من الخيال،بل من واقع جمالي بديل يفضل الرصانة والأصالة بدلاً من الاستهلاك والسطحية، ولكن أيضًا مساحات المعيشة الملموسة التي تقدم عوالم أخرى غير تلك المفروضة علينا..

محللة سياسية ومتخصصة في مجال (التطور البشري)

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top