قناديل: السائرون نياماً

لطفية الدليمي 2022/08/06 10:49:47 م

قناديل: السائرون نياماً

 لطفية الدليمي

كتب برناردشو في واحدة من إستبصاراته المغلفة بالفكاهة المحببة أنّ المُبتلى بوجع أسنانه يظنُّ أنّ من لايعاني ذلك الوجع الرهيب هو أسعد إنسانٍ في العالم. يمكنُ لنا – لو شئنا – أن نجعل من فكرة برناردشو موضوعة فلسفية كاملة.

لنتصوّرْ – كتجربة فكرية متخيلة – أنّ إنساناً عاش كلّ حياته يعاني أوجاعاً لاتحتَمَلُ في أسنانه. هذه تجربة لاأتمناها لأحد، كما يصعبُ تصوّرها؛ لكنها تجربة فكرية متخيلة كما قلت. لو تعافى هذا الانسان من أوجاع أسنانه؛ فماالخبرة التي سيكون قادراً على الحديث عنها بعدئذ؟ لاشيء. ستكون شيئاً يبدأ بالاسنان وينتهي بها، وستكون الحياة المجيدة بالنسبة له هي القدرة على وأد أوجاع الأسنان، ولاشيء بعد هذا. لن يكون في حصيلته مفردات مثل الحب والجمال والموسيقى والعلم والفلسفة والأسفار والقارات الشاسعة والتطلعات البشرية العليا ومعاينة التنوعات البشرية والبيولوجية التي يحفلُ بها عالمنا. المؤلمُ في الأمر عندما يدركُ هذا الشخص فداحة خسارته عندما قضى حياة بشرية قصيرة بالمقاييس الكونية – حتى لو إستطالت سنواتها الأرضية – وهو يعاني أوجاعاً لاتُحتَمَلُ من جهة، وتتسرّب مكامن البهجة في الحياة – وهي كثيرة متلونة – منه.

قد يبدو المثال السابق مفرطاً في تطرّفه؛ لكنه يكشفُ عن حقيقة خبيئة في وجودنا البشري. نحن جميعاً مُسَرْنَمون (سائرون نياماً) بدرجة ما تختلف من شخص لآخر تبعاً لعناصر بنيوية كثيرة.

هناك أولاً سرنمةٌ لصيقة بوجودنا البشري لانستطيع معها فكاكاً ؛فهي شيء شبيه بالوجود القَبْلي. لنتذكّرْ حكاية الفيلسوف الصيني (زوانغ زو) الذي عاش في الصين في القرن الرابع قبل الميلاد. كتب زو عن حلمٍ رآه في منامه واستحال فيه فراشة، وبعدما إستيقظ من منامه راح يسائل نفسه: هل هو حقاً زوانغ زو الذي حلم بأنه صار فراشة، أم أنه فراشة حلمت بأنها صارت زوانغ زو ؟ تذكّرُنا هذه الحكاية أنّ العالم الذي نعيش فيه قد يكون عالماً إفتراضياً، وثمة علماء مرموقون وفلاسفة كبار يقولون بأنّ عالمنا ليس بالعالم الافتراضي حتماً؛ لكن كونه عالماً إفتراضياً هو احتمالٌ لايمكننا استبعاده .

السرنمة الفلسفية يمكن التعايش معها، وفي الأقلّ نستطيع البحث فيها والاقتراب الحثيث من فهم طبيعتها؛ لكن ماذا عن السرنمات الأخرى؟

يعيشُ أغلبنا حياته وهو مسرنمٌ سرنمة كاملة، تقوده يقينيات حتمية بصوابية آرائه وأفكاره، وأنه الحق المطلق والحقيقة المطلقة، وأنّ الآخرين وهمٌ كامل وضلالة كاملة. هو كمَنْ دخل خزنة مصفحة بالحديد وأقفل الباب عليه من الداخل وراح يتلذذ بإعادة تدوير هواء زفيره الذي تسمّم بالكاربون.

لماذا يفعل البعض هذا؟ الجواب يسيرٌ. لأنّ العيش مع جملةٍ من اليقينيات الحتمية أسهلُ من العيش مع عقل متسائل، فضولي، لايكفُّ عن حرية البحث وارتياد الآفاق المجهولة.

السرنمة الشخصية تأتي من فقدان الحرية الشخصية أو / أو عدم الرغبة في عيش الحرية، وتفضيل العيش وسط قيود كثيفة بعضها مُتوارث وبعضها الآخر صناعة ذاتية. نحكي كثيراً عن الحرية ونتغنى بها ؛ لكنّ معظمنا في دواخله الدفينة ليس حراً. كثيرون منّا يحبّذون العيش مع ديكتاتورية تملي عليهم ماذا يأكلون، وماذا يدرسون، وإلى أين يسافرون؟ فتخلصهم من عبء التفكّر ومواجهة المسؤولية الشخصية. كثيرون من العراقيين يستطيبون هذه المناورة النفسية التي تخفف عنهم عبء الفشل في السعي لتحقيق ماتطلعوا إليه. إلقِ أعباء نكوصك على الديكتاتورية واكسب راحة بالك في نهاية الامر.

الحرية الحقيقية تأتي مقترنة بالمسؤولية الكاملة. لك الحرية في أن تحب من تريد، وأن تدرس ماتريد، وأن تسافر لأي مكان تريد،،،، وفي النهاية أنت مسؤول وحدك عن اختيارك. هذه هي القاعدة الضابطة للحرية، إنها ثنائية الحرية / المسؤولية. الحرية في التحليل الفلسفي وفي الأدبيات السياسية ليست حقاً طبيعياً بل عليك أن تختارها اختياراً وتقبل بها وبالمسؤولية المترتبة عليها معاً.

كثيرون منّا لايريدون حرية مقترنة بالمسؤولية. يريدون حرية متفلتة من كلّ مسؤولية؛ وبهذا فهم يلعبون لعبة لاتستقيم مع شروط الحياة الرفيعة والمستحقة لشرف العيش. لاشيء يأتي بالمجان في هذه الحياة، وإذا ماجاء بالمجان فهو إشارة إلى خطأ جوهري في نمط حياتنا.

قد لايعاني معظمنا من أوجاع أسنانه؛ لكنه يعاني سرنمة هو اصطنعها لنفسه. يريدُ العيش كأحد الطفيليات التي تعتاشُ على المخلّفات في هذه الحياة بعد أن عزل عقله داخل خزنة اليقين المصفحة.

الحياة الرفيعة تبدأ بكسر قشرة اليقين الصلدة، والكف عن السرنمة الشخصية التي تجعلنا عمياناً ندور في متاهة لانهائية. بعدها ستكفل لنا الحرية المسؤولة إنتقاء خطواتنا اللاحقة. قد نفشل في مسعانا،لكن لاضير في ذلك؛ لكننا في أقلّ تقدير سنغادر هذه الحياة وقد رأينا أكثر من صورة مشهدية واحدة، وسمعنا أكثر من صوت واحد، وتعلمنا أكثر من خبرة فقيرة واحدة، وعرفنا أنّ في هذه الحياة أكثر من دافع واحد للعيش.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top