نادية هناوي في كتابها الجديد..علم السرد مابعد الكلاسيكي: السرد غير الطبيعي

نادية هناوي في كتابها الجديد..علم السرد مابعد الكلاسيكي: السرد غير الطبيعي

لطفية الدليمي

لو أردتُ تقديماً أفتتحُ به مراجعتي لكتاب نادية هناوي الأخير بشأن علم السرد غير الكلاسيكي فلعلّني لن أجد تقديماً أفضل من ذلك التوصيف الذي أوردته في مقالة لي منشورة قبل سنة تقريباً ،

وهي بعنوان ( مأسسة النقد الأدبي : إضاءات في واقع الخريطة النقدية الراهنة ) ، ضمّنتها رأيي الصريح والمباشر بنادية هناوي وأعمالها العابرة لحدود التخصص المعرفي . كان ممّا أوردته في تلك المقالة هو التالي :

« ليس سراً أنني أقرأ كلّ ما تكتبه هناوي بشغف ، ولعلّ الدافع الأعظم الذي يدفعني لهذه القراءة الحثيثة هو تناغم اهتماماتي الأدبية والفكرية العامة مع متبنياتها التي كشفت عنها في كتبها المؤلفة ، ومقالاتها التي لا تنفكّ تنشرها كشلال هادر في مختلف المطبوعات الثقافية . الخصيصة المهمة لهناوي هو عملها في منطقة التخوم الفاصلة بين المناشط المعرفية (ما يسمّى بالدراسات العابرة للتخصصات المعرفية Interdisciplinary Studies ) .... “ .

ثم أردفتُ عباراتي التوصيفية بمدخل إلى فضاء السرد باعتباره فعالية بشرية جمعية ، وكتبتُ بهذا الشأن :

« واضحٌ لكلّ شغوف وأكاديمي في حقل السرد والدراسات السردية كم شهد هذا المبحث المعرفي ( الذي يتناول ظاهرة بشرية لها علائق وثيقة باللغة وسيكولوجيا التواصل البشري ) من تغيّرات بنيوية بسبب الكشوفات الثرية في حقل العلوم العصبية وعلم النفس الإدراكي وبحوث الذكاء الاصطناعي ؛ حتى باتت الدراسات السردية ملعبة اشتباك معرفي تختلف جذرياً عن طبيعة الدراسات السردية الكلاسيكية التي كانت سائدة قبل عشرين سنة . مثالُ السرد عظيم الأهمية ، وقد أفاضت هناوي أكثر من سواها في مقاربة هذا المثال بسلسلة من الموضوعات التي تناولت السرد في تفريعاته الكثيرة ، ولعلّ مراجعة موضوعاتها المنشورة في صحيفة «القدس العربي» لوحدها ستكون تجربة باعثة على درجات كبرى من المتعة والفائدة ، وهو ما يدعوني هنا لتعضيد جهود هناوي ودفعها إلى تأليف كتاب مرجعي في نظريات السرد وطبيعته « .

لم تتأخر هناوي كثيراً في تحقيق ماأردتهُ ؛ فجاء كتابها الأخير ( السرد غير الطبيعي : علم السرد مابعد الكلاسيكي ) تحقيقاً لبعض ماأرادته هي من بصمة مميزة في حقل الدراسات السردية .

السرد منطقة بحثية وعرة لأنه يختص بميزة بشرية جمعية وأولية ، وهو بهذا المقام قريب الشبه من منطقة وعرة أخرى هي الوعي Consciousness . كل عقل واعٍ لابد له من فعالية سردية بشكل ما ، وحتى لو تخيلنا – كتجربة فكرية – وجود فرد لايستطيع الكلام المنطوق بسبب علة عضوية ، فلابد له من فعالية سردية مع ذاته . الكلام مع الذات هو فعالية سردية أيضاً . كل عيش بشري لابد أن يقترن بفعالية سردية شفاهية أو مكتوبة أو تمثيلية بوسيط ما ؛ ومن هنا تعقيد الظاهرة السردية لكونها تعود إلى المنابع التأصيلية الأولى للوجود البشري .

أربع خصائص أراها مميزة لكتاب هناوي :

الخصيصة الأولى : الكتابة في نطاق التأصيل السردي والكشوفات السردية الحديثة عمل مكتنف بالمهابة لايستطيعه غير الواثق من ذخيرته المعرفية وشغفه البحثي العابر لحدود التخصصات الاكاديمية . نحن هنا إزاء منطقة اشتباك مكثف للفتوحات المعرفية الثورية ، ولن يستطيع كلّ مُدّعٍ أو مرتكن للألاعيب اللغوية أو الرطانات الفجة من اللعب براحة مديدة لأنّ لعبه سينكشف عن خواء عقيم ولو بعد حين .

الخصيصة الثانية : الكتاب ذو ذائقة نخبوية ، وقيمته تكمنُ في نخبويته . مَنْ لم يمتلك شغفاً مؤصلاً بالظاهرة السردية - تاريخاً وتمثلات - فليس من المتوقع أن تستهويه مثل هذه الدراسات .

الخصيصة الثالثة : هو كتابٌ جديد في طبيعة مادته ، وهنا علينا التفريق الجاد بين موضوعتين : موضوعة التاريخ السردي الذي يتلازم مع التاريخ الروائي وكأن السرد صار مشروطاً بالفعالية الروائية . نحنُ مع هذا الكتاب إزاء استكشاف دقيق وتنقيب فلسفي لفعالية بشرية هي أكبر من النشاط الروائي وسابقةٌ له . التنقيب البحثي في الظاهرة السردية موضوعة تتعالى على الفعالية الروائية . بالمختصر : نحن في هذا الكتاب إزاء علم للسرد وليس تاريخاً تدوينياً لأطواره المتعددة .

الخصيصة الرابعة : سيشهد قارئ الكتاب حشداً من الاسماء المميزة في حقل التأليف السردي ، وكذلك حشداً من المؤلفات المخالفة للسياق السائد لدينا في الدراسات السردية ، وأغلبُ هذه المؤلفات غير مترجم إلى العربية . أظنُّ أنّ القفز على هذه المؤلفات من غير معرفة دقيقة بها سيكون منقصة لجهد القارئ الشغوف في متابعة الظاهرة السردية وتعشقها مع المباحث المعرفية والدوائر البحثية المتداخلة .

* * *

من المآثر الجميلة أن تبدأ المؤلفة كتابها باقتباس من كتاب ( تاريخ القراءة ) لألبرتو مانغويل ، أرادته مدخلاً لتمرير رسالة تشي بطبيعة عملها إلى القارئ :

« كانت القصص الخرافية والحكايات العديدة قد علّمتني عدم التفريط فيها إن كنتُ أريد تحقيق السعادة . هكذا أخذتُ أعدُّ نفسي من أجل مواجهة الأشباح والموت والحيوانات الناطقة .... «

ثم تشرع المؤلفة في تقديمها الدقيق للكتاب والذي إختارت له عنوان ( السرد وأسرار الصنعة المكنونة ) في بيان الخطوط العامة لكتابها . توضح المؤلفة « أنّ هذا الكتاب هو الجزء الأول من مشروع نقدي يتخصص في علم السرد مابعد الكلاسيكي ( نظرية السرد غير الطبيعي على وجه التخصيص ) « ، ثم توضح في موضع آخر من تقديمها « أنّ من المفاهيم التي تبناها علم السرد مابعد الكلاسيكي Post-Classical Narratology هو مفهوم علم السرد غير الطبيعي الذي نجد تطبيقاته في كثير من سرديات العصور الوسطى وعصر النهضة .... “ .

الكائن البشري مخلوق حكّاء بطبيعته ، ولستُ أعرف السبب وراء عدم توصيفه بالإنسان الحكّاء Homo Narraticus بدلاً من الاكتفاء بوصــف الإنسان العاقل Homo Sapiens ذي الحمولة الأنثروبولوجية – البيولوجية الشائعة . المقدرة الحكائية خصيصة ملازمة لتطوّر اللغة لدى الكائن البشري ، ويمكن عدّ اللغة بمثابة خزان رمزي يمكّنُ المرء من التعبير عن رؤيته للعالم مستعيناً بآليات تمثيلية معقدة تنتهي سلسلتها في القدرة على التعبير عن العالم بشكل متتالية حكائية من الوقائع العيانية المُسبّبة . تختلف الحكايات وتتلوّن بحسب خبرات الحكّائين وخلفياتهم الثقافية ومقدراتهم العقلية ؛ لكنْ يظلّ المرء حكّاءً في نهاية المطاف ، وربما كان وصف الإنسان الحكّاء هو الوصف الأمثل لتطوّر الكائن البشري في سلسلة الارتقاء البيولوجي وبخاصة بعدما امتلك القدرة على التعامل الرمزي عبر وسيط اللغة .

توضح هناوي هذه الخصيصة الحكائية التطورية لدى الانسان ، فتكتبُ :

« رافق السرد البشرية عبر الازمان كحكايات خرافية ثم كأساطير وأخبار وقصص ، وصار كلّ انسان حكّاءً بالفطرة كنموذج أول يمكن أن يتطور بالموهبة والخبرة إلى مرتبة أعلى هي السارد الذي بإمكانه تلقف الفطرة وشحذها ليستقي منها التطور في نموذج ثالث يجتمع فيه السارد بالحكّاء مشكلاً الوعي السردي الاحترافي ، ممتلكاً صورة المفكر ...... « .

* * *

يضمُّ الكتاب أربعة فصول ، كلّ فصل منها يتكوّن من مباحث محددة تتناول تفصيلات جزئية تخص موضوعة الفصل .

الفصل الأول جاء بعنوان ( المدرسة الانكلو – أمريكية في موازاة المدرسة الفرنسية ) . البطولة المطلقة في هذا الفصل معقودة للمنظّر الأدبي والثقافي الفرنسي جيرار جينيت Gerard Genette ( 1930 – 2018 ) ، وهو قائد المدرسة السردية الفرنسية التي توصف بالمدرسة البنيوية أو مدرسة علم السرد الكلاسيكي . تحكي لنا المؤلفة في سياق مباحث ثلاثة جوانب من المناكفة والمشاكسة التي سادت بين المدرستين الفرنسية والانكلوامريكية ، وهي مناكفات ومشاكسات عبّر عنها جينيت بطريقة مضمرة غير مباشرة في كتابه ( خطاب الحكاية ) ، ثم عاد ليعبر عنها بطريقة مباشرة مكشوفة في كتاب ثان له بعنوان ( عودة إلى خطاب الحكاية ) . ليس غريباً أن يتشاكس الباحثون - في السرد أو في غيره - ؛ فهُم ليسوا كائنات طهرانية في نهاية المطاف ، والمشاكسة المعرفية جزء متأصلٌ في الكائن البشري ؛ لكنّ للمشاكسة أعرافاً وحدوداً ينبغي احترامها وعدم القفز عليها بالاعيب صبيانية أو مراهقات فكرية .

الفصل الثاني من الكتاب ، وهو الفصل الذي إختارت له المؤلفة عنوان ( في علم السرد مابعد الكلاسيكي ) هو الفصل الأكثر أهمية بين فصول الكتاب الاربعة . البطل هنا هو ديفيد هيرمان David Herman ، أستاذ الانسانيات واللغة الانكليزية في جامعة درهام البريطانية ، والمعروف بمؤلفاته العديدة التي تتقصى طبيعة الوشائج الخفية بين الحكي القصصي والفعالية العقلية لدى البشر ( وهو مايسمى بالسرد المعرفي ) ؛ لكن برغم هذا فالبطولة ليست مطلقة لهيرمان ، وثمة أبطال آخرون يشاركونه البطولة أفردت المؤلفة مبحثاً خاصاً لأكثر الاسماء شيوعاً بينهم في حقل الدراسات السردية مابعد الكلاسيكية .

توضح المؤلفة العلاقة المشتبكة بين الفعالية المعرفية والنشاط السردي إلى حدود دفعت بعض المنظّرين السرديين ليروا في السرد علماً معرفياً خالصاً . تكتب المؤلفة في هذا الشأن :

« ومن السرد المعرفي أشتُقّ مفهوم ( علم السرد مابعد الكلاسيكي ) كاتجاه من اتجاهاته ، وهو يعني التحقيق في المرجعية السردية أو البعد المرجعي للسرد التي تنمذِجُ العالم باعتماد العلم التجريبي بما يوسّعُ نطاق السرد ويكشف العلاقة بين السرد والعقل ..... « .

بعد مبحث ثري ذي ثلاثة عناوين تناولت فيها المؤلفة جوانب عدة من جهود هيرمان السردية ، وكذلك بعد مبحث ضمّ خمسة عناوين تناولت الجهد السردي لبراين ريتشاردسون ، تناولت المؤلفة في مبحث ثالث جهود نخبة من المنظّرين السرديين مابعد الكلاسيكيين .

خصصت المؤلفة الفصل الثالث لتقانات السرد غير الطبيعي ، وكان من اللافت للنظر – وهو أمر جميل ومحمود – أن تجعل المؤلفة بعضاً من الأعمال الروائية العراقية ميداناً لتطبيقاتها السردية ، وأعني هنا رواية ( خمسة أصوات ) لغائب طعمة فرمان .

إختتمت المؤلفة كتابها بفصل رابع – هو الأخير بين فصول الكتاب – جاء أقرب لملحق تكميلي لأنه لم يتمحور على موضوعة سردية محدّدة ومشخصة بقدر ماجاء استدراكاً وإضافات أرادت لها المؤلفة أن تكون على سبيل الايضاح وتعميق الفهم بموضوعات الكتاب . ضمّ هذا الفصل / الملحق خمساً من المقالات التي كانت المؤلفة قد نشرتها في صحف عربية معروفة .

شاءت المؤلفة أن تختتم كتابها بمادة إختارت لها عنوان ( قوانين الأدب .. وانين الحياة ) ، قدّمت فيها جولة في طبيعة الأدب باعتباره فعالية بشرية ذات قصدية عقلية موجّهة ، ثم شاءت أن تختصر أفكار الكتاب بهيئة سبعة مثابات دليلية قدّمت فيها مادة الكتاب في حزمة مكثفة من المواضعات المحدّدة .

* * *

عملٌ باهر هذا الذي قدّمته وتكفّلت بجهد النهوض به نادية هناوي ، المشتغلة الدائبة في حقل الاكاديمية العراقية . هذا ليس كتاباً سياحياً يعوم فيه المرء بطريقة سائبة مع الأفكار ؛ بل هو جهد معرفي شاق يحتاج قارئاً نخبوياً بمواصفات مؤلفته : شغفٌ بالافكار ، وجَلَدٌ لايلين مع التنقيب المعرفي في ينابيع الفعاليات البشرية الأولى التي تلازمت مع الوجود البشري ، والسرد في طليعة تلك الفعاليات .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top