الشعر والنشر

آراء وأفكار 2022/08/10 11:58:55 م

الشعر والنشر

ينشر الاستاذ ياسين طه حافظ..هذه الحلقات عن النشر الثقافي.. وستفتح المدى باب الحوار كما ستقيم جلسة نقاشية عن هذا الموضوع
المحرر

 ياسين طه حافظ

3

أردتُ هنا ان اشير الى مسألة لا تبدو في القائمة ونحن نقرأ اسباب العزوف عن الشعر. هذه هي ان الناشر لا يأمل من نشر كتاب لشاعر جديد غير معروف، عوضاً طيباً حين يحقق هذا من بعد سمعةً ويكون شاعراً مهماً.ففي زماننا وخلال سنوات، عقود، لم يمنح شاعر مثل هذا الجزاء الاوفى او الربح المستقبلي، فلا ناشرٌ يأمل اليوم بمثل ذلك. ولا احد من الناشرين يراهن، في حال كهذه، على المستقبل.

ابرز الاسباب واكثرها ثباتا، انه لم يعد زمان شعر وان اهتمامات كثيرة تشغل الناس وليسوا في زمن كان الشعر المعبِّر الابسط والاقرب والذي ايضا لا يكلف ثمناً.. كيف وأكثر ما يصل الناشر غير مقنع ولا يبشر بجدوى، ان لم يكن مؤسفاً؟

في حال النشر، قد تدمر السلسلة وتربك مبيعها ثلاثة أو اربعة كتب رديئة! كيف وقد صار معروفا ان اغلب ما ينشر من شعر لا يغري قراءً فهو لا يُباع؟

من ناحية ثانية اذا كان الناشر لا ينشر الا بمستوى الشعراء الفحول او الكبار او المشهورين، معنى هذا لا ينشر شعرا. أيضا وهو اعتقاد شخصي، لو أن محرر الشعر لدى أي ناشر رأى في الكتاب الشعري موهبة نادرة ، لأهتم به، بل وألح على سرعة انجازه او نشره . لكن الاشهر تمضي والسنوات وليس ما يقنع ناشراً حدّ اتقاد الحماسة لنشر ما وصله والربح من نشره. ثمة خيبة. خيبة هي السائدة بعد كم كبير من الشعر. نعم قد ينزلق مختلف، متميز ولا يُنتبَهلهُ. لكن هذا نادر وعلينا الاعتراف. لا كتاب شعري يضمن للناشر ارباحاً للمستقبل. هذا أكيد. فاذا اضفنا ان الشعر عموماً غير موضع اهتمام، نكون بازاء عمل عبثي واسع لابد من التقليل منه او من اتساعه بهذه الصفة لنقلل الخسارة علينا وعلى الناشر. وما دام ليس كل الشعر يقرأ ، فليس اذا كل الشعر ينشر. نعلم جميعاً ان بعض الدواوين القديمة من شعرنا الحديث اكثر جدةً وغنى من كتب لا يبدو فيها ما هو مهم، الا الوان ولمعان الاغلفة. علينا الحديث في المسألة من جميع أوجهها.

والسؤال الان: وماذا نفعل لنجعل القراء يتذوقون ويفهمون او يحتاجون الى نتاجات الحداثة او النتاجات المعاصرة؟ هنا القضية تبتعد عن دار النشر لتكون ضمن اشكالات التقدم الاجتماعي ومذاقات وافكار الحضارة الحديثة .

محرر الشعر في الصفحة الثقافية غير محرر الشعر في دار النشر. في الصفحة الثقافية يهتم بالقصيدة التي تعجبه، التي توافق فضليات ثقافته الفنية والادبية العامة لينعش صحيفتهُ. هذا اذا كان متخصصا بالادب الحديث. اما بالادب القديم فصعب ان يجد الشعر الحديث عنده رضا أو قبولاً. نادراً ما يحصل غير هذا. محرر الشعر في دار النشر لا ينظر لأي مدرسة أو لأي اتجاه هذا الكتاب الشعري، ما يعنيه هل هو شعر يوافق المرحلة الثقافية للقراء اليوم وهل يرضي القراء المتخصصين ؟ كم نسبة من يرضيهم من جميع القراء؟

هنا ايضاً تدخّل رقم المَبيع؛ لأنه رقم نجاح العمل!

هكذا وكما اتضح صارت الجِدة وحداثة العمل وقدرته على الاثارة، اسباب اختلاف عن المعتاد واسباب ارضاء لدار النشر. ما يزال الأمل بأن يكون مؤثراً ومثيراً. المحرر حديث الثقافة لا يرتضي المجموعة من دون منهج أو رؤية. هو يفضل موضوعاً يضم القصائد ورؤية فردية متميزة. انتهى النظم، مناسباته وأسبابه ومضامينه. لنا ، نحن العرب، وفي العالم ، شعراء من النمط الحديث المتفوق وهم الشعراء المعروفون بامتيازهم.

وللمناسبة اذكر اعادة الصياغة التي قام بها ازرا باوند لقصيدة إليوت “ارضٌ يباب” Waste Land . لقد كان عمله في القصيدة عملاً تحريرياً. نشر الشعر يتطلب محرراً ناقداً متخصصاً ومتابعاً للفن الشعري الحديث. لا يتوافر هذا دائماً. ولكن حكماً سليماً على العمل يجعل مثل هذا المحرر المتخصص مطلوباً. مطلوباً ومهما لأنه بتلك الاحاطة وذلك الفهم وتلك الذائقة، يستطيع ان يلتقط الموهبة الجديدة والمزايا التعبيرية والفنية الجديدة.

صحيح هذا قليل ونادر والمواهب ليست بالقدر الذي تجري عنه الاحاديث والادعاءات، ولكن لمعةً تسطع بين حين وآخر وخسارتها ليست هينة ، لا على تطور الفن ولا على مجمل ثقافة الشعوب. ولا ننسَ هنا ان كلما تطور الشاعر، زادت مقدراته النقديةووعيه الفني. وهذا يعني انه يسهم أولاً بتقدير امتيازه أو اضافته.

لإليوت خبرة طويلة في نشر الشعر إذ عمل في دار النشر فيبر اند فيبر طويلاً. لم يكتب مقالة عن نشر الشعر ولكنه قال :

«بالنسبة للشعر، خطأ الناشرين ومتاعبهم تتأتى من أنهم يثنون الشعراء عن التعجل في النشر والاكثار منه . هذا لا يرضيهم لكن هذافي صالح الكتاب الشعري ليأتي انضج وأفضل من سابقه.”

لعله هنا يشير لما ذكره اودن من انه قدم كتابه الشعري الاول “الخطباء” الى فيبر وظل إليوت لا يعيد المخطوط الى أودن ولا ينشره، حتى وجد الوقت المناسب والجو الذي يضرب فيه ضربته الموفقة والمثيرة، فنشره!

أيضاً الشعر لا تنجزه الجوائز ولا كثرة النشر ولا الاسراف في الصور واللقاءات. ينجزه العمل الراسخ والمجيد، العمل الصامت الدؤوب، والجوع الثقافي الذي لا يهدأ. مطلوب من محرر المجلة، أو دار النشر عدم اعتماد رؤية أو فهم واحد لما يجب ان ينشَر. حين كان إليوت مسؤولاً لم تتقيد فيبر بنشر شعر “إليوتي” فهو إليوت نفسه لم يعتمد ذلك في اختياراته لما تنشره الدار. كان يريد “جديداً”. وهو نفسه يوصي بأن يكون ناشرو الشعر “محافظين” ولكن بحماسة للشعر الجديد الجيد، حماسة من الشاعر وحماسة من المؤسسات التي تنشر الشعر. كان لا يريد في المجموعة صفحة لا تُقرَأ !

اعتقد بأن أي شاعر يضع هذا الشعار أمام عينيه، “لا تكون في المجموعة صفحة لا تقرأ ..” ، سوف يكون عمله متقناً ومجموعته الشعرية خلواً مما لا ضرورة لنشره...

–يتبع-

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top