القاعدة الاجتماعية لثورة 14 تموز

القاعدة الاجتماعية لثورة 14 تموز

د. عقيل الناصريباحث متخصص في تاريخ ثورة 14 تموزأن التحليل الجدي \"للطبقات مهمة في غاية الصعوبة، إذ أنه يستلزم ،من ناحية، فهم الاتجاهات والمعيقات الموضوعية للبنية أو البنى الاجتماعية التي تشكل الطبقات جزءاً لا يتجزأ منها ويستلزم من ناحية أخرى، الضلوع في معرفة كمية هائلة من التفاصيل وخصوصاً تلك المتعلقة بالأفراد والعائلات الذين لهم تأثير اقتصادي وسياسي فعلي وبالعلاقات المتبادلة فيما بينهم [1]\".

 وما يزيد من صعوبة التحليل هو الظروف المادية الملموسة لماهية منطلق التحديث، الذي يحدده السيسيولوجي القدير د. فالح عبد الجبار في البلاد العربية مقارنةُ بما كان عليه في أوربا التي أنطلق فيها \" التحديث من الوجود الاجتماعي أولاً, من وسائل التعامل مع الطبيعة وبتحديد أدق عبر الانتقال من الحرفة اليدوية القروسطية البليدة إلى المانفكتورة الحديثة, أنه انتقال محفوف بانبعاث ابسمولوجي (معرفي) علمي تطبيقي (الفيزياء, الرياضيات .. الخ) سرعان ما شق طريقه إلى الفلسفة (أي مجال الفكر الاجتماعي) الحاضنة الشاملة لكل العلوم الطبيعية والاجتماعية عهد ذاك.كان بطل التحديث الفعلي: المنتج البرجوازي وكان حليفه الفكري رجل العلوم الطبيعية والفيلسوف اللذين كانا في أحيان كثيرة شخصاً واحداً. انطلق التحديث في بلداننا من ميدان الفكر الاجتماعي ولم يشق طريقه إلى الوجود الاجتماعي وكان بطله التاجر القروسطي, بمحدوديته التاريخية والفكرية والمقيدة بدولة مركزية مالكة لكل شيء ومانعة بالتالي لظهور المنتج البرجوازي المستقل... وفي مجرى التطور أنبثقت شروط نشوء المنتج البرجوازي، لكنها ظلت كسيحة وأنتقلت مهمات المنتج إلى الدولة، التي تبرز اليوم في بلداننا كمالك ومنتج وراعٍ اجتماعي. وهذا الدور محضها حقاً شاملاً جعلها سيدة المجتمع المدني الذي أنجبته، وليس نتاج هذا المجتمع الذي خلقها في أوربا [2] \", وهذا ما ميز العهد الملكي منذ تأسيسه ومن ثم ظهور نواتات النمط الرأسمالي إلى الوجود منذ نهاية الاربعينيات وتأسيس غرفة التجارة والصناعة وسريان فكرة التعامل الاقتصادي بين المؤسسات رغم ما يكتنف ذلك من كونها \"حداثة تقليدية، أو بتعبير هشام الشرابي هي (مجتمع بطريكي حديث)، أما بديلها الديني المطروح فهو تقليد محدّث. وينطوي الأثنان، بقدر ما يتعلق الأمر بالبنيان السياسي، على بذرة نفيهما الخاص وتجاوزهما الذاتي من داخلهما، طالما أن البنية السياسية الواحدية ليست نتاج منظومة فكرية، بل نتاج علاقة محدودة وخاصة جداً بين المجتمع المدني والدولة. [3] \". لقد احتاجت أوربا أكثر من 200 سنة حتى تنتقل إلى ما هي عليه من حيث استتباب التبلور الطبقي ذو البعد الرأسمالي، واحتاجت سنوات أضعاف ما ذكر حتى انتقلت من العبودية إلى الإقطاعية. كما كانت العلاقات الاجتماعية والثقافية والروحية والنظم السياسية في تغيير مستمر وصراع حاد طال كل المكونات الاجتماعية وأعمق بكثير مما نحن عليه في العراق الجمهوري من حيث المدة الزمنية والكلفة الاجتماعية، إذ كان من تكاليف التطور الأوربي، الصراع الطبقي الحاد بالمفهوم العام، كلفها حروباً داخلية وخارجية وانتهاكات فضة للفرد وحقوقه الطبيعة والمكتسبة وتسلط دكتاتوريات قمعية استبدادية المظهر والجوهر. وفي الوقت نفسه كان هذا التطور نتاج نضال الطبقات والفئات المستَغَلة لأجيال طوال.كانت الأفكار الدينية ملائمة للتحول إلى المجتمع الإقطاعي.. في حين كانت الأفكار العلمانية التحررية (التي هي ليست نقيضا للفكر الديني) تمثل الا لهام الروحي لمرحلة الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية. وعند تحليل التاريخ السياسي الأوربي في اتجاهه العام، سنلاحظ بالذات تلك الأزمة البنيوية التي رافقته والمتمثلة في طبيعة تركيب السلطة السياسية وعلاقاتها بالطبقات الاجتماعية المتناقضة المصالح والرؤى المستقبلية. وفي كيفية حل هذه التناقضات ذات الطابع التناحري.توضح صيرورة التطور التاريخي البشري أن مجتمع العبيد كان ذو وعي ميثولوجي، في حين كان المجتمع الإقطاعي في علاقته بالعالم دينياً، أما الوعي السائد في المجتمعات الرأسمالية فهو ذو طبيعة صنمية وتؤكد تجليات الوعي هذه على أن العام أكثر من الخاص والتي جميعها تصنع وعياً مزيفاً لا يختلف في بنيته إلا بالمظهر الخارجي حسب. وسيكون أكثر تشوها في المجتمعات المتخلفة ذات الأنماط المتعددة، حيث يقترن الوعي الميثولوجي بالديني وكلاهما بالصنمي، مما يؤدي إلى كبح دور الوعي الاجتماعي باعتباره قوة دافعة للتطور نتيجة هذا التداخل المتعدد الأبعاد سينعكس في الرؤى غير الواقعية وتلك الميتافيزيقية التي ستكبح التطور طالما أن الاقتصاد وأوالية صيرورته لم تصل بعد [ إلى الكائن بذاته] في مثل هذه المجتمعات. أن الظرف الموضوعي للعراق الملكي أدى، بالإضافة إلى عوامل سيسيولوجية/اقتصادية في بعدها الزمني، إلى تخلف القوى المنتجة وبالتالي عدم تبلور الطبقات الحديثة وتخلف المؤسسات الاجتماعية وهشاشة مكوناتها وقدرتها على إعادة إنتاج ذاتها وتطويرها على وفق سنن التطور. وبصورة عامة توضح تاريخية النظام السياسي للعراق الحديث لغاية الجمهورية الثانية (شباط 1963-مايس 2003)، أنه لم يكن محكوماً من قوى دينية صرفة ولا علمانية صرفة، بل خليط مشترك من هذه القوى. وعليه لم يخلق وعي اجتماعي نقي يتواءم مع طبيعة السلطة وفلسفتها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top