العراقيون..وثقافة القطيع

د.قاسم حسين صالح 2022/08/13 11:37:06 م

العراقيون..وثقافة القطيع

 د. قاسم حسين صالح

تعني (ثقافة القطيع)..القيام بسلوك او فعل غير منطقي وغير مبرر يقوم به الفرد حين يرى من حوله يفعلون ذلك، ما يعني سيكولوجيا أن تأثير الجماعة على الفرد تضطره او تجعله يتخلى عن استقلاليته والتصرف بنفس سلوكها.

وقد اجرى علماء النفس تجارب كثيرة لأثبات ذلك،بينها على سبيل التوضيح (تجربة المصعد)،تتلخص بدخول ثلاثة اشخاص الى المصعد فور دخول الشخص موضوع التجربة،ووقوفهم بشكل عكسي بأن يعطوا ظهورهم لباب المصعد. وحصل ان الشخص سرعان ما قام بحركات عفوية تدل على ضعف ثقته بنفسه مثل حك انفه انتهى الى الدوران والوقوف مثلهم!..لتخرج التجربة باستنتاج ان الفرد يتجاوب مع المجموعة،ويميل لاتباع رأي الأغلبية دون أي فضول لمعرفة الأسباب التي تدفعه لذلك.

ومن تلك التجارب توصل علماء النفس الى جوهر (عقلية القطيع) بانه الميل السلوكي عند الافراد لاتباع رأي الجماعة التي ينتمون اليها، و(سلوك القطيع) الذي يطلق على سلوك الاشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون لها دون كثير من التفكير.

وكان عالم النفس (مازلو) قد رتب حاجات الفرد بهرم ان لم يشبعها يصاب بالاحباط، بينها حاجة الانسان الى الانتماء الى جماعة تربطه بها علاقات عاطفية واجتماعية تضطره الى مسايرتها، فيما قام عالم بيلوجي بنشر مقالة بعنوان (هندسة القطيع الاناني) مفادها ان كل عضو في مجموعة ما - كما هو الحال في قطيع الحيوانات - يخدم مصلحته اولا بالانتماء الى مجموعة وممارسة نفس سلوكها وتبني نفس افكارها والدفاع عنها.

تدجين العراقيين على سلوك القطيع

تعود ثقافة القطيع في العراق الى زمن النظام الدكتاتوري، فهو انتج اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة) التي هي مادة (القطيع المطيع).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني (مصطفى حجازي) يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض..ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاءا لشرّه او طمعا في رضاه..ويتذكر العراقيون جموع (القطيع) التي كانت تهتف (للقائد الضرورة).

والمفارقة ان (سلوك القطيع) يتغير الى نقيضه بـ (سلوك قطيع) جديد، فما أن اطيح بـ (صدام) الذي كان قائد (القطيع) حتى تخلوا عنه، تحكمهم نفس الحاجة السيكولوجية في البحث عن (قائد) جديد وجدوه في (2006) في (نوري المالكي) ومنحوه لقب (مختار العصر)..وكانت ثقافة القطيع،المتجسدة بذوي الأصابع البنفسجية في الانتخابات هي السبب الرئيس في بؤس العراقيين وما اصابهم من شقاء وفقر وتوالي خيبات وخوف دائم من المجهول.. وما وصل اليه الحال الآن من صراع بين انصار التيار الصدري وانصار الأطار التنسيقي الذي قد تؤدي طلقة تائهة الى احتراب وسفك دماء، مع ان جماهير الطرفين ينتمون لمذهب واحد ومعتقد واحد.

اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية

ثلاثة عوامل سيكولوجية – اجتماعية كان لها الدور الفاعل في اشاعة ثقافة القطيع بين العراقيين بعد 2003،هي:اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية.

فمن خصائص اللاوعي الجمعي انه يغلّب العقل الانفعالي على العقل المنطقي في سلوك الفرد والجماعة،ويعطّل العقل المنطقي في اوقات الازمات،وأنه في جوهره..مخدّر وخالق أوهام...وهذا ما تجسد في(ثقافة القطعان) العراقية بعد 2006.

ولقد اوصلتنا متابعتنا العلمية لما حدث ويحدث في العراق الى ابتكار مصطلح جديد ادخلناه في عالم النفس العربي ويشكل اضافة عراقية لعلم النفس العالمي هو (الحول العقلي).. ويعني ان المصاب به يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها، ويرى في الجماعة الاخرى السلبيات ويضخمها ويغمض عينيه عن ايجابياتها،ويخرج بحكم خاطئ ان جماعته هي الافضل في كل شيء.

ومن هذا الحول العقلي تحديدا نشأت (سيكولوجيا الضحية). فبعد سقوط النظام في 2003 تضخمت (سيكولوجيا الضحية) في جماهير الشيعة والكورد،واشاع قادة الشيعة بشكل اوضح انهم كانوا مظلومين من الف سنة،فعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع..التعصبية والمتخلفة و..السخيفة. ففي لقائي بعدد من شيوخ وفلاحي الناصرية سألتهم لماذا تعيدون انتخاب سياسيين فاسدين،اجابوا(ندري بيهم فاسدين بس ما نريد الحكم يروح من الشيعه!).

بالمقابل، ان ثقافة القطيع تتراجع بين المسحوقين الواعين حين تتوفر لهم فرصة الخلاص من الطغاة. ففي انتفاضة(ثورة) تشرين/ اكتوبر 2019، دعتني خيمة جواد سليم لصاحبها (دار سطور) لالقاء محاضرة على المتظاهرين في ساحة التحرير،وأوصتني ان لا ادعوهم الى توحيد تنسيقياتهم، ما يدل على انهم كانوا الضد لثقافة القطيع. ولأن توحيد قياداتهم كان يشكل العامل الرئيس لتحقيق هدفهم في (استعادة وطن) فانني تجاهلت النصيحة ودعوتهم بطريقتي السيكولوجية الى توحيد صفوفهم..فكان التصفيق.

ويبقى التساؤل: ومتى ستتراجع ثقافة القطيع في العراق؟

الجواب يتوقف على دور القوى التقدمية والوطنية في اشاعة ثقافة الوعي التي تنمي ثقة الانسان بنفسه،وتعيد الشعور بالأنتماء للوطن وليس الانتماء الى (سيد او شيخ عشيرة) تضطره ان يمشي مع (القطيع) حتى لو كان يعرف انه..هالك!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top