الغريب.. نظرة في ضباب الهوية وسديم شجرة الامنيات

الغريب.. نظرة في ضباب الهوية وسديم شجرة الامنيات

علي الياسري

يُضيء المخرج امير فخر الدين في فيلمه الروائي الطويل الاول (الغريب) سرديات الحزن المنسي والمُتنامي على مدى اكثر من خمسة عقود لاحتلال اسرائيل مرتفعات الجولان السورية بتلك التراكمات الدرامية لفعل الاحداث ورمزيات التكوين البصرية المستمدة من الطبيعة والبيئة المكانية يرافقها حوارات مقتضبة ومكثفة تمثل هديرًا لعبث وجودي متفاقم حيث يتجلى الشكل الفني عن روح الصورة المبتغاة.

‏»الحياة عبثية ، إنها لا تبالي بما تحمله وتنجزه ، فهي مستمرة بدون شك ، يوجد طريقان للتعايش مع هذا العبث: إمّا أن تصبح عبثياً ، غير مهتم لأي شيء كان أو سيكون ، أو أن تصبح شخص عاديّا تعيسًا يتبخّر في الهواء مثل دخان سيجارة.» ألبير كامو.

يحمل عدنان الكثير من وصف كامو اعلاه فهو الطبيب الذي لم يكمل دراسته في موسكو فعاد ادراجه ليجسد خيبة حية لدى اهله ووالده بالذات الذي قرر حرمانه من الميراث في وصيته. صار عابثًا تعيسًا غير مبالي حتى بزوجته وطموحاتها في الهجرة من اجل عيش افضل ومستقبل احسن. انه يعرف الحياة جيدا لذلك لن يراها جميلة وأرضه تعيش الاحتلال كل يوم ووطنه الذي يمنعه عنه سياج حديدي ممزق تحت وطأة الفتنة والحرب. يستخدم فخر الدين الطبيعة كمعادل تصويري لهواجس شخصياته، ففي المُفتتح للفيلم تكون حركة الغيوم فوق المنازل الطافية على جبل الشيخ هي ارواح الساكنين التواقة لأحلامها والمأزومة بتشوش رؤيتها، ثم النار في الموقد كتعبير عن الاحتراق الداخلي للشخصية التي تعيش بصمت مفجوع همّ واقعها المُتشظي وتشتت الهوية. لكن عدنان مُتمسك بالبقاء يتنفس تراب المكان ويعتنق اشجاره. يعاند القدر المعاكس (واقع الاحتلال) حتى يلوي ذراعه ولو بالسخرية او يموت تحت ثقله. يلجأ المخرج امير الى محاكاة بصرية ذكية للافعال والمواقف. تتفاعل بشكل لافت في عمقها التعبيري منذ اول لقطة حتى اخر مشهد حيث تتكون شبكة علاقات ملتبسة ومعقدة بين الانسان/الانسان، الارض وكائناتها/الفرد، البيئة/الارواح المجاورة. فغرق مشهدية فيلمه في ضباب ودخان يؤكد من خلاله ان سكان الجولان المحتل يتملكهم اضطراب وجودي كئيب. ذواتهم حائرة ومعلقة، اشبه بذلك المنزل حيث الغيمة تحلق داخله من خلال النافذة. انها ازمة البقاء في الارض المحتلة المنسية او الرحيل للبحث عن وطن افضل.

تعمل الموجودات والمناخ العام والاضاءة وسكون الكاميرا -بالغالب ثابتة- على خلق شعور الاغتراب ومتابعة تداعياته لضمان تواصل دائم مع الحالة الذهنية لعدنان وسكان المنطقة، وكذلك تغذية مسارات الحكاية بالمعادل البصري للفعل. فالصقيع والبرد والضباب رمز لتشتت الهوية. والطرقات الجبلية ومنعرجاتها ووعورة مساراتها للحياة وصعوباتها. والاسوار المعدنية بمختلف اشكالها على الابواب او الشبابيك او سيارات الاحتلال او الحاجز المعدني الفاصل على الحدود هي اشارات صريحة وضمنية الى حالة الاسر والقيد المحكوم بها المنطقة وناسها والممتلئين بسأم التعايش مع هذا المصير المنسي. وان تدر البقرة الدم بدل الحليب لمرضها وان لا تطرح اشجار التفاح محصولها بيسر بسبب البرد القارس واختلاف العلاج بين عدنان وابيه والقطيعة يمثل الصراع بين الاجيال في النظر للامور وفهمها. هذا الانقطاع في التواصل بينهم ينتقل من بعده الدرامي المباشر الى نطاق السياسة والاقتصاد والتعامل مع المتغيرات الجيوسياسية والاجتماعية ليكوّن نظرة اشمل تخلق الحالة الفنية للفيلم. على عكس ذلك تبدو العلاقة باطارها العام بين الانسان والارض والزمن مشدودة لمنطلقات متعددة تارة تمسك بحقيقة اللحظة فتكون في محطة التاريخ حيث الواقع المرير للماضي والحاضر، وتارة تذهب لفضاء الغموض حيث رسائل روحية تلمس فضاءً ميتافيزيقيًا تشكله تفاعلات هذه الاركان الثلاثة. ومن هنا يمكن تعريف ذلك الإِبهام المغلف لسيرة الشخصيات، فهي لا تألو الكشف عن ذواتها بيسر لأن الماضي محكوم بمرارة الاحتلال والحاضر تواصل لتداعياته فيما المستقبل استبصار مضبب.

يترك امير فخر الدين العديد من اللمسات البصرية كدلالات تعبيرية تزيد من ثقل الخط الدرامي وتوسع فضاءات الاشارات الفنية لثنايا مواضيع جانبية تكمل تفاصيل اللوحة العامة لفيلمه الغريب. فالشمس معيار للحقيقة ومعادلة الضوء والظلمة راصد مهم لحالات الشخصيات النفسية وانعدام المعنى للحياة. يعطي بذكاء ايضا مساحات مهمة للصمت يستغلها في منح الكاميرا حرية تستثمر في افعال الموجودات لأثراء المسار الجمالي وقبله اغناء السرد. سيتكرر ذلك طوال الفيلم حيث سترى مشاهد مثل الطيور والحمائم المحلقة في سماء ملبدة بالغيوم وخلفيتها الصوتية رجع رصاص وقذائف تمثل واقع الموت اليومي، فتحيلنا لرابط تعبيري مجازي بين الارواح التي تزهق في الحرب السورية او بسبب الاحتلال. او دلق القهوة بالتزامن مع حديث الشيخ كبير القرية كإشارة للخروج من واقع سلبي ساكن او نضوب الخشب المطلوب للتدفئة كناية عن انتهاء صبر زوجة عدنان. تبدو المرأة في الفيلم مهمشة وصوتها مقموع. يتراجع دورها بفعل السطوة الذكورية، وهو نوع اخر من القمع يطرحه العمل ويؤكد من خلاله الحاجة الى الحرية ليست بمعيارها السياسي والجغرافي فقط بل ولنمط العلاقات الانسانية والنظرة المتباينة للجنس البشري بين الذكر والانثى.

يطوف الفيلم برؤاه ضمن سموات السينما الشاعرية فهو يقدم خلاصة جوهر الشخصية بانثيالات صورية مركبة تسعى لمراقبة الفعل البشري تحت ضغوط الازمة الخانقة. يقترب ذلك من نمط السينما لدى تاركوفسكي الذي يبدو تأثيره جليًا على البناء التكويني ونسق السرد وسلوك الشخصيات بالاضافة الى الاسلوب التقني لحركة الكاميرا لبعض المشاهد فيما ينهل احيانا وخصوصا في اللقطات البعيدة من طبيعة سينما كيارستمي المستغرقة في تأطير مسارات الحياة، بيد ان الجو العام للفيلم ومناخه يعيدنا ايضا الى (نظرة في السديم) فيلم المخرج ثيو انجيلوبولوس خصوصا بالمقاربة التي يحملها مشهد الختام في (الغريب) كتحية لسينما المُعلم اليوناني.

يُمسك امير فخر الدين بغواية ألغاز الحياة المُلتبسة فيرفع من نسق الدراما بتلك الانعطافة المحلقة بين الحقيقة والوهم لتفرض علينا واقع يختار فيه عدنان طريق الانتصار لهويته وانتمائه برمزية ذلك الجندي المصور المجهول الذي ظل يحلم بالعودة الى ضيعة جده والوقوف عند شجرة المنزل الكبيرة. انها امنية اخيرة تشرح الاشارة التي يحملها بيت شعر المتنبي المُستهل للفيلم، فان كان المرء غير قادر بسبب جور الزمان واقداره بالعيش في وطنه يفتخر بانتسابه وعزوته فعلى الاقل يمكن له الموت فيه ولو كحلم.

أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني

مَا لَيسَ يبْلُغُهُ من نَفسِهِ الزّمَنُ  

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top