إرادة الأمة والشرعية الثورية

آراء وأفكار 2022/09/15 12:20:03 ص

إرادة الأمة والشرعية الثورية

  محمد حميد رشيد

اياً كان الإختلاف في فهم مصطلح (الدولة) النصي أو اللغوي أو الإصطلاحي فإن الغاية من الدولة هي (تنظيم) المجتمع والإرتقاء به وتطوره وحمايته. وكل النظريات الديمقراطية مبنية على أساس (أن الشعب هو مصدر السلطة) ولا شرعية للسطة الحاكمة مالم تكن وليدة الإرادة الحرة للمجتمع ومن هذه القاعدة إنبثقت نظرية (العقد الإجتماعي) لدى هوبز ولوك وروسو الذي عبر عنها في كتابه الشهير (العقد الإجتماعي)

وهم من أهم افلاسفة الذين نظروا للعقد الإجتماعي فهو العقد الذي يتنازل فيه الشعب عن بعض حقوقه ويخضع للسلطة مقابل تنظيم المصالح المشتركة وتحقيق الحاجات الساسية والأمان له ولكنه تنازل مشروط مقابل مصلحة الأمة (الشعب) العليا فإذا أخلت السلطة بأي شرط أو فشلت أو فسدت وسرقت ثروة الأمة انتقض هذا العقد وللشعب حق التغيير قطعاً وله حق المحاسبة والإقتصاص مِن مَن نقض هذا العقد الإجتماعي! فهو ليس تخويل مطلق بل مقيد وهو ليس تخويل مقدس بل هو قابل للألغاء والتعديل وفق القوانين والدساتير التي تجعل الولاية الاولى للشعب لذا أشترطت كل الدساتير الديمقراطية المعتبرة العودة إلى الشعب مباشرة في كل القرارات المصيرية أو الخطيرة لكي يكتسب هذا القرار الشرعية ولا تكتفي بموافقة ممثلي الشعب .

بل ان الدولة ذاتها في المعنى الأكثر شيوعاً هي (جماعة منظمة ترتبط بروابط إجتماعية وقومية مشتركة) وهي بهذا التعريف قريبة كل القرب من تعريف الامة حيث أن روابط الأمة روابط طبيعية ومعنوية .أما الرابط الذي يربط “الشعب” بالدولة فهو رابط سياسي وقانوني ومنه تنبثق السلطات التي يخضع لها الشعب بموجب (عقد إجتماعي) ومنه ينبثق العقد السياسي (نظرية الدولة والأسس العامة للتنظيم السياسي – د. طعيمة الجرف) وفي الدولة الإسلامية لا طاعة للحاكم في معصية الله) ومنه إشترط الفقهاء الحصول على “مبايعة” غالبية الأمة كجزء أساسي من شرعية الحاكم .

وبهذا فإن على السلطة في كل الأحوال الديمقراطية والمدنية ان تحوز على رضاء الشعب لكي تحافظ على شرعيتها ولها بعد ذلك أن تمارس كامل صلاحيتها وتفرض سلطتها بالقوة والأكراه ما دام الشعب مقتنع بها وراضي عنها كونها تحقق المصلحة العليا للشعب بل أن السلطة السياسية يجب أن تعلوا فوق كل السلطات لأن الشعب خضع لها برضاه وبموجب شروط العقد بين السلطة وبين الشعب ويجب أن تخضع لها كل مؤسسات الدولة لا ان تتغول تلك المؤسسات على الدولة ولا شرعية دستورية أو (شعبية) إذا كانت خارج نطاق سلطة الدولة! وتكون شرعيتها محدودة ومنقوصة وهي غير الشرعية السياسية للدولة (شرعية دينية أو إجتماعية محدودة أو قومية ...) لكنها لن تكون شرعية بالمعنى السياسي وهي شرعية مقصورة على جزء من المجتمع قل أو كثر .

بل إن أول أركان الدولة هو (الشعب) وبعده (الإقليم و السلطة السياسية).

والسلطة السياسية في الأنظمة الديمقراطية تأخذ شرعيتها من الإجماع الشعبي (الموطنين) بل أنها منبثقة أصلاً من الروابط الإجتماعية والقومية المشتركة للأمة. لذا لابد من إستناد السلطة إلى (إرادة الأمة) ورضاها لانها صاحبة السلطة الفعلية ومصلحتها تقتضي وجود هذه السلطة .والسلطة والأمة متضامنتان ضد ما يهدد الدولة (إعتداء خارجي أو كل ما يهدد الأمن الداخلي وكل ما يضر بمصلحة الشعب العليا أو يشيع فيها عوامل الفساد والضعف أو يسرق ثروات الأمة) أو ينتقص من “سيادتها” فهي غير خاضعة لما سواها ؛ وهي سلطة “قاهرة” على ما سواها ولذا يجب أن تحتكر”لوحدها” كل مصادر القوة وبكل أصنافها (القوة العسكرية والإدارية والمادية ) التي تكفل إحترام النظام العام للدولة وكفالة سيادتها على كل أجزاء الدولة (الإقليم هو الركن الثاني بعد ركن الشعب). وخضوع “السلطة” للشعب يحفظها من ان تكون مستبدة وبيد الحاكم الفاسد او الفاشل ويسخرها لمصلحته او لفساده اولتغطية فشله أو لسن القوانين التي قد تضر بالشعب وتخدم مصالحه الشخصية ولأنها تنفرد بوضع القوانين العامة لتحقيق المصلحة العامة بل وتتكفل بتنفيذ هذه القوانين ؛ وفي ذات الوقت فإن من مصادر القوة للدولة خضوع الشعب بإرادته لها وسيادتها.

وللسلطة السياسية خصائص بها تنعقد شرعيتها ومن دونها فسلطتها منقوصة ومطعون في شرعيتها وهي (السيادة)غير خاضعة بأي شكل لأي قوة أو سلطة داخلية أو خارجية ـ (قاهرة) قادرة على فرض قوانينها وإحترامها لإحتكارها مصادر القوة المؤثرة وبرضاء الشعب عنها ــ تنفرد بوضع القوانيين وتتكفل بتنفيذها وتحاسب المتجاوزين عليها ــ (ذات إختصاص عام) في سائر مجالات الحياة وتمارس إختصاصها كما هو مرسوم لها “فالسلطة التنفيذية” يقتصر إختصاصها على تنفيذ القوانين ؛ و”السلطة التشريعية” البرلمان على سن القوانين والرقابة على التزام السلطة بتنفيذها. و “السلطة القضائية” على تطبيق القوانين والتشريعات . و”السلطة السياسية” تعلو فوق هذه السلطات وتراقب عملها ولا يجوز تحديد نطاق إختصاصها (ذات إختصاص عام) فضلاً عن خضوع جميع أفراد الشعب لها (موسوعة الفقه السياسي ـ د.فؤاد النادي) وهذا الخضوع واجب مفروض لا يجوز التجاوز عليه ولا يحق لأي جهة غيرها ممارسة هذه الصلاحيات. وأخيراً على الدولة أن لا تتنازل عن سيادتها وعلو سلطتها ولا تسمح بذلك كي لا تفقد ركناً من اركان قيامها وتخدش في شخصيتها السيادية .

وشرعية الدولة وشخصيتها المعنوية وقوتها تكمن في مدى قيام كل سلطة من السلطات الثلاث بدورها فإذا قصرت في أداء دورها طُعنت شرعيتها .

وعلاقة الامة بالدولة علاقة مشروطة ولكن للامة السيادة بلا شك لأن أصل العلاقة تعاقدية مشروطة بواجب كل سلطة من السلطات الثلاث ومعقودة بها وهذه هي حقيقة الدستور فهو تخويل من الشعب للسلطات الثلاثة (لذا فإن بعض الدساتير تبداء بعبارة “ نحن الشعب..) ويفصل الدستور الامريكي ذلك بالقول (نحن شعب الولايات المتحدة رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالاً، وفي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام وتأمين نعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية.) ويبداء الدستور الألماني بالقول (أن الشعب الألماني خلال ممارسته للسلطته التأسيسية يدرك مسؤولياته أمام الله والبشر).

وكون الشعب في الانظمة الديمقراطية هو مصدر كافة السلطات (وليس البرلمان فقط) فإذا جاز للشعب إسقاط البرلمان فله من باب أولى إسقاط كل ما أنبثق عنه من سلطات ولكون الامة الركن الاول من اركان الدولة وللعقد الإجتماعي بين الشعب والدولة خصائصه المشروطة بقيام كل سلطة بواجب محدد لها فالدور الرقابي للبرلمان هو الدور الاول ومن أجله انتخبه الشعب والسلطة التنفيذية عليها تنفيذ القوانين بعدالة ومن أجل ذلك خضع الشعب لها وسيادة القضاء جاء من تطبيق القوانين بشكل عادل ومحايد ومن دورها في محاسبة المتجاوزين على القوانين وللشعب السيادة العليا والرقابة على كل تلك السلطات لكنه مشروط بالقوانين والدستور فإذا أخفقت أي سلطة من السلطات في الالتزام بواجباتها حق للشعب الأعتراض عليها بل وإزاحتها بموجب (الشرعية الدستورية) فإذا لم يكن هناك إستجابة لمطاليب الشعب فله اللجوء إلى إزاحتها وإسقاط شرعيتها لأنها اصل لم تعد في مثل هذه الحالة شرعية! وللشعب الحق في اللجوء إلى (الشرعية الثورية) إن تم التجاوز على الشرعية القانونية او الدستورية أو العقدية وبهذا لايكون الشعب هو الخارج عن القانون بل هو يحمي الدستور والقانون..

صحيح أن المراحل الانتقالية في بداية اي تغيير جذري قد تحتاج الى (الشرعية الثورية) لأن تغيير النظام القائم إلى نظام جديد هو في حقيقته انقلاب على النظام القائم والقوانين النافذة لكن هذا ليس دائماً صحيح فهناك ثورة شعبية لحماية القوانين والشرعية الدستورية لأنتهاكها من قبل أحدى السلطات أو كل السلطات. وهو بهذا يختلف عن (الإنقلاب العسكري) بل إن الرفض الشعبي (الثورة الشعبية) حق دستوري للأمة في مثل هذه الحالة وللشعب الإستعانة (بالشرعية الثورية) للمحافظة على الدستور والقوانين ضد الخارجين عن الدستور والقوانين من الفاسدين أو الفاشلين ولا يمكن للشعب أن يظل ساكتاً إذا ما فشل نوابه في منع الفساد أو تحقيق العدالة أو أخل في حماية مصلحة الأمة وكذلك إذا ما قصر القضاء في تنفيذ القوانين والإقتصاص من الفاسدين أو الخارجين عن القانون أو الدستور وكذلك إذا ما فشلت السلطة التنفيذية في تحقيق مصلحة الأمة أو تم الطعن في شرعيتها . لذا فإن (الشرعية الثورية) قد تاتي لحماية (الشرعية الدستورية) والدفاع عنها كون الشعب هو السلطة الأعلى في الدولة الديمقراطية وله القرار النهائي وله ان يعبر بالطرق التي يراها تحقق إرادته ومصلحته ولا يسمح للفاشلين والفاسدين بالإستمرار بفسادهم إن عجز البرلمان أو السطة القضائية عن محاسبتهم وتنحيتهم وسكوت الشعب يمنح الفاسدين شرعية لايستحقونها. والشعب يمثل نفسه بكل اطيافه وطبقاته ومنهم المشاركين في الانتخابات ومنهم غير المشاركين بلإنتخابات. فاليحذر الفاسدين وحماتهم ومن يتستر عليهم من غضبة الشعب وثورته القادمة التي تلوح واضحة في الأفق إن شاء الله

تعليقات الزوار

  • محمد حميد رشيد

    السرعبة الاولى للشعب فهو مصدر السلطات والسيادة الاولى للشعب وكل السلطات عاملون لدى الشعب •. ولا سيادة للسراق والفاسدين والفاشلين وللشعب أن يعزلهم ويستبدل غيرهم

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top