شرط المصلحة في الدعوى الدستورية

آراء وأفكار 2022/09/20 11:26:49 م

شرط المصلحة في الدعوى الدستورية

  هادي عزيز علي

طبيعة إختصاص المحكمة الدستورية والدعوى الدستورية مختلفة عن طبيعة اختصاص بقية المحاكم و الدعاوى الاخرى التي ينظرها القضاء ومرد ذلك النصوص الدستورية المؤسسة لها .

لذا يلزم ان يكون القانون الضابط لاجراءاتها منسجما مع الطبيعة تلك الدعوى ابتداء من رفع الدعوى حتى صدور الحكم فيها . في حالة العوز النصي في قانونها يصار الى قانون المرافعات المدنية باعتباره القانون المنظم بوجه عام للقواعد الاجرائية بشرط الا يكون النص الذي تم الاستناد عليه في قانون المرافعات يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة الدستورية وهذا الاشتراط يندرج في القوانين المنظمة لعمل المحاكم الدستورية المختلفة ومنها على سبيل المثال المحكمة الدستورية العليا المصرية اذ نصت المادة 28 من قانونها على : ( فيما عدا ما نص عليه في هذا الفصل تسري على قرارات الاحالة والدعاوى والطلبات التي تقدم الى المحكمة الاحكام المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية «بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والاوضاع المقررة امامها «.

الا ان النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 وفي المادة (50) نص على تطبيق قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل في ما لم يرد فيه نص في هذا النظام ، وقد جاء هذا النص بشكل مطلق اي من دون اشتراط عدم تعارضه مع الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية اي ان القاضي الدستوري ملزم يطبق قانون المرافعات المدنية بذات الالية التي يطبقها قاضي محكمة البداءة وقد اتضح ذلك جليا في تطبيقات عدة للمحكمة الاتحادية العليا منهاعلى سبيل المثال موضوع الامر الولائي الذي تناولناه في مقال سابق . والامر ذاته متحقق في شرط المصلحة موضوع سطورنا هذه اذ الملاحظ في تطبيق احكامها هو الاستناد الى احكام المادة (6) من قانون المرافعات المدنية التي تنص على ( يشترط في الدعوى ان يكون للمدعى به مصلحة معلومة وممكنة ومحققة ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو الى التخلف منالحاق الضرر بذوي الشأن ... ) . ومعلوم ان المصلحة في الدعوى الدستورية تختلف عن الدعوى في القضاء العادي بسبب طبيعة المحكمة الدستورية التي تنظمها احكام تستند الى النصوص الدستورية التي لا تتوفر في القضاءالعادي ، صحيح ان هناك اكثرمن تماثل بين الدعويين وبمرجعية مشتركة لقانون المرافعات المدنية كأقامة الدعوى والتبليغات وطريقة الترافع وتقديم الدفوع الا ان هذه المشتركات لاتلغي طبيعة المحكمة الدستورية .

ظهرت الرقابة الدستورية من اجل حماية الحقوق والحريات التي يتمتع بها الافراد في مواجهة القوانين والانتهاكات التي تعطل تلك الحقوق والحريات و التمسك بسمو القواعد الدستورية من خلال الحكم بعدم دستورية ما يخالفها لذا تعتبر المصلحة على وفق مفهوم القضاء الدستوري ليس مجرد مخالفة النص القانوني للقواعد الدستورية بل الضرر الذي يصيب الافراد جراء تطبيقات النص القانوني المخالف لاحكام الدستور وقواعده . من هنا نأتي على المختلف بين المصلحة في الدعوى الدستورية وما يقابلها من مصلحة في دعاوى القضاء العادي :

اولا - الدعوى الدستورية لها طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الدعاوى في القضاء العادي كما اسلفنا اذ يعرف فقهاء القانون وشراحه الدعوى الدستورية : ( انها خصومة عينية بطبيعتها اذ ان قوامها مقابلة النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور بالقواعد التي فرضها على السلطتين التشريعية والتنفيذية لالزامهما بالتقيد فيها ... ) . ومن هذا التعريف يتضح ان النصوص ذاتها هي موضوع الخصومة في الدعوى الدستورية ومحلها ، وهدفها اهدار تلك النصوص بقدر تعارضها مع الدستور . ومن هذا التعريف يتبين ان الخصم في الدعوى الدستورية غير الخصم في الدعاوى الاخرى وخاصة الدعاوى المدنية التي يكون فيها الخصم شخصا وهذا الشخص اما ان يكون طبيعيا او معنويا وكلاهما يجب ان تصح خصومته من الوجهة القانونية من حيث البلوغ والاهلية والعيوب التي تطرأ على الارادة .

ثانيا - ان المصلحة في الدعوى الدستورية لا تشترط ذات الشروط التي تتطلبها المصلحة في الدعاوى الاخرى ، لان لاي قاضي معروض امامه نزاع معين ومن تلقاء نفسه اثناء النظر في الدعوى ان يطلب البت في عدم دستورية نص في قانون اونظام يتعلق بتلك الدعوى ولامر ذاته بالنسبة لعضو الادعاء العام وللمحكمة استئخارالبت في الدعوى لحين صدور حكم دستوري بشأن الطلب المذكور ، ومعلوم ان قاضي المحكمة اوعضو الادعاء العام فيها ليس لديهما مصلحة شخصية بذات المصلحة المفصلة في المادة (6) من قانون المرافعات المدنية لكون التوصيف القانوني للمصلحة في الدعوى الدستورية غير المصلحة في الدعاوى الاخرى التي تكتسب الطابع الشخصي . تلاحظ ( المادة 18 / اولا من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا المرقم (1) لسنة 2022 .

ثالثا – في الدعاوى العادية يكون من مصلحة المدعي ( المتضرر ) ان يطلب من المحكمة جبر الضررالذي اصابه من الخصم ، في حين ان المصلحة في الدعوى الدستورية لا تشترط وجود الضرر للفصل في النزاع ، اذ نصت المادة (19) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية على : ( لاي من السلطات الاتحادية الثلاث والهيئات المستقلة ورئاسة وزراء والاقليم والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظين الطلب من المحكمة البت بدستورية نص قانوني او نظام ) . وهؤلاء يقدمون الطلب من دون تعرضهم للضرر فضلا عن ان المحكمة الاتحادية العليا لا تكلف اي من المدعين المذكورين في هذه المادة باثبات الضررالذي مس مصالحهم جراء النص القانوني المطعون بصحته ، خلافا لاحكام المصلحة المقرونة بالضرر في الدعاوى غير الدستورية .

رابعا – ان حجية الاحكام التي تصدرها المحاكم العادية يقتصر اثرها على مصالح اطراف الدعوى ( الخصوم) ولا يسري نطاق سريانها الى الغير الذي لم يكن ممثلا فيها ، في حين ان اثر حجية الحكم الدستوري يسري على الغير وان لم يكن طرفا في الدعوى الدستورية ، فاذا ما اصدرت المحكمة الدستورية حكما بعدم دستورية نص قانوني لكونه يتعارض مع الحريات والحقوق الواردة احكامها في الدستور فان اثره يطول المواطنين كافة ولا ينحصر اثره بالممثلين في الدعوى .

خامسا – المصلحة في الدعوى الدستورية هي مصلحة قانونية موضوعها التمسك بحق اومركز قانوني مكفول بنص دستوري ، وبعبارة اخرى ان شرط المصلحة هنا يحوز على الرعاية الدستورية اي يحميه الدستور من اعتداء المشرع وتعسفه . في حين ان المصلحة في الدعاوى المدنية تاخذ الجانب الشخصي المتعلق بحقوقه المالية او الاعتبارية قدر تعلق الامر بالمسؤلية المدنية بشقيها العقدي اوالتقصيري ، وهنا يبدو البون شاسعا بين المصلحة القانونية التي يحميها الدستور والمصلحة التي تنظمها القوانين الاخرى والتي تعني المصلحة الشخصية المباشرة .

كان حريّ بالمشرع للنظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا ان يفصح عن احكام المصلحة على وفق طبيعة الدعوى الدستورية واحكامها لا ان يحرج قضاتها ويقسرهم على اصدار الاحكام القضائية لاتنسجم والدعوى الدستورية .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top